مكث الناس سنة أو سنتين ينتظرون جوق جورج أبيض بفارغ الصبر، بعد أن سمعوا عنه أنه قَدِم إلى العاصمة حاملًا معه ثمرة درسه في باريس، عازمًا على إحياء التمثيل، مضحيًا في سبيل ذلك بكل مرتخص وغالٍ. لبث الناس كثيرًا يعللون النفس بالأماني، وينظرون للمستقبل بعين الرضا، ويرون في جورج أبيض المختبئ وراء الستار الرجلَ الهائل الذي سيكشف الجدب، ويسقي التمثيل من ريق قدرته وهمته، ثم ظهرت إعلانات أبيض مطبوعة على ورق كبير الحجم طويل الطول والعرض، وملصقة على جدران العاصمة، ومكتوبة بالخط الثلث، وكان عهدهم بإعلانات الشيخ سلامة حجازي غير ذلك، والفرق كبير بين إعلان مطبوع ملصقة نُسَخه في كل مكان، وآخَر مكتوب بالحبر معلَّق على باب دار التمثيل العربي، أدهشهم شكلُ العنوان، وأدهشهم أسماء الممثلين وبينهم رشدي وسليم، وقد وفدَا للتمثيل من غير بيئته، وأسماء الملحنين وعلى رأسهم رحمي ورأسه ملتقى الألحان الشرقية وأسماء الراقصات، وبينهن مَن كانت ترقص على مسرح الأوبرا في الأجواق الإفرنكية، ثم نظروا إلى أسماء الروايات، ولكنهم مروا عليها مرَّ الكرام، وأصبحت العاصمة في هرج ومرج، ترى الناس على القهاوي لا حديثَ لهم غير أبيض، وتسمع الطالب يقول لصاحبه أمام باب مدرسته: «هل اشتريت الاشتراك الأول أو الثاني؟» وفي كل مكان كان أبيض تلمع لذكره الوجوهُ وتبرق الأسرة، ولكنه كان مختبئًا وراء الستار جالسًا جلسة السكون والراحة كعادته يشاهد التجارب بعينه الثاقبة، تارةً يبتسم ابتسامته القصيرة، وطورًا يصرخ صرخته الهائلة.

أجل، كان أبيض منار التمثيل في ذلك الوقت، وبه استقلت الشبهة واستقرت الحجة، فكان يتمشى هادئًا في سرحة الأمل، وكأن الدنيا تصدَّعت لقدرته الفنية، والأقدار سكنت أمام هيبته العبقرية، فجلس على كرسي أوديب وهو يقول: «أنا ابن التوفيق والسعادة.»

ثم ارتفعت الستار وابتدأ التمثيل، وظلَّ أبيض يمثِّل في جوق يحمل اسمه، يحله تارةً ويؤلِّفه طورًا، إلى أن اتفق مع المرحوم الشيخ سلامة حجازي، وباتفاقه معه انتهت نهضته الأولى، وابتدأت نهضته الثانية.

كان أبيض في بدء عمله نشيطًا حيَّ القلب في غنًى عمَّن ينفض عنه غبار الخمول، ويشحذ عزيمته على البدار، ولكن همته تناقصت شيئًا فشيئًا إلى أن دخلت في ظلام العدم يوم أن اتخذ له في فنه شريكًا لم يعرف في حياته غير الإرادة والإقدام والثبات، على أن هذه الهمة الكبيرة كانت في طور من أطوار أبيض كبيرةً في البدء ومعدومة في النهاية؛ ترى أبيض إذا ابتدأ في تأليف جوق جديد يسحرك بعذب المقال وكثرة الوعود، تراه رجلًا مقدامًا يصير إلى الردى بوجه مشرق الجبين لامع الصفحة ضاحك السن، فإذا اقتضت غدوة هذه الهمة بعد بلوغ أبيض غايته من تأليف جوقه؛ تملأ عينك من منظر يبدو لك شاحبًا، ثم يسودُّ شيئًا فشيئًا حتى لا ترى فيه شيئًا، اللهم إلا الظلام القاتم، فالرجل من الناس الذين يظنون في أنفسهم القدرة والإرادة، فإذا بدءوا بعمل تملَّكهم الإنضاء، ورجعوا إلى الوراء شيئًا فشيئًا إلى أن تأخذهم سِنةٌ من النوم، فيناموا إلى ما شاء الله قبل أن تستنزف الأيام ماءهم، ويعجم الدهر عودهم؛ ولهذا اشتهر عن أبيض أنه المدير الوحيد الذي اتخذ له سُنَّةَ حلِّ الأجواق وتأليفها.

وإذا نظرنا إلى عمل أبيض نراه ذا أطوار خمسة: الطور الأول يبتدئ من احترافه التمثيل إلى عهد اشتراكه مع الشيخ سلامة، والطور الثاني يبتدئ من عهد اشتراكه مع الشيخ سلامة إلى عهد افتراقه عنه، والطور الثالث من يوم افتراقه عن الشيخ إلى يوم اتحاده مع عمر بك سري، والطور الرابع من يوم افتراقه عن سري بك إلى يوم شرائه تياترو الرينسانس، والطور الخامس من يوم شراء الرينسانس إلى يومنا هذا.

الطور الأول

قدَّمَ لنا جورج أبيض في الطور الأول من حياته التمثيلية وفي أزمان مختلفة — كان يحلُّ فيها جوقه ويعيد تأليفه — رواياتٍ عدة، ننتخب منها ما يستحق النقد، وهي: أوديب، لويس، عطيل، الأحدب، روايات عثمان بك جلال، مضحك الملك، الساحرة، نابوليون، مصر الجديدة، روي بلاس، الشرف الياباني، الإيمان.

ابتدأ جورج بروايات ثلاث: «أوديب، عطيل، لويس» لها مكانة كبرى في تاريخ الأدب في أوروبا، روايات قيِّمة لا تتجهم بوجوهها الأيام، ولا تذبل غضارتها مدى الدهر، ابتدأها على الشكل الذي يتطلَّبه الفن، فلم يخل بفروضه، ولم يقصر عن القيام بواجبه، اشترى لها أجمل الملابس، ومثَّلها على أكبر مسرح مصري، وأتقن تمثيلها هو ومَن وقف على المسرح يمثِّل بجانبه، وساعَدَه على إخراجها متقنةً لا تشينها شائنة تلقِّيه أدواره الثلاثة على نوابغ الممثلين في أوروبا، ثم أتانا بعدها بروايات لا تساوي الأولى في الفن، ولا في جمال الملابس والمناظر: «الأحدب»، روايات عثمان بك جلال، مضحك الملك، الساحرة؛ فرواية الأحدب من نوع الدرام الخالية من كلِّ تحليل أخلاقي أو نفساني، وليس فيها إلا مواقف كاذبة تؤثِّر على عقل الجمهور الساذج، ومثَّل فيها جورج الدور المهم، وكان الدور لا يتفق مع طبيعة أبيض، فأخرجه للناس ناقصًا مهشمًا. أما روايات عثمان بك جلال فهي مترجمة عن روايات موليير مشهورة معروفة تساوي روايات شكسبير، ولكن تمصير الموضوع وبرود أبيض في دور الشيخ متلوف قذف بالروايات من حالق بعد أن كانت غرة في ناصية الأيام. ورواية مضحك الملك من روايات هيجو الذي أراد فيها تقليد شكسبير فلم يفلح، وروايات هيجو كلها محكوم عليها بالإعدام من الوجهة الفنية، وليس فيها غير جمال أشعارها، وأين هذا الجمال في الترجمة وهي سقيمة خالية من البلاغة والجلال؟ أما رواية الساحرة لساردو فهي الرواية الجديدة التي وُفِّق أبيض لترجمتها، ثم اتفق أبيض مع آل عكاشة، وقدَّمَ لنا نابوليون ومصر الجديدة، الأولى معرَّبة «خفيفة الدم»، ولهذا نرى الجمهور يستمرئ لذة سماعها بلا ضجر ولا تأفُّف، ولكن قيمتها الفنية ليست بالشيء الكبير، والثانية رواية إفرنكية اسمها «زازا»، مصَّرَ فرح أفندي أنطون موضوعها، وأدخَلَ بعضَ مشاهد مصرية كتخت الغناء وبائع الجرائد وفاتحة الفال — صاحبة الودع — فأتَتْ خليطًا بين موضوع إفرنكي وتمصير لا يتفق مع الروح المصرية وشيء من الريفو كان السبب في إقبال الجمهور عليها، ولا ينسَ القراء أنها رواية مصرية مؤلَّفة. أما جورج فقد أتقن دور نابوليون، ولكنه كان في دور فؤاد بك مع الجمهور يتفرج على الحب.

ثم انفصل جورج عن آل عكاشة، وألَّفَ جوقًا جديدًا قدَّمَ لنا فيه الروايات الأخرى، فروي بلاس من نوع مضحك الملك، والشرف الياباني من الأحدب، وليس فيها من الجمال غير الجو الياباني الذي تسير فيه حوادث الرواية، والإيمان رواية فنية جديرة بالاحترام والتبجيل، ويا حبذا لو أُعِيد تمثيلها على شريطة أن يقوم جورج بدور الكاهن الأعظم، ويتخلَّى عن دور ساتني لغيره من شبان التمثيل.

هذا هو الطور الأول من أطوار أبيض، وهو كما ترى كبيرَ المبدأ صغيرَ النهاية.

الطور الثاني

وجد جورج أفندي أبيض بعد ركوبه أكتافَ المكاره ومسحه أطراف المراحل أن سوقه كسد ومتاعه فسد، وضربته الحرب تلك الضربة الشديدة في تياترو الكازينو دي باريز، فهزَّتْ نفسه بعد خمولها، وأشعلت في قلبه جذوة الإقدام بعد انطفائها، فأراد أن يردَّ دولته إلى نصابها، ويُجرِي أموره على أذلالها، فاتفق مع الشيخ سلامة، وكان الاتفاق في مصلحة الاثنين يوم وجدَا عكاشة يجلس على أريكة الشيخ في دار التمثيل العربي، وكان الاتفاق ملجأً للأستاذين يأويهما من قفر ويغنيهما من فقر، وابتدأ أبيض الطور الثاني من حياته التمثيلية، وكان طورًا عجيبًا مثَّلَ فيه أبيض ريكاردو وعمو ناصر، بل سمعناه يشجي الأسماع في دور نيلسكو وهوراس، وانقلب جورج انقلابًا مضحكًا بعد أن نكس رأسه أمام صروف الدهر، والدهر ظالم لا يفل حديده إنسان، ولكنه لم يتحول عن فنه القديم، بل قدَّمَ لنا على مسرح الأوبرا روايات صلاح الدين ومملكة أورشليم والحاكم بأمر الله وخوناتون وقلب المرأة، أما الأولى فرواية تاريخية أظهَرَ لنا فيها المؤلف بعض حوادث صلاح الدين، ولكنه لم ينجح تمامًا في تحليل أخلاق أشخاصه، وكانت الرواية شؤمًا على جورج؛ لتفوُّق محمد أفندي بهجت عليه في دور صلاح الدين، أما الحاكم بأمر الله فقد أتقن جورج دور الحاكم، ولكن الرواية انقلبت بعد الفصل الأول والثاني من الدرام إلى الميلو درام، بعد أن كانت درامة فنية من أبدع ما كُتِب، والثالثة تاريخية أيضًا أراد المؤلف فيها تحليل فكرة اجتماعية وإثبات صحتها للجمهور، ولكنه لم ينجح كثيرًا في ذلك، كما أنه سقط سقوطًا فادحًا في بناء روايته؛ لأنه بناها على طريقة تعدُّد المناظر متَّبِعًا خطة شكسبير، وهي خطة قديمة أكل الدهر عليها وشرب، أما الرواية الأخيرة فهي من نوع الكوميدي دراماتيك، أجاد المؤلف تأليفها، غير أنها لا تخلو من مشاهد تحتاج للتبديل والتغيير، ولو فعل المؤلف ذلك لَأصبحت روايته من خير ما كتب، بل خير ما كتب.

ثم انفصل جورج أفندي عن الشيخ سلامة، وبانفصاله انتهى الطور الثاني من حياته التمثيلية، ولو ألقينا نظرة على هذا الطور، لَصَحَّ أن نطلق عليه طور التأليف، ولكنه لم يكن طورًا يشبع القلب ويطفئ أوار النفس.

الطور الثالث

عزَّ على جورج أفندي أن يرى شريكه المريض يقوى زنده على الدهر، ويؤلِّف جوقًا كبيرًا يمثِّل فيه رواياته القديمة مُضِيفًا إليها روايات جديدة، وعزَّ على نفسه أيضًا أن يرى جميعَ الممثلين ينفضون من حوله إلى جوق الشيخ وعكاشة ومنيرة، فقامت في رأسه فكرة جديدة، ورجعت إلى نفسه عزة التمثيل، وأراد أن يرجع إلى مقامه الأول، فألَّفَ جوقًا من الشبان المغرمين بالفن كعبد القدوس ومحمد توفيق، ودعا عبد الرحمن رشدي للانضمام إليه فلبَّى طلبه، ثم اتفق مع عمر بك سري وألَّفَ جوقًا فنيًّا، ومثَّلَ في الأوبرا أربعَ روايات جديدة: «مكبث، الممثل كين، العرائس، الضحايا» كانت سببًا في ثروة مالية دخلت جيب جورج، ثم حلَّ جوقه بعد ذلك، وعذره فيما فعل المرض. أما رواية مكبث فيكفينا أنها من تأليف شكسبير وتعريب الخليل، وكين فهي من نوع الأحدب ليس لها أية قيمة فنية، ولكنها لغرابة مواقفها وتأثير مشاهدها حازَتْ إقبالًا لم تحزه رواية قبلها، وسنمكث مدة طويلة حتى يأتينا الزمن برواية تنال شهرةً تساوي شهرتها. ورواية العرائس كوميدي أخلاقية من روايات الكوميدي فرانسيز، حازت في مصر وفرنسا إقبالًا عظيمًا. والضحايا رواية مؤلَّفة لم تنجح كثيرًا لما أدخله فيها المؤلِّف من النظريات العلمية المحضة، ويا حبذا لو كان المؤلِّف اقتصر على موضوع الرواية الاجتماعية؛ لأنَّا لا ننكر عليه قدرته الفنية، والفصل الأول من روايته كفيل بإظهار هذه القوى، ولا ننسى أن نقول: إن فضل جورج هو في إظهار رواية كين ومكبث، أما الضحايا والعرائس فلعبد الرحمن رشدي الفضل في إخراجهما. ثم انتهى الطور الثالث من حياة جورج التمثيلية، وهو طور قصير جدًّا، ولكنه أكثر تقرُّبًا من الفن من طوره الثاني، وإنْ كان أقل تقريبًا من الفن في الجزء الأول من طوره الأول، جزء الروايات الفنية «لويس، أوديب، عطيل»، ولا ينسَ الجمهور أن هذا الطور ابتدأ بالهمة وانتهى بالعدم.

الطور الرابع

ثم ابتدأ جورج أفندي أبيض الطورَ الرابع من حياته التمثيلية بعد مدة طويلة قضاها بين علاج مرضه العصبي، وتأليف مدرسة للتمثيل انقضى أجلها يوم تأليف جوقه الجديد.

ظهر لنا جورج للمرة الرابعة بهمة كبيرة، أخرَجَ لنا بها عدة روايات بين الجيدة والتافهة: «دخول الحمام مش زي خروجه، شارل السادس، تيمور لنك، الشعلة، العثرة الأولى». فدخول الحمام راوية لم يسبق لمؤلف مصري تأليف رواية مثلها، وهي من نوع الكوميدي الأخلاقية، ولقد نجح المؤلِّف في تحليل أشخاصها تحليلًا وافيًا. أما تيمور لنك وشارل السادس فمن نوع الأحدب، أي ليس لهما أية قيمة فنية، وإن كان لهما من التأثير ما يدهش بصر الجمهور الساذج. والشعلة رواية وطنية جميلة طبقت شهرتها الخافقين، والعثرة الأولى كوميدي دراماتيك لم ينجح مؤلِّفها الفرنسي في تحليل أخلاق أشخاصها، وهم أشخاص حزانَى تغَالَى في تلوينهم بلون قاتم، وأفادته هذه المغالاة؛ لأنها جلبت إليه الجمهور الجاهل الذي يتأثَّر لعوامل التأثير والحزن، كما يتأثَّر لعوامل الضحك والهزل. ومن العجيب أن جورج أفندي لم يكن له دور إلا في الروايتين التاريخيتين، ولهذا لا يصح أن ننسب له نجاح الشعلة ودخول الحمام لنبخس حق عزيز أفندي عيد. ثم انشقَّ عزيز أفندي عيد عن جورج أبيض، وبانشقاقه انتهى الطور الرابع من حياة جورج التمثيلية، وهو طور كما ترى ابتدأه جورج بهمته المعروفة، ثم عمد إلى الكسل، ملقيًا الأمر كله على عاتق شريكه عزيز عيد.

الطور الخامس

ثم أجَّرَ جورج أبيض داره الجديدة، وهنا نقف بالقلم عن الخوض في الكتابة، حتى نرى نتيجة مسعاه الجديد، ثم نحكم عليه بعد ذلك، ونحن لا نتمنَّى له غير النجاح في عمله الجديد، آمِلين أن يكون قد اتخذ من ماضيه درسًا كبيرًا؛ حتى لا يعثر في مشيته فيختل وكد قلبه ويعود بالخيبة، وفي خيبته خيبة التمثيل.

جورج أفندي أبيض ممثِّل كبير، ولكنه ضعيف الإرادة، يخنع لكلِّ مَن يلبس له لبوسًا جديدًا يخطف به بصره، ولولا الجماعة التي تطوف حوله، وتُظهِر له الحسن قبيحًا والقبيح حسنًا، لَملَكَ جورج أفندي أعنة الجمهور يتصرَّف بها كما يشاء. على أن الأمر العجيب الذي يدهشنا به هو إقدامه المدهش الذي لا يلبث أن ينتهي بالكسل والخمول، على أننا نأمل والريحاني رب الأمر والنهي أن تهز الغيرة قلب أبيض، فيبدأ بالإقدام والهمة، ويستمر عليهما حتى ينجح النجاح الفني الذي يرجوه منه كل محب للفن، وأمامنا المستقبل كفيل بكل خير، وعلى الله الاتكال.

جورج أبيض كممثل

اشتهر عن جورج أبيض أنه لا يتقن من الأدوار غير أوديب ولويس وعطيل، وهي الأدوار التي تعلَّمها في أوروبا، ومكث الناس يعتقدون ذلك، بل ورسخ ذلك الاعتقاد في أذهانهم بعد أن رأَوه يتدهور في دور الأحدب والشيخ متلوف، ويمشي في دور تريبوليه على آثار الأدوار الثلاثة، أما دور الكاردينال في الساحرة، فلم يفعل فيه شيئًا يستحق الذكر، مكث أبيض معلَّقًا في الهواء، تارةً يهمُّ بالصعود، وطورًا يهمُّ بالكسل بأن يلقى به في قرار الهاوية مهشمًا محطمًا، إلى أن مثَّلَ دور نابوليون وفؤاد بك، فقال الناس عنه إنه قلَّدَ كبار الممثلين في دور نابوليون أمثال دوماكس ولاروش؛ ولهذا أخرج الدور ناضجًا أمام أعينهم، أما دور فؤاد بك فهو كفيل بدفن جورج في قبر السكون والخمول. ثم مثَّلَ جورج دور سانتي في الإيمان، وأوشك أن يكون فيه كما كان في دور فؤاد بك، ومثَّلَ دور ياجورا في رواية الشرف الياباني، فكان فيه كما كان في عطيل ناسيًا أن الدور ياباني يحتاج لإشارات وحركات ولفتات عجيبة غريبة لم تَرَها أعيننا قبل اليوم، ومَن رأى جوبيه ممثل الأديون يمثِّل هذا الدور ثم رأى أبيض، يظهر له الفرق واضحًا جليًّا. ثم مثَّل جورج صلاح الدين، ولكن بهجت مع الأسف بزَّه فيه متبعًا إشارات المؤلف، والمؤلِّف خير مَن يفهم ما يُملِيه عليه قلبه. ومثَّلَ جورج الحاكم بأمر الله، وأخرجه تام الخلقة؛ لأنه اتبع فيه طريقة لويس، ولبث الناس يقولون إن جورج صورة لسيلفان مصغَّرة للناظرين، وأنه يمشي على طريقته في كل شيء، حتى في الأدوار التي لا توافق طبيعة سيلفان، ثم قالوا إنه عاجز عن تمثيل الأدوار العصرية ومصر الجديدة تشهد بذلك، وقالوا إنه عاجز أيضًا عن فهم أدواره؛ لأنه يخرج كل دور على طريقة أدواره الأولى، تارةً أوديب، وطورًا عطيل، وآنًا تراه مزيجًا من الثلاثة. ثم أخرج جورج قلبَ المرأة وفي سبيل الوطن ممثِّلًا فيهما دورين عصريين نبغ فيهما نبوغًا حسده عليه أصدقاؤه قبل أعدائه، أخرج للناس الدورين في شكل جديد لم يعهده الناس فيه، فكان في قلب المرأة عاشقًا ضرم الحب أنفاسه؛ تارةً رافع الرأس وطورًا ذليل النفس. وكان في سبيل الوطن بطلًا كبيرًا عصريًّا، يهدأ ويثور عند الحاجة، ثم مثَّل مكبث وكين وبهما عادت إليه ثقة الجمهور، وعرف الناس أنه ممثِّل كبير لا يعجز عن خلق الأدوار بما توحيه إليه نفسه الهائجة، لقد بلغ جورج في الدورين الغايةَ التي لم يصل إليها ممثل قبله، وبها ملك زمام جمهوره يتحكَّم فيه كما يشاء، بل من ذلك العهد أصبح ثقيلَ الجيب لا يشكو ضيقًا ولا عسرًا، ومثَّلَ بعدهما دور شارل السادس بشكل جديد وبإتقان مدهش، فمن أين أتت لجورج هذه القدرة؟ وعلامَ يظهر لنا أحيانًا ضعيفًا وطورًا قادرًا؟ كل هذا سببه تلك الهمة التي تضيء حينًا ثم تنطفئ، بل هناك سبب آخَر لضعف جورج، وهو إقدامه على الأدوار التي لا توافق مزاجه، ولا تتحد مع طبيعته، ولكنه فهم ذلك أخيرًا، ولهذا نراه يُحجِم عن أدوار كثيرة، فجورج بلا نزاع ممثل كبير قادر على تمثيل التراجيدي والدرام والكوميدي دراماتيك، ولكنه يعجز عن تمثيل أدوار الكوميدي الأخلاقية الهادئة الساكنة، ولذلك رأيناه عظيمًا في قلب المرأة، وصغيرًا في مصر الجديدة، هذا ما نكتبه عن جورج، ورائدنا في كل ما كتبناه الحق والإنصاف، والله شهيد على ما نقول.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.