في الأسبوع الماضي ثبتت رؤية رمضان، أو على الأصح ثبتت نهاية شعبان؛ إذ كان شعبان قد انتهى بغير شك لأنه أتم ثلاثين يومًا، وهو غاية ما يبلغه الشهر القمري بحساب التقويم. أما بحساب الواقع فهو متوسط بين التسعة والعشرين والثلاثين، وإذا حُسِبَ باليوم والساعة والدقيقة والثانية بَقِيَ في النهاية فَرْق يوم كُلَّ ألْفَيْ سنة وأربعمائة، ولم تبلغ السنةُ الهجريةُ هذا الفَرْقَ بَعْدُ، ولا هي معرضة لبلوغه، بفضل هذا التدقيق في رؤية الهلال كل رمضان وكل موسم من مواسم الحج وكل عيد من الأعياد.

فلا بد من ثبوت الرؤية بالعيان.

ولكننا سمعنا في هذه السنة بعلامة جديدة من علامات التقدُّم في إجراءات المحكمة الشرعية العليا، فقد كان حساب المرصد الفلكي بعض الشهادات التي سُمِعَتْ لإثبات أول الشهر، ولم يكن حساب الفلكيين قبل الآن مما يُسْمَع لهذه المناسبة، إلا أن يكون شهادة من قبيل شهادة العيان …

القاضي التركي

ونذكر لهذه المناسبة أن رئاسة القضاء الشرعي بمصر، كانت موكولة إلى قاضٍ تركي مِنْ قِبَلِ الدولة العثمانية التي كانت صاحبة السيادة على مصر إلى أيام الحرب العالمية الأولى، وكان هذا القاضي يجلس في «بيت القاضي» عند نهاية شعبان لإثبات رؤية رمضان، وقيل له أن يستدعي رجلًا فلكيًّا ممن كانوا يصدرون التقاويم السنوية بالحساب القديم، وكان في الحساب ذلك الفرق اليسير الذي أشرنا إليه، فاستدعاه من باب التحقيق واستيفاء الشهادة … ولكنه كان — لسوء الحظ — ضعيفَ النظر، وكان قد دُعِيَ على عَجَلٍ فأقبل مهرولًا في اللحظة الأخيرة وهو لا يصدق أذنيه، ولم يكن في الواقع يصدق عينيه حين يزعم رؤية … بل كانت المسألة عنده مسألة تقدير وتقويم …

واصطدم المسكين بالنرجيلة التي كان القاضي الكبير مولعًا بتدخينها، وأعجله عن رؤيتها أنه أقبل على يد القاضي المهيب يصافحه ويحرص على تحيته، فما راعه إلا صيحة عالية من صاحبنا قبل أن يفتح فمه بتحية أو شهادة …

– أنت لم تبصر أمامك جذوة النار على مدى ذراع واحدة، وتريد أن تشهد أمامنا برؤية الهلال في السماء!

وبطلت شهادة الفلكي الحسير قبل أن تُسْمَع، وكان الشيخ الأكبر على حق من حيث لا يدري؛ لأن الحساب الفلكي كما قدَّمْنا لا يُؤخَذ به على تمادي الزمن وتتابُعِ الأعوام، وإنما يُؤخَذ بشهادة المراصد الفلكية اعتمادًا على آلات الرصيد التي تبلغ من دقة الرؤية ما لا تبلغه العين المجردة، فلا خطأ في حكم الأقدمين على الحساب، وليس الصواب في الاعتماد كل الاعتماد عليه.

كذب المنجمون

على أن المنكرين للحساب قبل العصر الحديث لم يكن إنكارهم قائمًا على معرفة الخطأ والصواب في تقدير الحساب، بل كانوا ينكرون كل شيء يقول به الفلكيون؛ لأنهم منجمون، وقد كذب المنجمون! …

ولم يتغير هذا الحكم على التنجيم إلا بعد نهضة المجدِّدين من الأئمة المصلحين، فإنهم هم الذين فرقوا للناس بين التنجيم الخرافي وبين علم الفلك الصحيح، وليس المسلمون هم الذين احتاجوا وحدهم في الشرق إلى هذه التفرقة بين المنجمين الكاذبين والفلكيين الصادقين، فإن الأوروبيين قد فرقوا بينهما بالاسم والعمل، فالاسترولجي هو المقابل للتنجيم والاسترونومي هو المقابل لعلم النجوم، ومصدرهما واحد في لغة القوم.

ولا لوم على الشرع

ولا لوم على الشرع في رفض حساب العلم أو شهادة الرصد كل الرفض بغير تمييز؛ إذ هو جهل من المنتسبين إلى الشرع وادعاء عليه بغير بينة، فقد كان الحديث النبوي صريحًا في الأمر بالتقدير عند التباس النظر، وقد جاء في الحديث: «فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له.» كما جاء فيه: «فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين.»

وإنما اللوم على جهل الجهلاء وجمود الجامدين، ولم يكن صوابًا أن ينكر الإمام حساب الفلكيين كل الإنكار أو يَقْبَله كل القبول، وإنما هما الرؤية والحساب مناط التحقيق والصواب، وما من أحد راجَعَ أقوال الفقهاء الأسبقين إلا عَجِب للدقة البالغة في وجوه الاعتراض والمراجعة عند هؤلاء المجتهدين وأوجب على نفسه أن يتردَّد طويلًا قبل الهجوم عليه بالسخرية والتسخيف، على ديدن الساخرين من معاشر السخفاء!

المسئولية الفردية

ومن الفخر للإسلام أنه جعل للمسئولية الفردية حكمها القائم إلى جانب سلطان الإمام المطاع، فكل مسئول أمام ضميره عن صلاته وصيامه، وعن فرائضه وأحكامه، وبلغ من ذلك في رواية أبي عبد الله بن أبي موسى: «أنه استُفْتِيَ رجل إسكندري أن الشمس تغرب بها، ومن كان على منارتها يراها طالعة؛ فقال: يحل لأهل البلد الفطر، ولا يحل لمن على منارتها. فالحاصل لكل قوم مطلعه ومغربه وزواله.»

وهذه التبعات الفردية هي فخر الإسلام بين الأديان، فلا تُلْزِم الفريضةُ صاحبَها بأمر الإمام إذا رأت عيناه غير ما رآه.

عصر الصيام

وبَعْدُ، فإن هلال رمضان إنما أثبت بداءة الصيام لمن يصومون بأمر الدين، ونحسبهم قِلَّة في هذا الزمن بين معاشر الصائمين.

فاليوم لا يُقال إن الصيام (مودة قديمة)؛ لأن تقاليد الصيام على أحدث الأزياء تسبق في العصر الحاضر «كتلوج» باريس ونيويورك.

كل إنسان، وكل إنسانة، في العصر الحاضر يعرف نوعًا من الصيام يفصله على قدره، ويرقب فيه مطلع كل شمس ولا ينتظر به مطلع الهلال في شهر واحد من العام.

وكان العرف، على حسب المودة القديمة، أن تصوم السيدة بعد الأربعين مع المغالطة في الأرقام.

أما العرف اليوم فهو يبتدئ الصيام من العشرة الثانية، وقد يبتدئه من العشرة الأولى، وأعرف طفلة في السابعة قدمت لها كوبًا من عصير البرتقال فرفضتْه؛ لأنها تعمل (رزيم …) وحدثتني عن سر هذا «الرزيم» بصدق وإخلاص؛ فقالت إن زميلاتها في الروضة يسمينها في حصة الألعاب الرياضية «بالفِشِلَّة» لسمنتها … وهي لا تحب هذا اللقب القبيح.

قلتُ لها: أنا أدلك على طريقة لإسكات هؤلاء السفهاء خير من هذا «الرزيم» … قولي «يا عصعيصو» أو «يا عصعص» لمن يناديك بفِشِلَّة! … ثم عادت بعد أسبوع، فقالت لي إنهم يبكون إذا قلتُ لهم ذلك ولكنني أنا أيضًا أبكي إذا نادوني بالفِشِلَّة! … فما العمل؟

وأظن العمل أن «الرزيم» على كل حال خير من البكاء!

وبَعْدُ، فدعنا نحسب عدد هؤلاء الصائمين والصائمات من الحلقة الأولى أو من الحلقة الثانية، فهل تظنهم يقلون عن صوام رمضان؟

إن قلُّوا فأضِفْ إليهم الصائمين للألعاب الرياضية، والصائمين لمقاومة الأملاح والسكريات، والصائمين للمطالبة بحق من الحقوق، والصائمين لتنظيم التموين، والصائمين في محاريب السياسة والجمال والرشاقة والقوة، وأنت ولا شك تخرج من الحساب بكثرة هائلة تتضاءل إلى جانبها تلك القلة التي لا تعرف الصيام إلا في شهر رمضان.

فنحن إذن في شهر الصيام.

ونحن إذن في عصر الصيام.

ونحن إذن مودرن

وأهم من ذلك عند الأكثرين أننا لا نُحْسَب من المتأخرين ولا من الرجعيين لأننا نقرأ في صحفنا كثيرًا عن شهر رمضان وأحاديث رمضان وتعليقات المعلقين على أيام رمضان، وإن كان منها ما يصح أن يُحْسَب في أحاديث مايو ويونيو وكل شهر من الشهور بكل اسم من الأسماء.

نحن «مودرن» إذا قسنا أنفسنا في هذه المناسبة إلى مصدر «المودرنية» في القارة الأوروبية، فقد وَصَلَ إلينا بريد هذا الأسبوع بالصحف والمجلات التي صدرت أيام عيد الفصح، إما قبله بقليل أو بعده بقليل، فإذا بالأعداد الأسبوعية من كل صحيفة كبرى تقصر أعمدتها على شئون الدين، إلا القليل.

وإذا بطبعات الأحد تكاد تهمل السياسة أو تنزل بها إلى المرتبة الثانية بجانب البحوث الدينية، وبحوث ما وراء الطبيعية وآراء العلماء في مسائل الديانات، وآراء اللاهوتيين في مسائل العلوم.

وإلى القراء نماذج من العناوين والموضوعات بغير ترتيب.

فمنها بحث حول مخطوطات الفيلسوف النفساني «يانج» عن كتابة الأناجيل، ومنها بحث عن الكنيسة في الهند الجنوبية، وبحث عن اتحاد الكنائس الغربية، وبحث عن النبوة البابوية حول الكلام على الفيلسوف لامنيه، وبحث عن الفن المسيحي في القرون الأولى، وبحث عن السماء والأرض يكتبه الدكتور كارل بارت ضد التيار ويعني به الكلام على حكم القديسين وسلطان رجال الدين، ومنها كلام عن وجهة نظر الطائفة المسماة بطائفة «الكويكرز» حيال المسائل العصرية، وكلام آخر عن دراسة إنجيل يوحنا وملاحظات المؤرخين عليه، وكلام غيره عن أسماء السيد المسيح ومراجع كل اسم منها في العقائد السابقة للمسيحية، وكلام غيرهما أو غيرها عن كرامات القديسة تيريز، ومنها أجوبة مسيحية على أسئلة مادية، وتحقيق عن لوثر في الواقع ولوثر في التاريخ، وشرح لدراسات السويديين حول كتب العهدين القديم والجديد، ومناقشات عن العلاقات بين الدولة والكنيسة، وعشرات عدا ما أسلفناه من أشباه هذه الموضوعات وأشباه هذه العناوين.

أتراهم يكتبون هذا في صحيفة دينية، أو صحيفة تصدر من رجال الدين؟!

كلا؛ بل هي مكتوبة في عدد واحد من صحيفة التيمس الأدبية، ولا نحسب أنها صحيفة «أزهرية» أو شرقية تنتمي إلى بلاد المتأخرين.

أما الصحف الأخرى التي تصدر كل أسبوع، فقد كان من موضوعاتها كلام عن تحضير الأرواح، وكلام عن التلبثة أو الشعور على البعد، وكلام عن شكوك تولستوي ووساوسه. ولم تكد صحيفة واحدة تخلو من هذه الأحاديث «والمستحدثات» التي تُعاد من ألفَيْ سنة!

فلا يلتفتنَّ «المودرن» المصري إلى اليمين والشمال وهو يتلبس بالقراءة عن رمضان في صحيفة أو كتاب.

وإنْ لجَّ به الخوف على «المودرنية» فليقُلْ إنه يقرأ عن «الصيام» ولا حرج عليه ولا ملام؛ فإنه عصر الصيام بالرجيم أن نقول إن الأمر يتجاوز الشك فيها إلى إنكارها والسخط عليها.

وبالرزيم، وفي طياته شهر الصيام على سُنَّة الإسلام.

وفي العلم والطب

وبين أحدث المحدثين يستمعون اليوم إلى صوت الأسقف والمطران كلما استمعوا إلى صوت الطبيب والأستاذ.

وآية ذلك تعليق المعلقين أخيرًا على تقرير كنسي Kinsey المشهور، ذلك التقرير الذي دارت المناقشة عليه في صفحات «أخبار اليوم» يوم تناول البحث مسألة «الشذوذ الجنسي» وعلاقته بانفصال الجنسين في مجتمع أبي نواس.

لا يزال هذا التقرير يثير الثائرة بين الأمريكيين أو بين الغربيين، وآخر ما ظهر من ذيوله كتاب جامع لآراء نيف وعشرين طبيبًا ومحللًا وعالمًا بالعناصر البشرية، وأديبًا وعالمًا طبيعيًّا، يُعلِّقون على التقرير ويبسطون أفكارهم في سلوك المرأة وسلوك الرجل في المسائل الجنسية.

وبين هذه الآراء المسموعة رأي رجل ديني مختص بدروس المسيحية التطبيقية يلقيها بمدرسة اللاهوت بنيويورك، والحق أننا لم نقرأ في المجموعة رأيًا أقرب إلى الإقناع من رأيه ورأي الأستاذ الذي يمثل علم الاجتماع بين العلوم المعروضة، وهو الدكتور برنارد باربر الذي جمع بين البحوث الفلسفية والبحوث الدينية عند الهنود الحمر على الخصوص.

وخلاصة رأي الدكتور برنارد أن المرأة لا تُفْهَم إلا إذا اعتبرنا أن كل امرأة هي في الحقيقة ثلاث نساء في إهاب واحد: امرأة بيولوجية أي أنثى في تركيبها الحيواني، وامرأة سيكولوجية أي إنسان له حالات نفسية، وامرأة اجتماعية أي فرد له شئونه ومطالبه ومظاهره في مجتمع قومه. ومن الواجب أن يتفق هؤلاء النساء الثلاث المجتمعات في إهاب واحد وإلا فهناك أزمة تجتمع منها أزمات.

وبغير اطلاع على فصل العالم الاجتماعي بسط العالِمُ اللاهوتيُّ رأيَهُ في تقرير كنسي، فقال إنه نذير «الفوضوية الأخلاقية» وهي الفوضوية التي تسبق مذهب الفوضويين السياسيين إلى التقويض والتدمير.

يقول هذا العالم اللاهوتي رينولد نيبوهر إن المرأة «الفسيولوجية» أو المرأة من الوجهة البدنية التشريحية ليست هي كل شيء؛ لأنها إنسان تعيش بين أناس وليست حيوانًا تعيش مع الحيوانات الأخرى في قطيع من الخلائق البهيمية. ويقول إن الفوارق بين مسالك الناس في الدين الواحد أبعد من الفوارق بين الأديان المختلفة؛ فالمتدين الغيور والمتدين المعتدل والمتدين بالاسم دون الشعور والتفكير يختلفون في السلوك الجنسي أشد من اختلاف المنتمين إلى الأديان المتعددة، وهو تقسيم تناوله الدكتور كنسي ولم يمحصه كل التمحيص.

ونحن نحسب — كما قلنا في كتابنا عن عقائد المفكرين — أن العالم المتمدن يبتعد من المادية ويطلب شيئًا غيرها يعتمد عليه في نظرته إلى الحياة، وقد قلنا إن العصر الحاضر هو عصر الشك في المادية ونوشك.

فليست المادية «مودرنية» في العصر الحديث على كل حال.

توبة أهرنبرج

وأخطر من كل ما تقدَّم رجعة الأدب الروسي إلى «الإنسان» أو إلى الشعور الإنساني في هذه الأشهر القريبة، يوم كنا ننعى عليهم في مصر أنهم مكنات وآلات، وكان دعاة التجديد أو أدعياؤه يرثون للأدباء المصريين، ويتهمونهم بالجمود والتخلف؛ لأنهم لا يَنْظِمون الشعر ولا يكتبون القصص في التغزل بالطيارات والجرارات ومشروعات الخمس سنوات!

نعم؛ هذه رجعة أخطر من رجعة الماديين إلى العقيدة والرغبة في الإيمان، وعاقبتها أهم جدًّا من عواقب الحركات الفكرية التي تشيع في الغرب وترصد لنا ظواهر التحول من الإنكار إلى الاعتقاد، أو قبول البحث فيه بشوق وارتياح.

أصبح أدباء الروس يحملون علانية على أدب الصناعة والتصنيع وأدب التلقين والتوجيه، وأصبحت شاعرة كبيرة في شهرة «أولجا برجولتز» تكتب في «الجازيتة الأدبية»، فتقول: «إن أهم شيء في جوهر الأدب ناقص في أدبنا وهو عنصر الإنسانية أو عنصر الكائن الآدمي، ولست أعني أن الكائنات الآدمية مهملة في أدبنا كل الإهمال، فالواقع أننا نرى هناك نماذج شتى من السواقين والوقادين والبستانيين، يُوصَفون أحيانًا وصفًا بارعًا ولكنهم موصوفون أبدًا من الخارج، ولا يزال أهم الأشياء ناقصًا في أشعارنا، وذلك هو البطل الغنائي العاطفي ذو العلاقة الفردية بالدنيا وبالطبيعة.»

انحلالية، انتهازية، برجوازية، رأسمالية، رجعية، بنتكلبية … أليس كذلك؟

بلى؛ هكذا ينبغي أن يكون الحكم عليها بقضاء الأدعياء الفطاحل من دعاة التجديد.

ولكن ما الحيلة وهي واحدة من زمرة كبيرة تقول بقولها وتخرج على الملة مثل خروجها؟!

ما الحيلة ومعها الشاعر «فردوسكي» يشهر الحرب على النفاق الأدبي ويقول إن الشعراء الذين يوهموننا أنهم مفتونون بالحديد ومصنوعاته، قوم منافقون مدجلون؟! وما الحيلة ومع الشاعرة والشاعر مؤتمر «اتحاد النقاد» يتقدَّمُه قسطنطين بستوفسكي ويدعو فيه إلى مقاومة المسرحيات الملقنة والآداب الموحاة؟!

وما الحيلة والأمر يتجاوز النقد إلى القفش وتذكر الشاعرة «فيرا أنبار» متهكمة متبرمة «ما يُقال من أن أغاني الأطفال تُوضَع في الأمم البرجوازية لينام عليها الطفل ولكنها في روسيا توقظه وتقلق منامه …»؟!

وإذا كانت في هذا كله حيلة لمحتال، فما الحيلة في الخواجة أهرنبرج نفسه وهو ينحي بكل قوته على أدباء السدود والخزانات وفبريقات النسيج والحديد؟!

إنه يقف مع الفردية والصدق للنفس ولا ينكر على الأديب أن يستوحي خياله ولا يستوحي هذه الطائفة أو تلك من الصناع والمهندسين، بل ينكر أن يكون الأدب على غير ذلك، وينادي بالقول الصريح: «إن الكاتب المؤلف ليس بالآلة الميكانيكية، وإنه لا يؤلف كتابه لأنه يعرف صناعة الكتابة، ولا لأنه عضو في مجمع كتاب السوفييت يجوز أن يسألوه ما باله لم يؤلف كتبًا منذ زمن بعيد … ولكن الكاتب يؤلف لأنه يشعر بضرورة إبلاغ الناس شيئًا من ذات نفسه، ويلعجه هذا الشعور حتى يتخلص منه.»

ماذا جرى يا عالم؟! ماذا جرى يا خلق الله؟! الدنيا اتقلبت؟! الناس كفروا بالآلات؟! الآدميون أصبحوا آدميين؟! …

هذا أهون ما في الأمر، وإنه مع هونه لخطب جسيم، وتقوم القيامة ويكتب الناس عن رمضان وعن الصيام وعن موكب الرؤية وعن كل شيء، إلا هذا الكفر الصراح.

كله إلا أن ينتكس الأدب فيصبح آدميًّا! ويركب البرج العاجي مرة أخرى إلى أعلاه، ويقول إن وصف الإنسان «من الظاهر» لا يكفي … ولا بد له من قلب ومن وجدان، ومن غزل ومن «طبيعة» صنعها الله ولم تصنعها المكنات والآلات.

ومن أعلى برجنا العاجي الذي لا ننزل منه أبدًا أبدًا … نحيِّي الدعاة الأدعياء ونرجو أن تصدر إليهم الأوامر غدًا بتحية رمضان ونقل الصيام من قائمة المهربات والممنوعات إلى قائمة المباحات والمطلوبات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.