كانت الحالة في مصر شديدة حتى ٤ نوفمبر ١٨٨١، ومن ذاك التاريخ حتى ٢٦ ديسمبر كانت هدنة؛ لأن الانتخابات لمجلس شورى النواب قضت بذلك، ولأنهم أحالوا إلى المجلس بعد انعقاده إجابة البقية من مطالب الضباط؛ أي تقرير ميزانية الدولة وزيادة عدد الجيش.

فلما تمت الانتخابات، وكان الفوز فيها للوطنيين والقائلين قولهم والطالبين مطلبهم، ودُعي المجلس للاجتماع؛ ظهر أن هذا المجلس عامل جديد في الحركة الوطنية، وهذا العامل الجديد القوي كان عاملًا مهملًا منذ سنة ١٨٦٦، ولكنه كان عهد إسماعيل القوي الجبار، فلم يسمع أحد بعمل سياسي خطير لهذا المجلس، فلما تولى توفيق استُبدلت الأريكة من القوة ضعفًا؛ لذلك ظهرت للمجلس الأهمية الكبرى، واتجهت إلى هذا المجلس أنظار «الوطنيين»، وكانوا يتظاهرون بأنهم يتلقون وحيه، وأنهم مع تلقي هذا الوحي يدافعون عن سلطته ونفوذه. ولكن الحقيقة أنهم كانوا يدفعون هذا المجلس إلى الأمام ليفتح لهم الطريق التي ينهجونها بعد ذلك. ودليل رضا الرأي العام عن المجلس، أن الخديوي توفيق ذاته حاول الاستفادة منه، حتى كتب الموسيو سينكيوكز قنصل فرنسا في تقرير إلى حكومته ٢٨ نوفمبر ١٨٨١ ما يلي:

لا مندوحة للوزراء المصريين أن يتذرعوا منذ الآن بجميع الوسائل ليضمنوا للوزارة غالبية محترمة، وليتفادوا عن أن يقرر المجلس مشروعات متطرفة … وقد حدَّثت اليوم شريف باشا، فظهر لي من كلامه أن المسئولية الوزارية سوف تقرر لا للمجلس القائم الآن، بل للمجلس الذي يليه والذي يُنتخب بأحكام القانون الجديد الذي سيكون على الراجح أول مشروع يتباحث فيه مجلس شورى الدولة.

هذا رأي قنصل فرنسا.

أما السير إدوارد مالت قنصل إنكلترا، فإنه كان يرى مشروع القانون الأساسي الذي عرضه شريف باشا على مجلس شورى الدولة مشروعًا واسعًا فضفاضًا، وكان يتوقع فوق ذلك أن يُعدِّل المجلس هذا المشروع فيزيده اتساعًا، ولم يخطئ الرجل في ظنه وحدسه؛ فإن المجلس ما كاد يجتمع ويقدم له شريف باشا ذلك المشروع حتى أحاله إلى لجنة من لجانه، فعدَّلته تلك اللجنة تعديلًا أقلق بال المراقبين الفرنساوي والإنكليزي. وأول تعديل أدخلته اللجنة على المشروع، هو أنه يحق للمجلس التصرف بالأموال الزائدة عن فوائد الدين — وهو تعديل عادل لا غبار عليه في الظاهر — كما كان يقول المراقبان — ولكن ميزانية الجيش وزيادتها كانت تُقلق بال هؤلاء المراقبين كما تُقلق بال قناصل الدول؛ لأن الجميع كانوا يخشون ألا يكتفي الضباط بالزيادة التي كانت تقررت، وهي مائة ألف جنيه فوق الميزانية السائرة، بل يطلبون الأموال اللازمة لإشباع مطامع أشياعهم، وبذلك يحدثون عجزًا في الميزانية يفضي إلى ديون جديدة سائرة، وفي هذه الحالة يضيع قانون التصفية وتصبح مصالح الدائنين الأوروبيين مهددة.

هكذا ظهر الجو مظلمًا، وظهر أن الوطنيين يحفرون تحت أُسس الرقابة الأوروبية ليهدموها، وظهر من وراء ذلك ضعف سلطة الخديوي وهيبته، ثم قُرب عودة عرابي بك زعيم الحركة إلى القاهرة.

فقد كان معروفًا أن عرابي ظل من يوم عودة البعثة التركية إلى الآستانة يعمل مع شريكه محمود سامي باشا البارودي، على أن يقترب من القاهرة بعدما ابتعد بآلايه إلى الوادي بالشرقية تنفيذًا لشروط شريف باشا ليقبل الوزارة. وكان أول عمل عمله البارودي باشا ناظر الجهادية، أنه حاول مرارًا وتكرارًا أن يُدخل في روع شريف باشا أن كثرة الثعابين والأفاعي في منطقة الوادي تقضي بنقل الآلاي الرابع من هناك إلى قناطر الدلتا. ولكن شريف باشا أعار هذا القول أذنًا صماء، فبعد مدة قصيرة عاود السعي لدى شريف باشا ولكن على طريقة أخرى، وهي: أن عرابي من أهالي الشرقية وأنه يزداد بينهم نفوذًا وحبًّا، فالأفضل نقله من تلك المديرية، ولكي تأمن الحكومة نفوذه يرى أن يُعيَّن وكيلًا للجهادية، وبذلك يصبح مكبلًا بقيود الحكم ويمسي كالرهينة بيد الوزارة.

لم يَغِب مقصد ناظر الجهادية عن شريف باشا — كما قالوا — ولكن زملاءه النظار سلَّموا بهذه النظرية، وألحوا عليه بقبولها فوهن أمام تسليمهم وإلحاحهم. وفي ٤ يناير ١٨٨٢ صدر الأمر الخديوي بتعيين عرابي وكيلًا للجهادية، وهذا التعيين — كما قال شريف باشا في شهادته التي قُدمت كتابةً للمجلس الذي حاكم عرابي ورفاقه — شددت عزم الثوار وأثارت حماستهم.

***

ولما بدت الحالة بهذا المظهر الجديد، خطر لغامبتا رئيس وزارة فرنسا الذي كان يرى التمسك بمصر وعدم نفض اليد منها عملًا بوصية أستاذ السياسي الشهير تيرس، أن يتفق مع إنكلترا على عمل حازم وعلى عمل واحد درءًا للخطر وتفاديًا منه، فحدَّث في ذلك اللورد ليونس سفير إنكلترا في باريز، وكتب إلى سفير فرنسا في لندره شالميل لاكور يقول:

إني سألته هلا يرى رأيي بأن الوقت قد حان للدولتين اللتين تهمهما مصر أكثر من سواهما وتهمهما راحة تلك البلاد وخلودها إلى السكينة، أن تزيدا في عملهما ومساعيهما للتوفيق والتوحيد، وأن تتبادلا بصراحة تامة الآراء والأفكار التي تدعو إليها الحالة في مصر والتي لا تخطر بالبال أو التي تمليها الحوادث.

ولكي نعالج الحالة معالجة سريعة، ألا يكون من الأوفق الآن أن نؤيد بكل حزم وباتفاق تام كامل حكومة الخديوي توفيق باشا؟ وذلك ببذل المجهود الذي يقيم الثقة ويوطدها توطيدًا قاطعًا بمساعدتنا لها؛ لأنه قد يقع ما ليس في حسابنا فيزعزع مركز حكومة الخديوي، فهل يكون من الحكمة والصواب أن تفاجأ الحكومة الفرنساوية والحكومة الإنكليزية بمثل هذه الكارثة وهي لم تُعد لها عُدتها؟

وخلاصة القول أني أرى من النافع المفيد أن تتفق الحكومتان دون تأخر على الوسائل الصالحة؛ إما لاتقاء الأزمة أن تقع إذا كان ذلك بالإمكان قبل وقوعها، وإما بمعالجة هذه الأزمة إذا وقعت ولم تكن ثمة مندوحة عن وقوعها.

هذه المذكرة من غامبتا ظلت بين يدي سفير إنكلترا في باريز ١٥ يومًا دون أن يتلقى الرد عليها من حكومته، وفي ٣٠ ديسمبر أرسل غامبتا إلى شالميل لاكور سفير فرنسا في لندرة يقول:

لقد اطلعتم على المذكرة التي سلمتها إلى اللورد ليونس مبينًا فيها الاقتراحات التي رأيت عرضها على الحكومة الإنكليزية بشأن مشاكل مصر، وقد جاءني السفير صباح أمس ليبلغني رد حكومة لندرة، فقال لي: إن اللورد غرنفل يوافق بكل ارتياح على اقتراحي بأن يكلف كل فريق منا بدوره قنصل دولته بمصر، بأن يؤكد للخديوي بمناسبة افتتاح مجلس شورى النواب، التأكيد الرسمي مساعدة حكومتيهما له في كل الصعاب التي يمكن أن تنجم عن حالة مصر الآن.

وأبلغني فوق ما تقدم نية وزير خارجية إنكلترا أن أتولى أنا ذاتي كتابة التعليمات المشتركة التي ترسل إلى القنصلين.

ثم أرفق غامبتا هذه الرسالة بنص التعليمات التي وافق عليها اللورد غرنفل، مع التحفظ بأن الموافقة على هذه التعليمات لا تقضي بتحديد أي عمل من الأعمال إذا دعت الحالة إلى العمل، وكان ذلك بدء الخلاف والافتراق بين فرنسا وإنكلترا؛ لأن اللورد غرنفل قال لسفير فرنسا إنه لا يثق بفائدة التعليمات، ولكنه وافق عليها إرضاءً لفرنسا، وإنه لم ينظر في أية حال من الأحوال إلى عمل مشترك، بل إن ما قاله بيانًا للمذكرة هو نفي كل وهم أو خيال من هذا الوجه.

وهذه خلاصة التعليمات إلى القنصلين:

وُكِّل إليكم مرارًا أن تبلغوا الخديوي وحكومته إرادة فرنسا وإنكلترا أن تقدما لهما المساعدة في الصعاب، على اختلاف وجوهها التي قد تعرقل سير الأعمال في مصر، فالدولتان على أتم وفاق بهذا الشأن، والظروف الحديثة، وأخصها عقد مجلس شورى النواب الذي دعاه الخديوي للاجتماع في ٢٦ الجاري قضى إلى تباحثهما معًا.

وأرجو أن تبلغوا توفيق باشا أن الحكومتين الفرنساوية والإنكليزية تريدان تأييد بقائه على العرش طبقًا لما ورد في الفرمانات السلطانية، وأنهما متضامنتان للحيلولة دون كل أزمة داخلية أو خارجية ودفع الخطر الذي يمكن أن يخشاه الخديوي، وتريان أن يستمد الخديوي من هذا التأكيد الثقة والقوة اللتين يحتاج إليهما في إدارة شئون الشعب المصري وإدارة مصر.

***

لم تقابل تعليمات فرنسا وإنكلترا بالارتياح في جهة من الجهات، فذهبوا في تأويلها مذاهب بعيدة، حتى أشاعت صحف لندن أن فرنسا أعدت حملة عسكرية ترسلها إلى مصر وتجعل مركز عملها منطقة القناة وعينت اسم قائدها، وتعبت فرنسا بالتكذيب بلا جدوى؛ لأن الكذب إذا زال يظل أثره باقيًا، واضطرب السلطان عبد الحميد حتى اضطرت الدولتان عن إعلان نص تلك التعليمات، مؤكدين أن غايتهما الاحتفاظ بالحالة كما هي.

وفي ١٤ يناير قدم سفير تركيا في لندن وسفيرها في باريس احتجاجًا على تلك التعليمات؛ لأنه ليس في حالة مصر ما يدعو إلى مثلها، وكان حقًّا على الدولتين اللتين أصدرتاها إبلاغها إلى جلالة السلطان سيد مصر. فرد غامبتا أنهم لم ينظروا إلا إلى تأييد الحالة الموجودة بحكم الاتفاقيات والفرمانات، ولم ترد إنكلترا إلا في ٢٠ فبراير. أما الدول الكبرى فإنها كانت مستاءة من ذلك لانفراد الدولتين دونها، فماذا كان الشأن في مصر؟

وقعت المذكرة لأول وهلة وقْع الصاعقة، ولكن مالت كان هناك ليزيل وقْعها، فأعلن عدم رضائه عنها، واقتنع زعماء الثوار أن إنكلترا لا تسير مع فرنسا بإخلاص، ووُكِّل إلى المستر بلنت أن يُبلغ عرابي أن كل ما تعنيه إنكلترا من تعليماتها أنها لا تسمح للسلطان بأن يتدخل بشئون مصر. ولكن بلنت بعد هذا البلاغ الذي أوصله إلى عرابي عاد إلى السير مالت بأن ذلك لم يُرضِ الضباط، وأنه سيلقيهم في حِجر عبد الحميد، فطلب بلنت مذكرة إيضاحية، ولكن غامبتا عارض وأرسل إلى قنصل فرنسا بأن يقنع الخديوي بألا يرد على المذكرة؛ لأن الخديوي أو بالأحرى شريف باشا كتب كتابًا باسمه افتتحه بشكر فرنسا وإنكلترا على حُسن نيتهما، ولكنه يرفض كل مساعدة تعدانه بها إلى قوله:

ويوم تُقدم الدولتان على تحمل عبء مساعدتي ضد إرادة شعبي، ففي ذلك اليوم أعرف أن ساعتي قد دنت، فالرأس إذا فُصل من الجسم كان الموت حتمًا، فإما أن أكون خديوي المصريين أو لا أكون.

فعدل شريف باشا عن إرسال الكتاب مراعاةً لفرنسا، ولكنه أطلع قناصل الدول عليه، ولكن مركز وزارته بات مزعزعًا مهددًا بعد ذلك.

وفي إبان هذا كله كان مجلس شورى الدولة يُعد مشروع القانون الأساسي الجديد؛ أي الدستور.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.