كان عبد الله نديم — خطيب الثورة العُرابية — مناضلًا بفطرته التي وُلِدَ عليها قَبْلَ أن تُولَد الثورة، طُبِع على المناوشة في ميدان السياسة، كما طُبِع عليها في ميادين الأحاديث والأسمار، وتعوَّدَها في عالم الفكاهة والعبث، كما تعوَّدَها في عالم الجد والعمل.

ومن معاركه الفكاهية التي تُذكَر في تاريخه إلى جانب معاركه القلمية واللسانية، تلك المعركة الطريفة التي نَشَبَتْ بينه وبين عُصبة «الأدباتية» من رُوَّادِ المولد الأحمدي قبل اشتعال الثورة العرابية بخمس سنوات (١٨٧٧)، وقد حُفِظَتْ لها محاضر مكتوبة وتقع في خَمْس مَلازِم من التغييرات الأزهرية، ونشرت منها صحيفةُ الأستاذ في العدد الحادي والأربعين من سنَتِها الأولى مقتبساتٍ تدل عليها:

اتفق لي أني كنتُ بمولد سيدي أحمد البدوي — رضي الله تعالى عنه — سنة ١٢٧٤ هجرية وكان معي السيد علي أبو النصر، والشيخ رمضان حلاوة، والسيد محمد قاسم، والشيخ أحمد أبو الفرج الدمنهوري.

فجلسنا على قهوة الصباغ نتفرج على أديبٍ وَقَفَ يُناظِر آخرَ، فلما فطن أَحَدُهما لانتقادنا عليهما اسْتَلْفَتَ أخاهُ إلينا وخصَّانا بالكلام، فأخذا يمدحاننا واحدًا فواحدًا، إلى أن جاء دورهما إليَّ، فقال أحدهما يخاطبني:

انعم بقرشك يا جندي

والا اكسنا، امَّال يا أفندي

إلا أنا وحياتك عندي

بقالي شهرين طول جيعان

فقلت على سبيل المزاح معه:

أما الفلوس أنا مديشي

وانت تقول لي ممشيشي

يطلع عليَّ حشيشي

أقوم أملص لك لودان

قال: «فلما قمنا وتوجهنا إلى منزل المرحوم شاهين باشا، وكنا نازلين عنده جميعًا، أخبره السيد علي أبو النصر بما كان مني مع الأديبين، فلما أصبحنا استدعى شاهين باشا شيخ الأدباتية وطلب منه أن يستحضر أمهرهم عنده، ووعدهم أنهم إن غلبوني أعطاهم ألف قرش وإن غلبتُهم يضرب كل واحد منهم عشرين كرباجًا…»

ثم مضى كاتب القصة في تفصيل أخبار المعركة التي احتدمت بين الأدباتية من ناحية، والنديم وحده من الناحية الأخرى زهاء ثلاث ساعات انهزم بعدها الأدباتية، ولكن شاهين باشا أعفاهم من الضرب وأعطاهم خمسة جنيهات بدلًا من العشرة الموعودة، إذا انتصروا على النديم.

كانت هذه القصة أول ما ورد على ذاكرتي حين قرأتُ في أخبار الصحف اليوم أن الأستاذ نائب رئيس المجلس بمدينة طنطا قرر أن يكون الاحتفال بالمولد الأحمدي هذه السنة على نظام جديد يجمع بين نظام المعرض الاقتصادي والموكب الاجتماعي والمحفل الأدبي، أو كما قال راوي الخبر في الصحيفة إنه لأول مرة ستُقام سوق عكاظ حقيقية يُدْعَى إليها الأدباء والفنانون والصحفيون من أبناء الغربية وهم كثيرون.

وتواردت على الذاكرة بعد ذلك صُوَر الموالد المشهودة التي حضرناها في عواصم الأقاليم الكبيرة وقُرَاها الصغيرة، وأشهرها مولد السيد عبد الرحيم القنائي بمدينة قنا، ومولد الشيخ البسطامي بقرية الكوبانية من قرى مركز أسوان.

لم يكن مولد من هذه الموالد معرضًا منتظمًا ولا سوقًا عكاظية منتظمة، ولكنها جميعًا لم تخلُ من جميع العناصر المتفرقة التي يتألف منها المعرض وتتألف منها السوق مع الإشراف الحسن والتنظيم المقصود، والقدرة على وسائل التعاون بين الأقاليم، وتيسير الاختيار الحسن لتمثيل القُطْر كله في كل مولد من موالده الكبار.

فلم نفتقد في مولد السيد عبد الرحيم رياضةً واحدة من رياضات الفروسية والفتوة أو رياضات التسلية واللعب، ولم يخلُ المولد في أيامه ولياليه من ظاهرة مقصودة أو غير مقصودة تُمَثِّل للوارد عليه كُلَّ ما اشتمل عليه عُرْفُ الإقليم من عادة أو خلق أو «سبر» مقرر في محافل الأفراح والأحزان.

ولا نظن أن معرضًا رياضيًّا من معارض القارات الأوروبية والأمريكية يحتوي في برامجه منظرًا من مناظر الفروسية والفتوة أحق بالتمثيل والمشاهدة من منظر الفرسان المتصاولين على ظهور الخيل أو منظر المترجلين في حلقة التحطيب. وهي أدلُّ على البراعة في استخدام السلاح اليدوي من حلقات المسابقة؛ لأن الحذر من التعرض لمساس السيف قد يرجع إلى الحذر الطبيعي قبل رجوعه إلى «الحذر الفني» الذي يُشَاهَد في كل حركة من حركات التحطيب.

ويقترب المولد من الليلة الأخيرة فتكثر فيه الأسواق «العكاظية» مع هذه الأسواق الرياضية، ويتقاطر عليه شعراء الربابة والأرغول ورواة القصص والملاحم، ثم يُخْتَتَم المولد بتلاوة القصائد في مقصورة الضريح، ينظمها شعراء المدينة وما حولها، ويتطوع لإلقائها الشيخُ الوقور الذي نذر نفسه لترتيل المدائح والمواعظ في هذا المقام.

أما مولد الشيخ البسطامي، فقد كان «القوالون» ينوبون فيه عن شعراء القصائد والتراتيل الفصحى، وهؤلاء «القوالون» هم خلفاء الشعراء على عهد الجاهلية في كل شيء غير النَّظْمِ باللغة الفصحى، لا يقصرون عنهم في الحكمة ولا في المَثَل السائر ولا في الإعراب عن «روح الجماعة»، كلما حدث حادثٌ يعنيها أو نجم بينها سبب من أسباب الشكاية تترجم عنه بأناشيدها.

ويدور المولد كله على حلقات متباعدة يتردد الزُّوَّارُ عليها جميعًا أو يُقْبِل كل منهم على ما يهواه منها. ولا تُقام حلقة «القوالين» في كل ليلة لاشتغال القوالين بأعمالهم في القرية أو القرى التي تجاورها، ولكنها إذا انعقدت بعد ليلة أو ليلتين جذبت إليها زوَّارَ الحلقات التي تدور على الرقص، أو على المزمار، أو على رواة الملاحم، فلا تعود ليلتها إلى الانعقاد إلا بعد انفضاض حلقة «القول» وسكوت القوالين الحاضرين عن المساجلة.

وطريقة هذه المساجلة عندهم أن يتوسط أحدهم الحلقة واقفًا ويرتجل القول لمناسبة من المناسبات الحاضرة، ويسمعه مُناظِره وهو جالس ينكت الأرض بعصاه إلى أن يَمِيل القوال الواقف بالعصا إلى موضع جلوسه، فينهض زميله إذن ويجيبه مرتجلًا على وزن كلامه، ثم يخالفهما قائلان آخران ولا تزيد أدوار المناظرة — إلا نادرًا — على ثلاثة أدوار.

وحبذا القرار الذي استقرت عليه عزيمة نائب المجلس بمدينة المولد الأحمدي، فإن هذه السُّنَّة وشيكة أن تسري إلى كل مولد من موالد المدن الكبيرة والقرى الصغيرة، وليس لتعميم الثقافة الشعبية وثقافة الفنِّ والأدب — على الإجمال — وسيلة أيسر من هذه الوسيلة القريبة التي تهيأتْ لنا مادَّتُها «الخامة»، ولا تحتاج مادتها المصقولة إلى كبير كلفة، غير اتجاه النِّيَّة إليها وتوافر الهِمَّة عليها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.