لماذا زعم روسو أن له خمسة أبناء؟

وفاء للطربوش بعد أن تنكرت له الرءوس …

لا بد من الإجابة عن بعض الأسئلة التي ترد إلينا، ويقترح أصحابها أن نجيب عنها في هذه الصحيفة.

ولا بد في الحقيقة من الإجابة عنها جميعًا لو كان ذلك ممكنًا، وكانت كلها صالحة للكتابة عنها في صحيفة سيارة.

فإذا تعذرت الإجابة عن كل رسالة، فما هي الرسائل التي لا تتعذر الإجابة عنها؟ وكيف نختارها؟

هل هي الرسائل التي ترجع إلى موضوعات نشرت في مقالاتنا بأخبار اليوم؟

هل هي الموضوعات العامة على إطلاقها؟

هل هي الموضوعات الخاصة التي قد تهم أشخاصًا كثيرين فتتدخل بذلك في عداد الموضوعات العامة؟

أرى أن الاستثناء هنا أيسر من الاختيار، فإذا وقعت يدي على جملة من هذه الأسئلة، فالذي لا يصلح للإجابة عنه في صحيفة سيارة يستثنى وكل ما عداه خليق أن يجاب عنه بغير ترتيب للتواريخ أو الموضوعات.

وعلى هذا النحو نختار الأسئلة التالية، ونرجو أن تكو مثلًا للموضوعات التي يتناولها البحث في الصحف والمجلات.

(١) أولاد روسو

يقول الأستاذ إدوار منسي:

قرأت اعترافات جان جاك روسو وعرفت في سياقها أنه أنجب خمسة أطفال أودعهم جميعًا ملاجئ اللقطاء وهم بعد أطفال رضع، وقد تصرف هذا التصرف كما يقول مدفوعًا بدافعين؛ أولهما: أنه كان يريد أن ينهج منهج أفلاطون كما ورد في كتاب الجمهورية؛ أي أن الطفل ملك للدولة. وثانيهما: أنه يجنبهم الشقاء الذي عاش فيه من تشريد وحرمان.

ثم قرأت أخيرًا كتاب ستفان زفايج الذي قال فيه: إن هذه الصراحة تدعو إلى الشبهة، وإن الأرجح أنه لم يكن له أطفال على الإطلاق لعجزه عن الأبوة!

فهل نصدق اعترافات روسو أو نصدق زفايج؟ وإذا صدقنا زفايج فإلى أي مصدر استند في قوله؟ إذ لم يذكر في حديثه أي مصدر؛ وهو لذلك قد تركني في ارتباك وشك.

وشعوري منذ قرأت اعترافات روسو أنها اعترافات لا يعول عليها، وأن جانب القصة فيها أغلب من جانب التاريخ.

ولما قرأت رأي زفايج شعرت أنه أقرب إلى المعقول وهو — أي المعقول — مرجعنا الفصل في هذه الظنون.

فروسو لا يتكلم بأسانيد، وزفايج مثله لا يتكلم بأسانيد، ولا يستطيع أن يرجع إلى الأسانيد الواقعية أو الكتابية في مسألة كمسألة اللقطاء مضى عليها عدة أجيال.

وبعيد عن العقل أن والدًا يصر على نبذ خمسة أطفال من أبنائه واحدًا بعد واحد، لسبب كالذي ذكره عن جمهورية أفلاطون، وهي لا تجعل ملاجئ اللقطاء في حكم الدولة المسئولة عن تربية الأبناء أجمعين.

وكذلك يبعد عن العقل أن ينبذهم أبوهم ليجنبهم الشقاء، وهو لا يدري مصيرهم في ملاجئ اللقطاء.

ومثل هذه الفكرة التي يتعلل بها روسو لا توصف إلا بأنها نزوة من النزوات التي ترد على الخاطر ثم تزول، فلا يعقل أن تبقى بضع سنوات على ثبات وإصرار كلما ولد له طفل جديد.

وزفايج يعتقد أن روسو لفق على نفسه هذه الفرية؛ لأنه كان ناقص الرجولة وكان يريد بهذه الفرية أن يثبت لنفسه رجولة تنجب الأبناء بهذه الوفرة، ثم يلتمس للتصرف فيهم هذا التصرف عذرًا من أعذار الفلاسفة والحكماء، فهو إذن رجل وهو إذن فيلسوف.

والمسألة بعدُ موازنةٌ بين معقولين لا بين طائفتين من الأسانيد. ومن المعروف عن روسو بعد هذا أنه كان من زمرة «الهستيريين» الذين يعيشون بهذه الأوهام، وليست هذه القصة بالقصة الوحيدة التي تستوقف النظر بين اعترافات كما يري الأديب صاحب الخطاب، لو شاء أن يعيد النظر فيها ليحصي على كاتبها نزواته وجنوحه إلى الإغراب والتلفيق.

(٢) الفن والعمل

وقال السيد أحمد محمد أحمد — معاون أشغال بلدية الإسكندرية:

إنني في مشكلة كالأُخْطُبوط لست أدري بأي أذرعها أبدأ؛ ولذلك أردت أن تساعدني يا سيدي على صفحات الصحف وأن تتكرم بمساعدة أديب ناشئ هو على أية حال في منزلة الابن الروحي منك.

… تقدمت في مسابقة … وطلبت الالتحاق بوظيفة كتابية، ثم عينت لوظيفة معاون أشغال طريق! وظيفة تتصل بالجمهور اتصالًا وثيقًا وتريد موظفًا متين الأعصاب، لا يرهقه ما تفرضه عليه هذه الوظيفة من أعباء … ولما كنت مرهف الأعصاب ذا طبيعة أدبية تميل إلى الأدب والكتابة؛ فقد عانيت الكثير لأستمر في العمل … وليس في طبيعتي الكسل، فهل أكون ضحية العمل؟

وأقول للأديب الناشئ: إن «التسامي» هو طبيعة الفن أو طبيعة الفنون على أنواعها.

فالمفهوم أن الإنسانية تلجأ إلى الفن للتسامي بالحياة من الواقع المكروه إلى الجمال المحبوب.

والسيد أحمد محمد أحمد أديب يعالج القصة، ففي استطاعته ومن طبيعة فنه أن يواجه الجمهور الذي يعمل معه كما يواجه «شخصيات فنية» تحتاج إلى الاستطلاع والتصوير، فلا يصدمه العمل الثقيل من أحدهم بما يسوءه، بل ينظر إليه كأنه خامة معدة لصورة مسرحية أو قصصية أو فرصة للفهم والتحليل.

وسيبدأ الأديب الناشئ بهذه البداءة كأنه يتخيل ويحتال على ذهنه وشعوره، ولكنه لا يلبث أن يعلم أنه جاد في تصوره غير محتاج إلى تكلف الحيلة للتسوية بينه وبين طبيعته.

وسيرى في هذه المحاولة أيضًا منهجًا من مناهج التطور التي يجريها الفنان على طبيعته بين الإرادة المقصودة وبين تطويع الضرورة للإرادة، ولا شك أنه سيحمد العاقبة على كل حال؛ لأنه لن يجد لتكوين ذهنه ووجدانه وخياله وسيلة أنفع من هذه الوسيلة وأقرب إلى متناول يديه.

(٣) ذكريات العظماء

وكتب الأستاذ محمود الشرقاوي من رسالة يقول في ختامها:

مرت في أواخر السنة الماضية ذكرى مرور مائة وخمسين سنة على مولد الجبرتي، ولولا عدة مقالات كتبتها عنه في الأهرام والأخبار ومقال كتبه الصديق الأستاذ راشد رستم، ولولا كتابي الذي صدر عنه وأجازه المجمع؛ لما أحس بهذه الذكرى أحد. أما يرى الأستاذ الكبير أن الجبرتي جدير بمنزلة كريمة غير هذه المنزلة من الجحود والنكران؟

أعتقد أن مقالًا من قلم الأستاذ العقاد كفيل بالتنبيه إلى ذكرى هذا المصري العظيم الذي كان أول الخصوم وأقوى الخصوم لمحمد علي …

وفي اعتقادنا أن الأستاذين الشرقاوي ورستم نهضا بفرض كفاية كما يقول رجال الشريعة، ولهما من الأمة العربية حق الشكر على هذا الصنيع الجميل.

ولكننا نأسف إذ نقول: إن «الجبرتي» لم ينفرد بهذه «المزية» من الجحود والنكران بين المشغولين بالتاريخ والثقافة.

فقد مرت ذكريات لمحمد عبده ومحمود سامي البارودي وقاسم أمين وحافظ إبراهيم ولم يلتفت إليها.

وقد وصل إلى ظني أن هذا الإهمال «مزية» بالقياس إلى الذكريات الشائعة.

فالظاهر أن النابهين الذاهبين لا يذكرون بيننا لأقدارهم أو لآثارهم، وإنما يذكر منهم من يذكر لصفات مشابهة ينفس بها الذاكرون عن هواياتهم. وتبحث عن هؤلاء الذاكرين أحيانًا، فلا ترى بينهم من له رأي الأدب أو الثقافة أو التاريخ؛ لأنهم لا يحفلون بالأكثرين من ذوي الفضل في آدابنا وفي ثقافتنا وفي تاريخنا، كأنهم غير مصريين وغير مذكورين.

ومن العزاء دائمًا لأمثال الأستاذ الشرقاوي أن يذكر قول البطل الروماني القديم: «لأن يسأل السائلون: لماذا لا يقام له تمثال؟! خير من أن يقال: لماذا أقيم له التمثال؟!»

(٤) الطربوش مرة أخرى

وسؤال من السيد منير أحمد يقول فيه: إن الأوروبيين يسمون الطربوش «فز» أو «فاز» فمن أين جاءت هذه التسمية وليست هي تركية ولا يونانية؟

والمعروف أن اسم الطربوش باللغات الأوروبية مأخوذ من كلمة «فاس» المدينة المراكشية المشهورة، وقد يكون في ذلك تعزيز لرأينا على سبيل الترجيح لا على سبيل التوكيد، وهو انتقال الطربوش من اليونان مباشرة إلى إفريقية الشمالية. ولولا أن الطربوش لم يذكر — على ما نعلم — في تاريخ المغرب قبل اتصال المغاربة بالترك العثمانيين لرجح القول بأن أبناء إفريقية الشمالية نقلوه من اليونان والجزر التي كان لهم بسكانها اتصال قديم.

أما لباس سلاطين الترك قبل الطربوش فهو «التلبند» أو العمامة على شكل الزهرة المعروفة في اللغات الأوروبية باسم «التليب». وقد سميت الزهرة بهذا الاسم؛ لأنها تشبه شكل العمامة السلطانية، وليس التليب Tulip إلا تصحيفًا للتلبند بمعنى عصابة الرأس كما كان يلبسها السلاطين العثمانيون.

أحسبني قد وجدت زميلًا يحافظ على صحبة الطربوش بعد أن تنكرت له جميع الرءوس.

فقد كتب إليَّ القانوني المحقق الأستاذ «عبده حسن الزيات المحامي» يتفاءل بمستقبل الطربوش، ويقول بعد سطور من خطابه: «قرأت قولكم في ختام المقال: «والشعائر والرموز حقيقة لا ننساها ولا نستطيع أن ننساها، فإن المجتمع الذي لا يذكرنا بوجوده وحقوقه بشيء يواجه النظر والخيال يسهل نسيانه في غير هذه الظواهر التي يظن لأول وهلة أنها ليست بذات بال».»

ثم يقول من ذكريات التاريخ الوطني القريب: «تداعت المعاني في نفسي ورأيتني أصغي إلى قول الزعيم الخالد سعد أن ارتداءه الطربوش قد نفعه في منفاه بسيشل؛ لأن الملاحين المسلمين لم يكادوا يلمحون الطربوش حتى احتفوا به وبصحبه كل الاحتفاء.»

وقال الأستاذ الزيات: «ولست أنفي احتمالًا قد يضعف هذا الاستشهاد، وأعني أن يكون سعد قد ذكر الطربوش تقية لشبهة التعاظم والتحدث عن شخصه … ومع ذلك لا يجني هذا الاحتمال على القضية في ذاتها وهي القضية التي وضعتموها في إطارها الحق.»

ثم ختم القانوني الفاضل رسالته الأدبية التاريخية قائلًا: «وإذا كان الحديث يذكر بالحديث، فإن كلام سعد هذا يذكرني بنداء رسمي أصدره ممهورًا بإمضائه حين شاعت ضد الطربوش دعوة قوية منذ حوالي ثلاثين عامًا؛ فدافع عنه وألقى بصنجته في كفته فرجحت ثم شالت بل زالت كفة المهاجمين.»

وعلى كل احتمال أقول: إن أسباب سعد للمحافظة عل الطربوش هي أسبابي الصحية والتاريخية، فقد كان رحمه الله يلبس الطاقية إذا خلع الطربوش كما كنت ألبس «البيريه» إذا خلعته، ولم أزل أتلفع بالكوفية كما كان يتلفع بها.

فمهما يكن من احتمال أو سبب فالشعار الذي أختاره بين خالعيه ولابسيه «الطربوش إلى النهاية»!

ويسرني أن أظفر بزميل أعتد به في هذا الوفاء أو الثبات، وهو القانوني الوطني الأديب الأستاذ عبده حسن الزيات.

(٥) الفرصة لا تضيع

وكتب الأديب الأستاذ «محمد حسن عبد الواحد حجازي» المدرس بعزبة حسن صالح بالزقازيق يسأل عن فرصة الأديب في الاطلاع بعد تمهيد، قال فيه:

قرأت كثيرًا من كتبكم القيمة والتي تحوي آراء لها وزنها ولها قيمتها، وخرجت من ذلك كله بنتيجة واحدة، وهي أن هذه الذخائر مدرسة يجب علينا نحن الشبان أن ننهل من مناهلها العذاب إن كنا حقًّا نريد أن نكون للأدب خالقين مجددين.

لقد عاقتني الحرب على حدود بلادنا أن تتوافر لي حياة رتيبة منظمة أستطيع فيها أن أطلع اطلاعًا يمكنني من أن أشق طريقي بين أدباء الشباب، وما أن انتهت مدة خدمتي العسكرية حتى تلفتُّ ذات اليمين وذات اليسار باحثًا عن الرجل الذي يستطيع أن يوجهني الوجهة الحقة … فلم أجد غير سيادتكم. فهل يتكرم أستاذنا الفاضل بإسداء النصح لنا ثم بالاطلاع على إنتاجنا؟

وبعد، فإن خطتي فيما أنشره من رسائل الأدباء أن أحذف منها ما يخصني، ولكنني خالفت هذه الخطة في نشر ما تقدم؛ لأن جوابي مرتبط به معلق عليه، ولأنني أردت أن أنقل أسلوب الكاتب بنصه، لأنه أسلوب يدل على نضج واستعداد يبشران بنجاح كبير.

إنني أقدر أن كاتب الخطاب بين الخامسة والعشرين والثلاثين، وأقول له بعد ذلك: إنني أستطيع أن أعتبر نفسي مبتدئًا في الاستعداد للحياة الأدبية من هذه السن وما بعدها؛ لأنني بدأت القراءة والكتابة قبل هذه السن حقًّا، ولكن الذي قرأته بعدها لا يقل عن أربعة أضعاف ما قرأته قبلها، والمؤلفات التي صدرت لي قبل هذه السن كتابان أو ثلاثة، وقد بلغ ما صدر بعدها الستين أو يزيد.

وكل ما أحذر منه الكاتب الأديب بدعة «التفانين» أو التقاليع التي يهذي بها من لا يعقلونها ولا يحسنون نقلها عن أصحاب هذه البدع الهزيلة في الديار الأوروبية، فما من بدعة منها نشأت قبل عشرين سنة وبقي لها اليوم أثر يذكر، وكل ما أنكره هؤلاء الأدعياء على من قبلهم باقٍ خالد «محترم» بين أهله على خلاف ما لفقوه من التفانين والتقاليع.

والكلمة الأولى والأخيرة في كل وصية نافعة: «كن مبتدئًا على الدوام ولا تحسبن نفسك منتهيًا في يوم من الأيام.»

(٦) الأحاديث والكتب

ولعلي لا أتخطى حدود العموميات إذا كتبت هذه الأسطر التالية لأريح بعض أصحاب الرسائل من الكتابة إليَّ في مسألة لا جواب لي عنها غير جواب واحد، وهو الاعتذار بصيغة واحدة.

يكتب إليَّ بعض الأدباء أحيانًا ليسألوني عن حديث من أحاديث الإذاعة فاتهم في أوانه، ويكتب إليَّ غيرهم يطلبون نسخًا من مؤلفاتي؛ لإنشاء مكتبة عامة تابعة لبعض المعاهد أو بعض المجالس والهيئات المحلية.

ولا مناص لي من الاعتذار في الحالتين؛ فإنني لا أحتفظ بمسوَّدات لأحاديثي ولا لمقالاتي الصحفية. وقد دعا الأمر إلى نسخ حديث طلبته جماعة التسلح الخلقي فرجوت موظفًا فاضلًا في دار الإذاعة أن يتولى الإشراف على نقله بالآلة الكاتبة وإرساله إليهم، وليس في الوسع أن يعاد ذلك لكل حديث مطلوب.

أما المساهمة بمؤلفاتي لإنشاء المكتبات العامة فليس أحب إليَّ منه، وربما حرمت نفسي أحيانًا من النسخ القليلة الباقية لدي؛ لأنني أعلم أن طبعتها تعاد في وقت قريب، ولكن هذه المؤلفات جميعًا يطبعها الناشرون ولا يصل إليَّ منها غير النسخ المعدودة للهدايا وللمراجعة وإعادة الطبع في حينها. وقد أجبت ما استطعت أن أجيبه ولم يبقَ لديَّ بقية أرسلها وأستغني عنها، ولولا ذلك لسرني أن تحتوي كل مكتبة حديثة شيئًا من هذه المؤلفات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.