هي هذه التي يُملِيها علينا الغرور؛ فقد استقرت في نفوسنا أشياء، كثير منها حق وكثير منها باطل. وليس المهم أن بعضها واقع يسجِّله التاريخ، وأن بعضها الآخر وَهْمٌ نخترعه نحن لأنفسنا اختراعًا، وإنما المهم هو أن هذه الأشياء المختلطة قد خدعتنا عن أنفسنا وألهتنا عن حقائق أمرنا؛ فتناسينا الباطل حتى محوناه محوًا، وغلونا في الحق حتى جعلناه أو كدنا نجعله باطلًا، وأقررنا في نفوسنا أننا قوم قد بلغنا الغاية وانتهينا من طلب الرقي إلى آخر الشوط، فما ينبغي أن يظن الناس بنا غير ذلك، ولا أن يتحدثوا عنَّا بغير ذلك!

وقد يكون من حقنا، أو من الحق علينا، أن نلاحظ في حياتنا هذا العيب أو ذاك، وأن ننقده نقدًا رقيقًا أو رفيقًا، ولكن لا ينبغي لأحدٍ غيرنا أن يدخل في أمرنا بما لا نحب، سواءٌ أكان هذا الذي لا نحبه حقًّا أم باطلًا، وسواء أكان مستقًى بالفعل من حياتنا الواقعة أو مضافًا إلينا عن اختراع وتكلُّف ورغبة في الغض منا والإساءة إلينا.

فليس من شك مثلًا في أن المجد المصري القديم في كثير من عصور التاريخ عظيم، ولا يرقى إليه الشك، ولا يتعرَّض لإنكار أو مِرَاء. ولكن ليس من شك في أن مجد القدماء شيء وخمول المحدثين شيءٌ آخر، وفي أن ما يرقى به القدماء من المصريين في عصورهم المختلفة إلى مراتب الأمم الممتازة شيءٌ وما يهبط به المحدثون من المصريين شيءٌ آخر، وفي أن تفوق القدماء وما أُتيح لهم من نباهة الشأن لا يغير من ضعف المحدثين وما كتب عليهم من خمول المنزلة … هذا هو الحق البيِّن الذي لا ينبغي أن نختلف فيه. ولكنا قد صغنا لأنفسنا من مجدنا القديم حلية رائعة، وضعناها على صدورنا، وخيِّل إلينا أول الأمر — ثم استقر في نفوسنا آخر الأمر — أن جمال هذه الحلية سيُخفي — بل يجب أن يُخفي — على الناس ما في حياتنا الحاضرة الواقعة من أعراض الضعف والقصور.

ثم قررنا فيما بيننا وبين أنفسنا أن الذين يتحدثون عن مصر الخالدة الماجدة التي أقامت هذه الآثار الباقية على الزمن، والتي مدَّت سلطانها في الجنوب إلى أعماق السودان وفي الشرق إلى نهر الفرات وفي الغرب إلى أعماق أفريقيا الشمالية، والتي عبرت بسلطانها البحر الأحمر حتى نشرته على أقطار كثيرة من جزيرة العرب، وعبرت بسلطانها البحر الأبيض حتى أقرَّته في كثير من الجزر، وكادت تقره في بلاد اليونان نفسها؛ قررنا أن هؤلاء هم المنصفون؛ لأنهم يقررون الحق الذي نراه بأعيننا ماثلًا على الأراضي المصرية، والذي نستطيع أن نقرأه في كتب التاريخ حين تصور أيام الفراعنة والبطالمة والفاطميين والأيوبيين والمماليك! قررنا أنهم منصفون؛ لأنهم يقولون لنا ما نحب أن نسمع. فإذا تحدثوا عما أصابنا من المحن في تلك العصور، وعما انتهى إليه أمرنا في العصر الحديث من خمول وذهول ومن خمود وركود، فهم الظالمون؛ لأنهم يذكرون ما يؤذينا ويعيبنا، ويتركون ما يرضينا ويرفع من قدرنا، وما ينبغي أن يُعاب المصريون وهم ورثة الفراعنة والبطالمة وخلفاء الفاطميين والأيوبيين والمماليك!

وقد استقرَّ في أنفسنا أيضًا أن بلادنا غنية كلَّ الغنى ثرية كلَّ الثراء. فالذين يتحدثون عنَّا بمظاهر الغنى والثروة، ويصفون ما ننفق من مال في هذه السبيل أو تلك من سبل الإنفاق منصفون؛ لأنهم يقولون الحق الذي لا شك فيه؛ فأرضنا من أخصب الأرض، وثروتنا من أضخم الثروة، ودولتنا أغنى دول الشرق، وتوشك أن تكون أغنى من دول كثيرة في الغرب، وأفرادنا وجماعاتنا وحكومتنا ينفقون عن سعة فيما شاء الله من وجوه الإنفاق. وهذا كله يدل على أننا قوم أسخياء، لا نحب البخل ولا نطمئنُّ إليه، ولا نرضى بهذه الحياة الضيقة التي يخضع لها الفقراء طوعًا أو كرهًا. ونحن من أجل ذلك نرفع رءوسنا، ونشمخ بأنوفنا، ونثني أعطافنا، حين نقرأ ما يُكتب في الصحف الأوروبية أيضًا عن الترف المصري والبذخ المصري والكرم المصري؛ لأن هذا كله يلائم ما نحب ويجانب ما نكره …

ولكن إذا تحدث الناس عن بؤس البائس وجوع الجائع وجهل الجاهل ومرض المريض، وإذا صور الناس ما تشقى به الكثرة الضخمة في مصر من الحرمان ومن التعرض للآفات المهلكة التي يستتبعها الحرمان، إذا ذكر الذاكرون هذه المدن والقرى التي لا تثبت للنيل إذا تجاوز حدوده، والتي قد لا تثبت للمطر إن كان غزيرًا، إذا قال القائلون إن القارئين الكاتبين في مصر لم يبلغوا العشرين في المائة، وإن الطاعمين الكاسين في مصر لا يبلغون الخمسين في المائة، وإن المستمتعين بثمرات مصر من الأغنياء وأوساط الناس والنزلاء الأجانب لا يبلغون العشرين أو الثلاثين في المائة؛ إذا قيل هذا أو بعض هذا، كان الذين يقولونه ظالمين متجنِّين، يدخلون فيما لا يعنيهم، ويَعرضون لما لا ينبغي أن يعرضوا له من شئون مصر الداخلية التي لا ينبغي أن يخوض فيها إلَّا المصريون!

وكذلك نرضى كل الرضا إذا قال الناس عنَّا ما نحب أن يُقال، ونسخط كلَّ السخط إذا قال الناس عنَّا ما نكره أن يُقال. وهذه هي المنزلة التي ينبغي أن نرتفع عنها ونرى الإقامة فيها خزيًا وعارًا … فما ينبغي أن نسوس أمورنا سياسةَ النعامة التي تكره أن ترى الصائد، يخيل إليها أنها إن غضَّت عينها عنه فسيغض عينه عنها! ذلك أن الأجانب من الأوروبيين وغير الأوروبيين يظهرون من أمرنا على ما نحبُّ كما يظهرون من أمرنا على ما نكره. لم نستطع أن نخفي عليهم آثارنا الماثلة وثراءنا العريض، ولم نستطع — ولن نستطيع — أن نُخفي عنهم ما نشقى به من هذه الآفات الكثيرة التي لا ينبغي أن يشقى بها بلد كريم في هذا العصر الحديث … وإذا أُتيح للأوروبيين أن يروا من أمرنا ما يسرُّ وما يسوء، فلن نستطيع أن نمنعهم من أن يتحدَّثُوا بما رأوا، ومن أن يُذِيعوا من أمرنا ما يعلمون، سواء رضينا عن ذلك وابتهجنا له أو ضقنا به وكنَّا له كارهين!

والشيء الذي ليس فيه شك والذي أشرت إليه في غير هذا الحديث أن الأوروبيين يتحدثون عنَّا في هذه الأيام في بلادهم بكثيرٍ جدًّا مما نكره وقليل جدًّا مما نحب … ويجب أن نكون منصفين، فهم يتحدثون عنَّا بمثل ما نتحدث نحن عن أنفسنا؛ لأنهم يرون ما نرى ويلاحظون ما نلاحظ. والفرق بينهم وبيننا أننا نشقى بما نرى ونلاحظ، وأنهم يقفون من ذلك موقف المتفرجين، وقد يقفون منه أحيانًا موقف المشفقين!

وليس من سبيل إلى أن نمنع الأوروبيين من رؤية ما نرى وملاحظة ما نلاحظ إلَّا أن نمنعهم من زيارة مصر والإقامة فيها، والتنقل بين مدنها وقراها، والاتصال بالأغنياء والفقراء من أهلها؛ أي أن نقطع الصلة قطعًا تامًّا بيننا وبين العالم الخارجي، وأن نبث حول النزلاء الأجانب — إذا لم يكن بُدٌّ من وجود النزلاء الأجانب — أرصادًا كثيرين يُظْهِرونهم على ما نحب أن يظهروا عليه، ويخفون عليهم ما لا نحب أن يعرفوا من أمرنا! ولست أدري أممكن هذا أم غير ممكن، ولست أدري أتستطيع حكومة مصرية أن تُقْدِم عليه أو لا تستطيع! ولست أدري كم تتحمل ميزانيتنا من الجهد لتنفق على هؤلاء الأرصاد! ولكننا إن فعلنا ذلك وبلغنا فيه من النجاح ما نريد؛ عرَّضنا سمعتنا لخطر أعظم ألفَ مرة ومرة من هذا الخطر الذي نَضِيق به الآن … ويكفي أن نتصور ما يُشاع ويُذاع بالحق أو بالباطل عمَّا يجري وراء الستار الحديدي الذي يُقال إن روسيا قد ألقته بينها وبين العالم الخارجي، حتى لا يعرف العالم من أمرها إلَّا ما تريد هي أن يعرف، لا ما ينبغي له أن يعرف …!

يكفي أن نتصور هذا لنستيقن أن من غير الممكن ومن غير المستحسن أن نلقي بيننا وبين العالم الخارجي ستارًا صفيقًا أو رقيقًا.

فهذه الأستار لا تُغنِي في حقيقة الأمر شيئًا. ونحن بالطبع لا نستطيع أن نرهق الأوروبيين من أمرهم عسرًا، ولا أن نلزمهم في بلادهم — بل في بلادنا — ألَّا يتحدثوا عنَّا إلَّا بما نحب. وإذن فأمامنا سبيلان يخيَّل إلينا أن ليس لهما ثالثة … السبيل الأولى أن ندعهم يقولون ما يشاءون، وأن نَقبل منهم ما يسرنا ونُعرِض عما يسوءنا، السبيل الثانية أن نعاقب صحفهم وكتبهم إذا تحدثت عنَّا بغير ما نحب، فنمنعها من دخول الأرض المصرية كما تعودت حكوماتنا المختلفة أن تفعل بين حين وحين. وقد يكون من الخير أن نلاحظ أن منع هذه الصحف والكتب سلاح ذو حدين، قد يؤذي الأوروبيين ولكنه يؤذي المصريين؛ لأنه يمنعهم من القراءة، ومن قراءة ما يكرهون بنوع خاص، ولست أعرف شيئًا أنجعَ في تربية الأمم وتقويم سيرتها من أن تسمع ما تكره بين حين وحين … وهذا هو الذي يخيِّل إليَّ أن هناك سبيلًا ثالثة قد يكون من الخير أن نسلكها، وهي أن نصلح من أمرنا، ونظهر الجد في هذا الإصلاح، ونأخذ أمرنا فيه بالحزم والعزم لا بالدعاية والمزاح.

هنالك يتحدث الأجانب عنَّا أحسن الحديث؛ فنجد في حديثهم هذا تشجيعًا على المضي في الإصلاح. وقد يتحدثون عنَّا أحيانًا بما نكره؛ فينفعنا هذا الحديث؛ لأننا نستعين به على تقويم المُعْوَجِّ من أمرنا. هذه فيما أعلم سياسة الرجال؛ فمتى يعتمد المصريون على الله ويستقبلون سياسة الرجال هذه معرضين عن سياسة النَّعَام؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.