الصحوة — فيما أرى — بَعْثٌ للشخصية ينتشلها من النوم أو الاستسلام للعادة، وينفخ فيها روحًا جديدة للنشاط والإبداع وتحدِّي الصعاب لبلوغ درجة رفيعة من الكمال والإنسانية، ويصحبها لدى وجودها مصباح مُنِير يُضيء للإنسان ما حوله، فيرى كيف يحيا وأي قِيَمٍ يعتنق، وأي سلوك يُفَضِّل، فتتكشَّف له نَفْسُه بوضوح جديد، مُعْلِنة بصراحة عن سلبياتها ومعوقاتها وما تجاوزه الزمان من عاداته، فيتوثَّب للإنقاذ والتغيير ثم البناء والتعمير. وأنظر على ضوء المصباح فأرى أول ما أرى أننا نطمح إلى حياة متقدمة ولكننا نلتمس إليها الوسائل المريحة، فنعتمد على ذواتنا متجنبين إرهاقها ما أمكن، ونستغل إمكاناتنا برفق وهوادة وتسامح، مستكملين ما ينقصنا بعد ذلك بالاعتماد على الغير خبرةً وقروضًا وإعانات. وإذن؛ فالصحوة يجب أن تعني أول ما تعني الاعتمادَ على النفس، ورفضَ التسوُّل في أي صورة من صوره. وتعني أيضًا أن ننظر إلى واقعنا بعين جديدة وعزيمة جديدة؛ كي نُحَصِّل المالَ العام دون فاقد، ونضغط الإنفاق إلى حدِّ التقشف والصرامة، ونندفع في الإنتاج بعنف من يدفع عن نفسه غائلةَ الموت، فإذا وُجِدَ بعد ذلك كله عَجْزٌ بين الدخل والمنصرف فلا مفر من تقصير خطوط طموحنا، بشرط أن نُرَتِّب أنشطتنا تبعًا لأهميتها بالنسبة لتطورنا الحضاري فنبدأ بالأقل، ومع مراعاة العدل والتضامن الاجتماعي حتى يتحمل كلٌّ على قدر طاقته، ثم نَقْبَل بكل رجولة وصبر ما تَفْرِضه يَقَظَتُنا الرُّوحيَّةُ من تضحيات وآلام ننصهر بها ونتربى في عذاباتها، وهي خليقةٌ بأن تخلق منا رجالًا غير الرجال، وأمة غير الأمة، ولن نستحق الحياة الشريفة حتى نؤدِّي ضريبتها دون تهرُّب أو تحايُل، وهذه هي الصحوة إن كنا صادقين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.