إن هذا الفن من الشعر مقصور على حياة الطبيعة خارج المدن، ولكن الطبيعة عند هذا الشاعر وتلاميذه لا تخلص لهؤلاء الرعاة.

هذا كتاب قيِّم ممتع يشكر صاحبه أصدق الشكر وأجمله لما بذل في تأليفه وترجمة نصوصه من الجهد والوقت، وما احتمل في ذلك من المشقة والعناء.

ويشكر لإدارة الثقافة العامة في وزارة التربية والتعليم نشره على الناس أولًا؛ لأن من حق اللغة العربية أن تعنى به وبأمثاله مما يصور روائع الأدب اليوناني القديم، وثانيًا لأن من الحق على الأدباء والمتأدبين من العرب أن يقرءوا هذه الآداب ليمتعوا بها أنفسهم، ويثقفوا بها عقولهم وقلوبهم وأذواقهم، وأخيرًا لأن من الحق علينا أن نجدد سنة العرب الأولين ونترجم الآداب القديمة على اختلافها ما استطعنا إلى ترجمتها سبيلًا؛ فقد أقام العرب الأولون حضارتهم الرائعة على ترجمة الثقافات القديمة، فعرفوا ثقافة اليونان والهند والفرس في الشرق، وأضاف أهل المغرب إلى هذه الثقافات ثقافة الرومان؛ ترجموها من اللغة اللاتينية إلى لغتهم العربية.

والأولون من العرب لم ينتفعوا وحدهم بهذه الثقافات، وإنما نفعوا بها الأمم التي خضعت لسلطانهم، ثم نفعوا بها أممًا أخرى لم تذعن لحكمهم؛ وهي الأمم الأوروبية الغربية التي أخذت عنهم الطب والفلسفة والرياضة في القرون الوسطى. وتغلُّب الأعاجم على سلطان العرب في تلك العصور البعيدة هو الذي أصاب الهمم بالفتور والقصور، فوقف المضي في الترجمة، وانتهى آخر الأمر إلى أن وقف الانتفاع بما كان قد ترجم. وقد أراد الله لعلمائنا وفلاسفتنا أن يقاوموا فتور الهمة وكلال الجد، وأن يدرسوا الثقافات الأجنبية ويسيغوها ويضيفوا إليها من عند أنفسهم، حتى تركوا لنا هذا التراث الرائع الذي نعتز به في غير فهم له، ونعتدُّ به في غير فقه لحقائقه ودقائقه، حتى إذا اتصل التغلب الأعمى على العرب، وأصبح شاملًا، وأطبق على الأقطار العربية كما تطبق الظلمة الكثيفة فتحجب النور.

هنالك عم الركود، وخمدت جذوة الثقافة، وأصبح الأخلاف يجترون قليلًا من آثار الأسلاف لا يبلغون أعماقها، ولا يضيفون إليها شيئًا ذا بال.

وأدركنا هذا العصر الحديث فرأينا الغرب الأوروبي قد تفوق في العلم والأدب والفن وألوان الفلسفة، فأقبلنا عليه ندرس ما عنده، وننقل ما يتيسر لنا النقل من آثاره، ولم ننس إلا شيئًا واحدًا، وهو أن تراثنا القديم الذي أهملناه قد كان الأساس الأول لنهضة الغرب وأمتنا؛ سُنَّة الأولين الحميدة في ترجمة الثقافات القديمة، وإذا نحن عيال على الغرب في كل ما يثقف العقل، ويهذب الطبع، ويصفي الذوق، ويذكي القلب، وإذا نحن ننسى أو نوشك أن ننسى تراثنا القديم، فلا يفكر فيه إلا القليلون من العلماء الذين يفرغون له ويعكفون عليه، ويحتملون في سبيل ذلك كثيرًا من العبث بهم والسخر مما يصنعون.

ثم أعرضنا إعراضًا تامًّا عن الآداب القديمة، بل عن الثقافات القديمة كلها، فلا نترجم منها شيئًا، ولِمَ نترجمها وقد ترجمها الأوروبيون إلى اللغات التي نعرفها من لغات أوروبا؟ فلنَقْرَأها في تلك الترجمات إن احتجنا إلى قراءتها، ولا بأس على كثرة المثقفين من أن تُجهل هذه الثقافات جهلًا مطبقًا كثيفًا.

على أن قلة من المصريين قد أخذت تفكر في هذه الثقافات القديمة، وتذكر أنها أصل ثقافتنا العربية، وأصل الثقافة الأوروبية الحديثة أيضًا، ولم تكد هذه القلة القليلة تُظهر العناية بشيء من الثقافة اليونانية حتى أخذ الناس يتندرون بها، ويتحدثون عنها وعلى ثغورهم هذه الابتسامات الساخرة التي يُحسِن المصريون رسمها على الثغور. وإني لأذكر سياسيًّا من كبار ساستنا في العهد الماضي القريب كان يسمى أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد صاحب الكون والفساد؛ لأنه عني بترجمة كتب لأرسطاطاليس.

لست أنسى أني كنت أطلب بإلحاح أن تدرس اللغة اليونانية في جامعتنا المصرية القديمة، فقال لي عضو من أعضاء مجلس الإدارة لتلك الجامعة — رحمها الله ورحم أيامها — قال لي: أكل ما أتيت به من أوروبا هو أن تطالب بتعليم لغة البقالين في الجامعة. ثم ضحك وضحك معه الأعضاء، وضحكت أنا معهم أيضًا.

وقد بعدت عن الكتاب الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم؛ فلأعد إليه، وهو كتاب يسير صغير الحجم لا تتجاوز صفحاته العشرين والمائة، ولكنه على ذلك امتحان خطير جدًّا لذوق الأدباء والمتأدبين في هذه الأيام؛ فهو يتحدث إليهم عن عصر الإسكندرية أيام البطالمة؛ أي منذ أكثر منذ ألفي سنة، ويتحدث عن ازدهار الثقافة اليونانية في هذه المدينة التي كانت عاصمة العالم المثقف، والتي انتشر منها العلم والحضارة اليونانية في أقطار الشرق، والتي حفظت من آثار اليونانيين أشياء قيِّمة ما زال الغرب الأوروبي يعنى بها أشد العناية، ويحتفل بها أعظم الاحتفال.

ومؤلف هذا الكتاب قد وقف حياته على درس اللغتين القديمتين اليونانية واللاتينية وآدابهما. بدأ درسه في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأتمه في جامعة باريس، وهو الآن يعلمهما في الكلية التي درس فيها. وقد عني عناية خاصة بالأدب الإسكندري، وهو يعرض علينا في هذا الكتاب الصغير الكبير حياة شاعر من شعراء الإسكندرية وشيئًا من شعره. وهذا الشاعر هو ثيوقريط الذي نشأ في صقلية، وألمَّ بمدن يونانية مختلفة ثم استقر بالإسكندرية؛ لأنه وجد في قصرها الملكي ما كان يطمح إليه من الخفض والدعة والنعيم.

والمؤلف يعرض علينا في إيجاز حسن خصائص الشعر الإسكندري عامة، وخصائص شعر ثيوقريط خاصة، ويبين لنا تأثير هذا الشاعر في الشعراء الذين جاءوا بعده من اليونان، وفي الشعراء الرومان وكبيرهم فرجيل، ثم يقدم إلينا نماذج من شعر ثيوقريط في فن خاص من فنون الشعر يظهر أنه استحدث في الأدب الإسكندري أولًا، ثم انتقل منها إلى بعض مدن اليونان وإلى الرومان في إيطاليا، وهو الفن الذي يسميه المؤلف: شعر الرعاة؛ أي الشعر الذي يصور حياة الرعاة في الريف وفي الجبال والغابات، ويعرض لوصف قطعانهم ومراعيها ومواردها من الأنهار والجداول والينابيع، ويصور بنوع خاص ما يعرض لهؤلاء الرعاة من العواطف والميول والأهواء، وما يلمُّ بقلوبهم من الحب فيسعدهم قليلًا ويشقيهم كثيرًا، وما يكون بينهم من التفاخر بقطعانهم وما تنتج من الألبان، وكل ما ينتج من الألبان كذلك.

ومعنى هذا كله أن هذا الفن من الشعر مقصور على حياة الطبيعة خارج المدن، ولكن الطبيعة عند هذا الشاعر وتلاميذه من اليونان والرومان لا تخلص لهؤلاء الرعاة؛ لأن الآلهة اليونانية والرومانية تحب هذه الطبيعة وتألفها، وتكثر الاتصال بها، ومخالطة الرعاة، والتدخل في حياتهم بما يسعدهم ويشقيهم. ومن أجل ذلك يكثر ذكر الآلهة في هذا الشعر، ويكثر كذلك ما يروي فيه من أساطير، وهو كما ترى غريب بالقياس إلينا كل الغرابة، فليس في شعرنا ما يفرغ فيه الشعراء لوصف هذه الطبيعة في يسرها وسذاجتها وحياتها الخشنة واتصال الآلهة بها، وليس للعرب أساطير يتناقلونها من آلهتهم أيام الوثنية. ولم ينكر أن آلهة العرب الوثنيين يخالطون الناس، والرعاة منهم خاصة، في حياتهم المألوفة، على حين كان هذا كثيرًا شائعًا عند اليونان، وعند الرومان بعد أن درَس شعراؤهم اللغة اليونانية وآدابها.

ومن أجل أن هذا الشعر غريب بالقياس إلينا أشد الغرابة، قلت: إن هذا الكتاب امتحان خطير لذوقنا الحديث؛ لأننا لم نألفه في أدبنا، ولا في عاداتنا القديمة أو الحديثة، وقد يقال: لِمَ لم يترجم العرب في عصورهم الأولى شيئًا من هذه الآداب اليونانية القديمة؟ والجواب يسير جدًّا؛ فالعرب لم يعرفوا هذه الآداب، ولو قد عرفوها لترجموا منها شيئًا، ولتأثر شعرنا بهذه الترجمة، والعرب لم يعرفوا هذه الآداب لأن المسيحية البيزنطية كانت تكرهها، وتصد عنها، وتحرم قراءتها ودرسها؛ لكثرة ما فيها من ذكر آلهة الوثنية.

وبمثل هذا الجواب يرد على الذين يسألون: لمَ يترجم العرب التمثيل اليوناني؟! فلمْ يخلُ التمثيل اليوناني من ذكر الآلهة، وكثيرًا ما كان الآلهة يمثلون شخصيات كبيرة في المسرحيات اليونانية.

ولست أدري أيذوق الأدباء والمتأدبون منا هذا النحو من الشعر، أم يصدون عنه ويزهدون فيه؟ ولكني أعلم حق العلم أن من الحق عليهم أن يقرءوه ويكثروا من قراءته، ويطلبوا إلى الذين يحسنون اللغات القديمة أن يترجموا لهم من هذه الآداب أعظم قدر ممكن. إنهم يقرءون الآداب الغربية الحديثة لأنهم يجدون في قراءتها متاعًا، ويجدون فيها ثقافة، ويجدون فيها قربًا من ذوقهم، ولكن من الحق عليهم أن يقرءوا الآداب القديمة أيضًا؛ فهي أصل الآداب الحديثة، وفيها ثقافة كثيرة لا شك في ذلك، وفيها متاع للذين يألفونها بكثرة قراءتها. والغريب لا يُترك لأنه غريب، وإنما يدرس ويعرف ويؤلف كذلك. تدعو إلى ذلك غرابته كما يدعو إلى ذلك أن الإنسان المثقف، والأديب خاصة، جدير أن يحب الغريب، ويسعى إلى استكشاف غرابته وإلى إلْفِه، ولو ترك الناس كل غريب لأنه غريب ما عرفوا شيئًا.

وكم كنت أحب أن أورد في هذا الحديث شيئًا من هذه النماذج الممتعة التي عرضت في هذا الكتاب! ولكني أخشى أن أسرف في الإطالة، والكتاب بعد ذلك قريب المنال يستطيع كل إنسان أن يقرأه.

وفي الكتاب هنات قليلة تتصل باللغة، وأنا أوثر للذين يترجمون الشعر خاصة أن يحرصوا على صفاء اللغة ونقائها، ولست أمثل لهذه الهناة إلا بمثال واحد تجنبًا للإطالة أيضًا.

فالمترجم يصطنع في صفحة ٧٧ كلمة «التريض». خيل له أنها تأتي من الرياضة، ومن الرياض، ونسي أن الياء في هذه الكلمات كلها أصلها الواو، والفعل راض يروض، والرياض جمع روضة، والخير أن يصطنع المترجم لفظ «التروض» بالواو لا بالياء.

ومهما يكن من شيء، فالجهد في هذا الكتاب قيِّم خصب، والكتاب نفسه ممتع رائق، وأنا أهدي إلى المؤلف أصدق التهنئة وأخلصها، وأرجو أن يُكثِر من هذه الكتب، وأن يَكثًرَ إخوانُه الذين يُحسنون هاتين اللغتين من ترجمة الآداب اليونانية واللاتينية؛ فإنهم يؤدون بذلك إلى مواطنيهم أعظم النفع، ويزيدون أدبنا العربي خصبًا ونماء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.