إن الجنس السامي مع كونه أعرق في القدم من الجنس الآري وأرسخ قدمًا في الحضارة، إلا أنه ضيق العطن قصير النظر ضعيف الخيال، راكد الهمة إلا فيما يهمه مباشرةً كالحب والأخذ بالثأر، وقد تجلت هذه الخلال أو المعايب في أدبه المكتوب والمحكي في نثره وشعره، فالسامي يصوغ الحكمة ويعي المعنى الرائع في العبارة البليغة الموجزة، وينظم الشعر الغنائي القصير النفس الذي يعبر عن حالته في الفخر أو الرثاء أو الغزل، وقد يكون ذا أثرة ظاهرة، فيفضل نفعه على المنفعة العامة، ويقيم الدنيا ويقعدها وراء كل أمر خاص بشخصه، وتراه لا يخضع للقوانين ونظم الحكم خضوع ولاء وطاعة ولكنْ خوفًا ورهبةً، قد ينتقل من مكان إلى مكان في سبيل الرزق أو المرعى، أو خوفًا من عدو يهاجمه أو يقتفي أثره أو يتربص له، ولكنه لا يكبد نفسه مشقة الانتقال للمغامرة في سبيل المجد أو اللذة؛ فلا يحب أن يخرج للصيد للذة الصيد المجردة كما يفعل الآري، ولكنه يصيد ليأكل الصيد ويحظى بالغنيمة، ولكنه إذا أكل وشبع ثم صار الصيد على قيد شبر منه فلا يعرض له، لا حنانًا ورحمةً وتورعًا عن إراقة الدم البريء، ولكن لعدم الحاجة إليه.

ولعله بعيد عن الشفقة بعده عن المغامرة والمجازفة بحياته، فهو يقتل المسافر الذي يلقاه في الطريق منفردًا، ثم ينزع ثيابه ويسرق ما يحمل من متاع وعتاد، ويذبح الحاج الذي يتكبد المشقة في سبيل الوصول إلى الأماكن المقدسة ليسلب ماله، غيرَ مفكر فيما يلقاه أهله من ألم وحسرة لدى نعيه، وغير عابئ بالذنب الذي يقترفه في وجه آلهته وأربابه، ولما كان الاعتداء على القريب والغريب شائعًا، أرغموا على وضع نظم تكفل حياة الغريب واللاجئ وابن السبيل ولتكون سياجًا يذود عن الضحايا ويدفع عنهم بعض الأذى، وقد كان هذا البدوي يَقتل في ظل الكعبة ولا يراعي للغريب حرمة ما دام هذا الغريب يحمل في ثنايا ثيابه نقودًا يحتاج إليها البدوي، بل إن من هؤلاء البدو من يعتدي على ضيفه؛ فيجرده من ماله وثيابه وإن قاومه قتله. لقد كانت القاعدة الظاهرة الكرم والإكرام والإحسان إلى الضيف وحمايته، ولكن هذه الفضائل كانت أظهر ما تكون في الأشعار والأخبار والقصص، ولكنَّ بين الأشعار والأخبار والقصص والحياة الحقيقية بونًا شاسعًا وفرقًا فسيحًا.

وإذا تأملت في حب البدوي الذي سار مسير المثل ونظم في وصفه الشعراء ألوف القصائد والمقطعات، وجدته ككل شيء في حياته الأدبية، فهو حب شديد سريع كالعاصفة التي تظهر فجأة ثم تختفي، وفي أثناء تلك العاصفة يجن العاشق ويصير شاعرًا وخطيبًا، وتشحذ مواهبه ويحتد ذكاؤه، وينتقل من الفتوة الطائشة إلى الرجولة الكاملة، ولكن بعد هذه العاصفة لا يبقى شيء كالنار التي تنطفئ وتترك وراءها رمادًا لا يعود إليه الوهج مهما نفخت فيه، وقد تصبح تلك التي كانت موضع حبه وإعجابه وهي أبغض الناس إليه، ولهذا ضربوا المثل بوفاء جميل وبثينة ومجنون ليلى لندرة الوفاء في الحب، ولأن هذا الوفاء أدهش المعاصرين إن كان قد حدث حقًّا حتى رأوا وجوب تخليده بالشعر والنثر والرواية.

أما الحب عند الآريين فقد يبدأ هادئًا ومطمئنًّا، ولا يبدو لهيبه المشتعل الذي يدعو الشعر والنثر، ولكنه يبقى ويستمر على وتيرة واحدة، وإن هو هبط أو ضعف فإنما يتخلف وراءه مودة ورحمة وحنان وصداقة قد تكون أبقى من الحب وأجدى على ذويه من الشعلة الأولى التي تخبو عند السامي ولا توجد عند الآري إلا نادرًا.

ويمتاز السامي، ولا سيما البدوي، بالتردد في أفكاره، فهو في المجتمع أقرب إلى الرياء منه إلى الصراحة؛ لأنه بحكم حياته محتاج للمواراة والمجاملة، فهو أبدًا في رعب، ولأنه لا تحميه قوانين منظمة محترمة تراه لا يأمن عاقبة العداء الخفي أو الظاهر، فهو يخشى الغدر ويخاف الخيانة ولا يطمئن إلى العهود، وفي الأدب السامي، ولا سيما العربي في الجاهلية، أنهار متدفقة من قصص الغدر والوقيعة والانتقام بعد التأمين والتطمين وتبادل العهود والمواثيق.

ومن هنا جاءت الفطنة التي اشتهر بها البدوي، فهو شديد الحذر، والحذر يورث المكايد ويولدها، فالبدوي يقضي معظم حياته كما يقضيها الطائر الذي يخشى نبل الصائد، ومن هنا كانت سعة الحيلة، فالرجل الذي في خوف دائم على حياته، والذي يرى في كل شخص آخر عدوًّا، والذي ينتظر مزاحمًا في شربة الماء ورغيف الخبز، والذي يخشى الاعتداء على زوجته وأخته وبنته؛ لأنه يرى في ذلك الاعتداء عارًا لا يُمحى؛ لا يمكن أن يعيش هادئًا، ولا يمكن أن يكون صريحًا، ولا يستطيع أن يمضي شطرًا من حياته مطمئنًّا.

ثم إن هذا البدوي تراه في معظم الأحيان فريسة الوحدة، فهو في قلب الصحراء الواسعة التي تكاد تكون لا نهاية لها. أمامه الرمال والسراب، وعلى مقربة منه الجدب والظمأ، وبينه وبين الماء والعشب أميال لا عدد لها، وبينه وبين الموت الذي تعددت أسبابه وطوارئه أقرب مما بينه وبين الأمل في الحياة.

ألهذا كانت الحياة هنيئة لديه؟

ألهذا اشتهر بالشجاعة والمخاطرة أحيانًا؟

هل شجاعة البدوي ثمرة اليأس من الحياة؟ وهل سهولة زوالها جردتها من قيمتها وجعلتها من النعم التي يستهان بها، وأن حياة العربي ترتفع قيمتها في نظره كلما اكتسبت سببًا من أسباب التأمين والضمان؟

هذا البدوي الذي بدأ من فجر التاريخ يرحل ويهاجر في سبيل القوت وفي سبيل الغزو والنهب قد آن له أن يمثل دوره في التاريخ، وأن يأخذ بنصيبه في دورة الحياة الإنسانية، وأن يشاطر الأمم الأخرى عظمتها وآلامها، لقد آن له أن يخرج من أوكاره، لا خروج الطيور الجارحة ولا يزحف زحف الأفاعي وراء الحدود في طلب القوت والرعي، بل خروج الشعوب القوية التي تحمل في كنانتها رسالة للإنسانية، رسالة تنطوي على السعادة والأمل.

لم تكن جزيرة العرب تشبه بقعة أخرى من بقاع الدنيا، وقد تمكن العلم الحديث من تقييد رحلات أسفار القبائل وهجرتها في سجلات العلوم التاريخية والإثنوغرافية، فهناك قبائل هندوروبية نزحت من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال، وهناك قبائل نورسية نزحت من الشمال إلى الجنوب واجتاحت سهول أوربا الشرقية، وهناك الفيزيقوط والفندال والهونز والجرمان التي أغارت على ألمانيا وسهول لومبارديا ووديان إسبانيا وفتكت بالمدنيات الرومانية واليونانية، وهناك قبائل تيمورلنك وجنكيز خان التترية والطورانية والموغولية التي هجمت على الحضارة الإسلامية في القرن السابع فاقتلعتها وابتلعتها في العراق والشام، وقد انتهت حياة تلك القبائل بمجرد اتصالها بالأمم المغلوبة واندمجت فيها وختمت قصة حياتها، فهؤلاء النورسمان الذين انحدروا من الشمال على إنجلترا قضوا عليها وحلوا محل شعبها وهكذا كانت قصة سواهم.

أما جزيرة العرب فكانت وسطًا بين الحضارات الكبرى ومركزًا لدائرة العمران، فكانت محاطة بالرومان والمصريين والفرس والبابليين والأحباش والكنعانيين، وكانت طبيعة الجزيرة نفسها متفاوتة كما أثبتنا من الخصوبة التامة إلى الجدب العقيم المزعج، فلم تملك تلك القبائل العربية أن لا تحتك بتلك المدنيات في بعض أسفارها، ولم يكن من المستطاع أن يلتقي بهم في واحاتهم أو في مرابط خيولهم وطرق قوافلهم رجال من أهل هذه البلاد النائية ليشتروا من خيلهم أو من سيوفهم ورماحهم أو ليبادلوهم المتاجر في سلع يحتاجون إليها.

وقد يكون حب الاستطلاع قد تحرك في نفوس هؤلاء العرب، ولكن الضنك والضيق والأزمات المتتابعة كانت تدفع بالبدوي أكثر من كل شيء في سبيل الهجرة المنظمة تارة والمضطربة المرتبكة طورًا، ولكن هذا العربي لم يكن يملك صناعة ولا فنًّا ولا علمًا ولا ثروةً يتاجر فيها، كان لا يملك إلا سيفه وغنمه ووراءه حريم وولد، وفي الحريم العجوز الحجمرش والفتاة الناهد التي يطمع فيها ولا يُنتظر أن تخدم الأسرة، فكان العربي يتشاءم لميلاد البنت وهو يعلم أنه بدونها لا يُولد الذكر ولا تقوم للرجل قائمة، ولكنه كان غارقًا في الحاضر، والحاضر وحاجة الحاضر وشقاء الحاضر تعمي وتصم، فهو يحمل هم الحاضر ولا يعمل حسابًا للمستقبل، فهو في غنى عن تلك العجوز وعن لهاتها المفتوحة لابتلاع الغذاء وهو يرقب موتها بفارغ الصبر، وقد يقتلها أحيانًا إذا أمن الانتقاد أو الأخذ بالثأر.

أما البنت الصغيرة فهي ابنته وهي ملكه، وهي التي ستنمو فتصير عروسًا ذات خطورة تعرض شرفه حينًا للابتذال وتعرض سمعته للقيل والقال، فهو يقضي عليها ويقتلها ولكنه قتل قاس مؤلم وقضاء غادر لا تحتمله النفس البشرية، إنه يئدها ويدفنها حية بعد أن يزينها ويحلِّيها ويخلع عليها أجمل الثياب وأغلى المصوغ فيهيئها للموت ويقدمها ضحية على مذبح الظلم والقسوة والأثرة … وإن الأم التي تلبس ابنتها أفخر الثياب وتزينها أجمل الزينة وتسلمها للوالد الوحش لَتعلم مصير ابنتها، وإنها لتودعها في سكون وخضوع كما تودع أم المحكوم عليه بالإعدام دون أن تخبره أن منيته قد دنت خوفًا عليه من خوف الموت الذي سيلاقيه بعد ساعات، فهذه الأم العربية تسلم بنتها وفلذة كبدها، والبنت تجهل مصير نفسها وقد تكون على أشد ما تكون من الفرح بالزينة والشباب، وهي لا تقرأ في عين أمها صورة شبح الموت الذي سيلقاها بعد برهة قصيرة، فتترك الخيام وتسير آمنة إلى أخدود مهيأ، فيوردها والدها مورد حتفها ويدفنها حية ويخمد أنفاسها قبل الأوان، تلك الأنفاس التي قد يطول ترددها قبل أن تصعد الروح إلى بارئها.

هذه صورة من صور القسوة في حياة الجاهلية وصفحة سوداء من صحفها السود، فلا عجب إذا كان الجوع وخوف الجوع الذي يفرق بين الولد ووالده هو نفسه الذي يدفع بالبدوي إلى الهجرة والارتحال وترك الوطن.

غير أن هذا البدوي الذي ينزح ويحتك بإحدى الحضارات المجاورة له، بعد أن ييأس من التنقل في الجزيرة نفسها، قد يتغلب عليها بالحرب والغزو كما فعل العرب في مصر قبل مينا وكان الملك مينا نفسه من الساميين، وقد يكون البدوي مسالمًا فيتغلب على الأمة القوية المتحضرة المتيقظة بسلاح أقوى من سلاح الحرب وهو سلاح الاندماج.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.