في مصر أزمة وزارية؟ قال بعض الصحفيين: نعم. وقال رئيس الوزراء: لا. وكلا الجوابين صحيح فيما يظهر، فطبيعة الأشياء تقتضي أن تكون في مصر أزمة وزارية، وأن تمتد هذه الأزمة وتشتد حتى تنفرج باستقالة الوزارة وتفرق أعضائها، وانصراف كل منهم إلى أعماله الخاصة يديرها كما يشتهي، بعد أن أخفقوا في تدبير الأعمال العامة إخفاقًا لا يكفي أن يوصف بأنه شنيع، بل يجب أن يوصف بأنه مهين لمصر مسيء لسمعتها، غاضٌّ من قدرها أمام المواطنين وأمام الأجانب على السواء، فوزارتهم قد أخفقت فيما زعمت أنها ستظفر به بعد أيام من تحقيق الجلاء ووحدة وادي النيل.

وهي لم تكتفِ بهذا الإخفاق إذ أضافت إليه شيئًا آخر لعله أن يكون شرًّا من الإخفاق، فأفسدت الروح الوطني، وعلقت حياة المصريين بهذا السخف الذي يقال له المفاوضات، حتى أصبح همُّ الصحفيين إذا كتبوا، وهمُّ الساسة إذا التقوا، وهمُّ أوساط الناس إذا تحدث بعضهم إلى بعض — أن يعيدوا هذا الكلام الفارغ، وأن يضيفوا إليه كلامًا فارغًا آخر يبتكرونه من عند أنفسهم ابتكارًا. يقول بعضهم لبعض: هل قرأت أن رئيس الوزراء زار المفاوض البريطاني؟ أو تحدث إلى سفيرنا في لندرة بالتليفون؟ أو استقبل وزير الخارجية؟ أو استقبل هذا المفاوض المصري أو ذاك؟ وهل قرأت أن مقابلته لهذا الإنجليزي قد اتصلت كذا دقيقة وكذا ثانية؟ وهل قرأت أنه خرج من هذه المقابلة أو كان يعد هذه المقابلة باسم الثغر أو منقبض الوجه؟ وهل قرأت أن رئيس الوزراء متفائل؟ وأن هذا المفاوض المصري متشائم؟ وأن هذا المفاوض الآخر بين بين؟ وأن هذا المفاوض الثالث لا يرى أن في الأمر ما يدعو إلى التفاؤل أو إلى التشاؤم؟ ثم يكون الأخذ والرد ثم التحليل والتعليل، ثم يكون التفسير والتأويل. ثم يمضي المصريون في هذا السخف المتصل دائمًا؛ أصابتهم جميعًا هذه الحمى التي تدفع المريض إلى الخطرفة والهذيان. وكذلك أرادت الظروف أن تشغل الطبقة المثقفة المصرية كلها مصبحة وممسية ببضعة عشر رجلًا لم يكن أحد يفكر فيهم أو يذكرهم إلا قليلًا، فأصبحوا الشغل الشاغل لطبقة المثقفين، والهم المقيم على قلوب المصريين، لا يقول أحدهم كلمة ولا يأتي أحدهم حركة إلا شغل الناس بها، وذهبوا في تأويلها وتفسيرها المذاهب. والإنجليز يراقبون فيظهرون الجِد ويخفون الهزل، تعبس وجوههم وتضحك قلوبهم، ويسجل ساستهم أنهم قد نجحوا كل النجاح، فشغلوا المصريين بفريق منهم عن القضية المصرية كلها، ثم هم يفزعون بعد ذلك لهذا الفريق، فيداورونه ويناورونه ويداعبونه ويلاعبونه حتى يظفروا منه بالموافقة على إنشاء «الشركة» التي كان يحلم بها المستر بيفن، وبالموافقة على تأجيل المفاوضة المفصلة في أمر السودان، حتى إذا ظفروا منهم بما أرادوا طووا عنهم كشحًا، وصدوا عنهم صدودًا، ورفضوا منهم ما لم يكونوا يحلمون بالحصول عليه، ووقفوهم موقف المتهالك المستجدي، ووقفوا الشعب من ورائهم موقف المتلهف المستجدي.

بهذا كله ظفر الوزراء، وبهذا كله ظفر شركاؤهم في المفاوضات، ولو كان هذا الأمر في بلد تجري فيه أمور السياسة على الأوضاع الديمقراطية الصحيحة، لما ألفت وزارة صدقي باشا، فضلًا عن أن تنشئ وفدًا للمفاوضات، وفضلًا عن أن تأخذ في هذه المفاوضات بالفعل، وفضلًا عن أن تنتهي بها إلى هذا المأزق المهين. فإذا قال بعض الناس: إن في مصر أزمة وزارية فهم صادقون؛ لأن الأزمة قائمة منذ نهض صدقي باشا بأعباء الحكم، ولأن أمور المفاوضات لم تزدها إلا شدة وتعقيدًا، ولأن الأوضاع الديمقراطية تقتضي ألا يمضي الشعب في طريق وتمضي الحكومة والبرلمان في طريق آخر. وإذا قال رئيس الوزراء أن ليس في مصر أزمة وزارية فهو صادق؛ لأنه ما زال ناهضًا بأعباء الحكم، وما زال ينتظر أن يتفضل الإنجليز عليه بالرد، وما زال يأمر وينهي ويولي ويعزل ويصرف أمور الشعب كما يريد.

وليست شئون مصر هي المفاوضات وحدها، ولكنَّ لمصر شئونًا أخرى داخلية ليست أقل خطرًا ولا أهون شأنًا من المفاوضات، وقد أخفقت الوزارة في تدبيرها إخفاقًا بشعًا مخذيًا، فلم يختل الأمن حتى في أيام النقراشي باشا كما اختل في هذه الأيام، فالجرائم تقترف جهرة في كثرة مروعة، والنفوس تزهق في النهار المبصر وفي الأحياء المأهولة من المدن، وقد أصبحت أرض مصر تنبت القنابل كما تنبت الحَبَّ، وأصبحت سماء مصر تنزل الموت كما تنزل الغيث. فلو جرت أمور مصر على الأوضاع الديمقراطية الصحيحة لفقدت الوزارة ثقة البرلمان، واضطرت إلى أن تستقيل، ولكن البرلمان محتاج إلى ثقة الوزارة ليأمن الحل والتعطيل، بل ليأمن إلغاء الدستور. فإذا قال بعض الناس: إن في مصر أزمة وزارية فهم صادقون؛ لأن شروط الأزمة متوفرة كاملة. وإذا قال رئيس الوزراء: إن الأزمة وهم صحفي فهو صادق؛ لأنه ما زال ناهضًا بأعباء الحكم يصرف أمور مصر كما يشتهي! وفي مصر فقر يجب أن يدفع شره عن الفقراء، وجهل يجب أن يدفع شره عن الجهلاء، ومرض يجب أن يدفع شره عن المرضى، وإنما تقام الحكومات في البلاد الديمقراطية لحماية الشعب من هذه الأوبئة، وقد أخفقت الوزارة في هذا إخفاقًا مزريًا مذلًّا. ضحكت على العقول فألفت مجلسًا يجتمع ويفترق، ويبدئ ويعيد، ويذيع في الصحف ما يشاء، ويطوي عنها ما يشاء. والفقراء يصرعهم الفقر في كل يوم، والجهلاء تتكاثف أمامهم ظلمات الجهل في كل يوم، ويصدون عن المدارس صدًّا، والمرضى يشقون بالألم وتسلمهم العلة إلى الموت، ومجلس الحرب للأعداء الثلاثة يجتمع ويفترق، وصدقي باشا راضٍ عن زملائه وعن نفسه، وزملاؤه راضون عنه وعن أنفسهم.

فإذا قال بعض الناس: إن في مصر أزمة وزارية فهم صادقون؛ لأن إخفاق الوزارة في حماية الشعب من هؤلاء الأعداء الثلاثة يكفي لإسقاطها. وإذا قال رئيس الوزراء: إن الأزمة بنت الخيال فهو صادق؛ لأنه ما زال ناهضًا بأعباء الحكم، يصرف الأمن في مصر على ما يهوى!

وقد حدثني جماعة من الشيوخ المحترمين بأن البرلمان قد أقر فيما أقر حين وافق على ميزانية الدولة تسعة آلاف من الجنيهات؛ لإنشاء غرفات أربع أو حجرات أربع أو حظائر أربع لا أدري، فأنت تستطيع أن تسميها ما شئت من الأسماء، ولكنها لا تنشأ لإيواء الناس، وإنما تنشأ لإيواء الكلاب، نعم لإيواء الكلاب! كلاب الشرطة يا سيدي التي تقوم على استكشاف المجرمين بعد اقتراف الجرائم، وعلى معونة الشرطة في حماية الأمن ووقاية النظام.

كلاب أربعة تنشأ لكل واحد منها دار تكلف الدولة أكثر من ألفي جنيه، فما ينبغي أن تشكو كلاب الشرطة حرًّا ولا بردًا ولا رطوبة!

وما ينبغي أن تضيق بها الدار أثناء النهار، ولا أن تُقَضَّ مضاجعها حين تنام أثناء الليل؛ لأن صلاحها ورضاها وترفها، كل ذلك ضروري لحماية الأمن ووقاية النظام. فأما الذين ينتجون ويستثمرون ويتيحون للدولة ما تعيش به من الضرائب، فليس عليهم بأس أن يصيبهم البرد أو الحر، وليس عليهم بأس أن يناموا تحت السقوف أو تحت السماء.

وما ينبغي أن يخوفنا صدقي باشا وزملاؤه وأعوانهم بأن في مثل هذا الحديث خطرًا على النظام الاجتماعي أو دعوة إلى الشيوعية، فما نعلم أن الكلاب طبقة اجتماعية لا ينبغي أن تهاجم حتى ولو كانت كلاب الشرطة أو شرطة الكلاب. وإنما الذي نعلمه أن سياسة صدقي باشا وزملائه وأعوانهم هي الخطر كل الخطر على النظام الاجتماعي الذي يريد صدقي باشا أن يحميه؛ لأنها سياسة تشيع اليأس في القلوب وتملأ الصدور ضيقًا وحرجًا، وتشكك الشعب فيما يريد به القادة والساسة، وتلقي في رُوع المحرومين أنهم أهون على الوزارة وأهون على البرلمان من كلاب الشرطة أو شرطة الكلاب.

وما دمنا قد وصلنا إلى النظام الاجتماعي الذي يجب أن يُحمى من كل شر، ويصان من كل عدوان، فقد نظن أن صدقي باشا وزملاءه قرءوا ما نشرته الجريدة الإنجليزية الكبرى ذات الصوت المسموع وذات الانتشار والذيوع؛ جريدة المانشستر جارديان، فهي خائفة على الإنجليز أن يُحمِّلهم الشعب المصري تَبعة هذه الحركة التي أثيرت في مصر لمقاومة الشيوعية، وتبعة ما قدم إلى البرلمان من تشريع لتنظيم هذه المقاومة، وهي تحذر الإنجليز من مهارة صدقي باشا وبراعته في انتهاز الفرص، كما تحذرهم من احتمال هذه التبعة من قريب أو من بعيد. وأحب أن أقول لصدقي باشا ولزملائه الأحرار: إن الذي نشر في الصحيفة الإنجليزية قليل بالقياس إلى ما نشر في الصحف الأوروبية الأخرى.

فجريدة الموند الفرنسية مثلًا ترى أن بين بريطانيا العظمى وحكومات الشرق العربي تواطؤًا على مقاومة النفوذ الروسي، وأن السبيل إلى ذلك إنما هي تخويف الأغنياء من الشيوعية، ثم مناهضة هذه الشيوعية بعد ذلك. وليس المهم أن يوجد الخطر الشيوعي أو لا يوجد، وإنما المهم أن يقاوم النفوذ الروسي بالممكن وغير الممكن من وسائل المقاومة.

بذلك تلهج الصحف في فرنسا، وبذلك يتحدث الناس في فرنسا أيضًا، وما يعنيني أن يكون هذا الحديث حقًّا أو باطلًا، وإنما يعنيني أنه يغض من قدر مصر في الخارج، ويسيء إلى سمعتها ويضعها بين الدول الرجعية التي لا تحفل بالحرية ولا تحسب لها حسابًا. فلو أن الأمور تجري في مصر على الأوضاع الديمقراطية الصحيحة؛ لما استطاعت الوزارة التي تسيء إلى سمعة البلاد أن تبقى في الحكم يومًا واحدًا.

فالذين يقولون: إن في مصر أزمة وزارية لا يخطئون؛ لأن الوزارة القائمة أزمة كلها. ورئيس الوزارة لا يخطئ حين يقول: إن هذه الأزمة ليست إلا خيالًا؛ لأنه ما زال ناهضًا بأعباء الحكم يصرف شئون مصر كما يحب هو لا كما تحب مصر. وكذلك نستطيع أن نجمع بين النقيض، فنقول مع القائلين: إن في مصر أزمة وزارية، بل أزمة ديمقراطية. ونقول مع صدقي باشا: إن الوزارة القائمة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن. وأي غرابة في ذلك؟ وهل تظن أن المتنبي أخطأ أو تجاوز الحق في بيته المشهور:

وكم ذا بمصر من المضحكات

ولكنه ضحك كالبكا؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.