… أرجو أن تسمحوا لي بالالتجاء إليكم طالبًا الجواب الشافي عن هذا السؤال الذي ظل يحيرني وقتًا طويلًا؛ وهو: هل الخطأ المشهور خير من الصحيح المهجور؟ وهل ينطبق هذا القول على التاريخ كما ينطبق على اللغة؟ … أما الخطأ المشهور فهو المُدوَّن بكتب التاريخ من أن المعز لدين الله الخليفة الفاطمي، بعد أن شيد عاصمة جديدة لملكه، علَّق أجراسًا على الحبال فحركها غرابٌ، وفهم البناءون أن دق الأجراس إيذان بابتداء البناء، وكان الطالع في تلك الساعة للمريخ أو القاهرة — كما يسمى عند الفلكيين الأقدمين — فسُميت القاهرة لذلك … أما الصحيح المهجور، فهو أن القاهرة اسم قديم، وأصله كلمتا «كاهي» و«راه»، ومعناها أرض را أو رع إله الشمس، ويقرب منه اسم هليوبوليس باليونانية إلى مدينة الشمس … فهل الأقرب إلى الصواب والعقل أن نقول: إن القاهرة أصلها «كاهيرا»، أو أن نتخيل قصة لا سند لها من التاريخ الصحيح أو علم الفلك؟ …

دكتور فؤاد واصف، شبرا

… من أخبار التاريخ المحققة أن الفاطميين كانوا يدرسون النجوم، ويرصدون الطوالع، ويعنون — من خلفائهم إلى دعاتهم ومريديهم — بتعلم الفلك ومراقبة الأبراج السماوية قبل الإقدام على عمل من أعمال الفتح والتأسيس، وفي إحدى سهرات الحاكم بأمر الله إلى جبل المقطم لرصد الكواكب حدثت وفاته التي لا يُعرف سببُها على التحقيق، ومن ولعه برصد الكواكب والتهجد للعبادة كان يأمر تجار القاهرة بفتح الدكاكين بالليل، وإغلاقها بالنهار، ويختار للسهرات العامة ليالي الطوالع، كما يتنبأ بها في أرصاد التنجيم.

فمن المُستبعد جدًّا أن يُؤسِّس المعزُّ لدين الله مدينة كبيرة يتخذها عاصمةً لملكه دون أن يستطلع لها طالعها الذي يتفاءل به لانتصاره وثبات دولته، وليس أوفق لهذا التفاؤل من طالع المريخ، وهو طالع الحرب والظفر في حساب التنجيم القديم، ولقبه «القاهر» عند أصحاب ذلك الحساب.

أما قصة الغراب ووقوعه على الحبال، فهي على ما نعتقد خرافة لا تعقل، كما فصلنا ذلك في كتابنا عن «فاطمة الزهراء والفاطميين»؛ لأن القصة بذاتها رويت عن بناء الإسكندرية؛ ولأن النجوم ترصد ليلًا، والغربان لا تطير بالليل، ولو طارت ليلًا أو نهارًا لما كانت وقفة غراب على أحد الحبال كافية لدق الأجراس على جميع الأسوار.

ولو كانت الأجراس تُدَقُّ بهذه السهولة لدُقَّت قبل وقوع الغراب على الحبل لأسباب كثيرة تُحرِّك الحبال كما تحركها هزة الغراب، ولو كان تحقيق الرصد مبنيًّا على العلم — لا على الرؤية — لأمكن ابتداء التأسيس في ساعة معلومة بغير حاجة إلى الأجراس … ثم من قال: إنه غراب وهو مجهول؟ وكيف عرفوه والمظنون أن المهندسين هم الذين حرَّكوا الحبال؟ ولِمَ لا يكون طيرًا آخر أو جملة من الطير؟

فلا ريب عندنا في صبغة القصة الخرافية، ولا نرى أن علماء الفاطميين كان يعوزهم الرصد الذي يعرفون به طالع الفلك؛ ليختاروا الساعة المفضلة عندهم لتأسيس المدينة وابتداء أعمال التأسيس كلها في لحظة واحدة، إذا صح اختيارهم لوقت معلوم.

أما تسمية القاهرة باسم فرعوني قديم، فلا يكفي للقول به تشابه اللفظ على التقريب؛ لأن هذا التشابه كان على الدوام حجة من الحجج التي استند إليها المؤرخون المولعون بنقل الأسماء والأعلام إلى لغاتهم بغير دليل غير توافق الحروف، وقد استند إلى مثل هذا التشابه من قالوا: إن «ترفلجار» أصلها الطرف الأغر، وإن شكسبير أصلها الشيخ زبير، وإن الفِريد أصلها الفَريد، وقسْ على ذلك مئات المشابهات في جميع اللغات.

وإنما يثبت أصل الكلمة القديم إذا ثبت أن الفاطميين كانوا يعرفون اللغة الهيروغليفية، وثبت قبل ذلك أن اسم «كاهيرا» كان يطلق على مدينة في الموقع، وأن العارفين به كان لهم رأيهم في تسمية عاصمة الفاطميين بالاسم الذي عرفوه، وظلت مشورتهم على ولاة الأمر مجهولة بعد البناء كما ظل هذا الاسم مجهولًا قبل البناء من أقدم عصور التاريخ.

وقد لوحظت مشابهة لفظية كهذه في تسمية «مصر» كما أشرنا إلى ذلك في تاريخ عمرو بن العاص؛ فقد كانت مصر في الزمن القديم معروفة بين أهلها باسم كيم أو خيم، بياء ينطقونها ممالة بين الياء والألف، ويتوهم بعضهم أنها مأخوذة من كلمة خام أو حام بن نوح، على اعتبار المصريين سلالة حامية قديمة. وهو من الأوهام التي لا سند لها من التاريخ ولا من الآثار الباقية؛ لأن معنى الكلمة قديم في اللغة المصرية بمعنى الأرض السوداء، ومنها أخذ اليونان كلمة الكيمياء حين كان علم الكيمياء يُسمَّى بالعلم الأسود، أو السحر الأسود؛ لأنه من العلوم الخفية التي يُستعان عليها بالأرواح الشريرة في رأي الأقدمين.

ولم يبق من أسماء مصر القديمة في العصر الحاضر غير اسمين اثنين: أحدهما اسم «إيجبت»، الذي أخذه الغربيون عن اليونان، ويقال: إن أصله «كي بتاه»، أي أرض بتاح أو فتاح، لقُرب نطق الفاء من الباء في اللغة اليونانية.

أما الاسم الآخر فهو اسمها المشهور في اللغة العربية، ويستند بعضهم إلى المشابهة اللفظية فيقول: إن مصر مأخوذة من اسم شهر «مسرى»؛ لأنه شهر النيل وشهر الفيضان، ويقول غيرهم: إنها منحوتة من ثلاث كلمات بمعنى بلد أبناء الشمس، وهي «ما» بمعنى موضع، و«سي» بمعنى ابن، و«را» اسم «رع» أو الشمس كما هو معلوم.

وليس لهذا القول ولا لما تقدمه سند ثابت غير هذه المشابهات التي نرى أنها تختلف باختلاف المفسرين، ومثلها في هذه التفسيرات أسباب التسمية باللغة العبرية؛ إذ يقولون: إن البلد منسوب إلى أوَّل ملوكه «مصرايم»، ويظنون أن «مصرايم» هو اسم العلم المشهور، وهو بالعبرية مثنى مصر؛ لأنهم يثنون الاسم بالياء والميم كما نثنيه في العربية بالياء والنون.

فلا يزال الصواب المشهور إذن هو نسبة القاهرة على الرواية المشهورة إلى النجم القاهر، ولو تحقق أنه خطأ شائع لما كان في الأمر إشكال يدعو إلى التفكير في تغليب الخطأ أو تغليب الصواب؛ إذ يبقى اسم القاهرة ولا يتغير لفظه على الألسنة كما تتغير أخطاء اللغة بوضع اللفظ الصائب المهجور موضع اللفظ الشائع على خطئه، وكل ما يتغير عند تصحيح التاريخ — بعد ثبوت صحته — أن يذكر تفسيره الصحيح بدلًا من تفسيره المعدول عنه، ولا بدَّ قبل التغيير من ثبوت الصواب وثبوت الخطأ. ولا يزال كلاهما في التاريخ بمكانه الذي استقر فيه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.