صدرت في هذه الأيام أحكام زاجرة في قضايا الشيوعية.

نقول إنها زاجرة ولا نقول صارمةً؛ فليس في وسع القانون أن يكون صارمًا في عقاب الدعوة إلى الشيوعية؛ لأن الشيوعية جريمة في عرف القانون، ولكنها أكثر من جريمة في عرف العقل والواقع.

إذ هي الأساس الذي يقوم عليه تسويغ جميع الجرائم واستباحة جميع الرذائل والخروج على جميع الآداب والمعتقدات.

فليست الآداب والفضائل في عرف الشيوعيين مزايا إنسانيةً مستفادةً من تجارب بني الإنسان في تاريخهم الطويل.

ولكنها هي «المصطلحات» التي اتفق عليها نظام رأس المال لخدمة مآربه وضمان منافعه وتوطيد قواعده واستبقاء سلطانه.

ومن واجب الشيوعيين أن ينتهكوها جميعًا؛ لأن الشيوعية لا تقوم لها قائمة ما بقي للمجتمعات الحاضرة ركن قائم.

يجب في عرفهم «تمزيق» كل مجتمع، واستباحة كل ممنوع، وابتذال كل قداسة، والاستخفاف بكل عرف تواضع عليه الناس منذ أقدم عصورهم إلى اليوم.

وهم صريحون في ذلك صراحة لا تحوج أحدًا إلى التفسير والاستنباط.

فالشيوعية في دعوة ماركس وإنجلز، ثم في دعوة لينين وأتباعه؛ هي هدم المجتمع وتمزيق أوصاله واستباحة جميع محرماته، وهي في النهاية لا تتحقق بالسلم والإقناع، بل لا بد لتحقيقها من العنف والتخريب وسفك الدماء.

فمن سماحة الديمقراطية أن تعاقب الدعوة إلى الشيوعية، كأنها جريمة كتلك الجرائم التي تخالف هذا النص أو ذاك من نصوص القانون؛ لأنها في حقيقتها سلب لمعنى القانون كله، وإيجاب للإجرام بجميع أنواعه، وليس قصاراها أنها تسويغ لذلك الإجرام.

وليس في وسع القانون كما أسلفنا أن يكون صارمًا في عقاب الدعوة إلى هذه الكارثة الجهنمية؛ لأن سجن فرد أو جماعة من الأفراد بضع سنوات أحرى أن يسمى وقاية من وقايات الحيطة للمجتمع بإقصاء هؤلاء المفسدين عنه، ولا يمكن أن يقال إن هذا السجن هو غاية ما يستحقونه من عقاب على جريمة تهدم كل ما بنته الحضارة الإنسانية منذ أقدم العصور.

***

على أن الشيوعيين آخر من يحق لهم أن يستكثروا عقوبة السجن كثرت أو قلت أيامه.

لأنهم — إذا نجحت دعوتهم — لم يكن عالمهم الذي يبشرون به غير سجن يتقيد فيه الناس بقيود السجون جميعًا، أو بما هو شر من قيود السجون؛ لأنها قيود ليس لها انتهاء ولن يخلو منها مكان.

فما هو العالم الذي يريدونه للبشرية إذا نجحوا؟

عالمهم إذا نجحوا وأفلحوا هو العالم الذي يأكل فيه الإنسان ببطاقة ويسكن ببطاقة ويزاول حرفته ببطاقة، ويعرف كفاءته للعمل ببطاقة، ويظل محكومًا عليه أن يشتغل ويتبطل ويفكر ويشعر ويعتقد كما يريده مدير السجن أو مديروه.

أليس هذا هو عالم الشيوعية إذا أفلح الشيوعيون؟ فما بالك بعالمهم الموعود إذا أخفقوا فيه ولم يحققوا به كل ما قصدوه؟

***

فالسجن جزاء حق لهؤلاء الذين يسوقون العالم إلى سجن لا منطلق منه ولا حرية لأحد من الناس فيه، والعقاب الزاجر وسيلة من الوسائل الفعالة التي تحارب بها الدعوة إلى الشيوعية، وليس ينفي هذه الحقيقة أن محاربة الشيوعية لا تنحصر في وسيلة واحدة، ولا يكفي فيها مجرد العقاب والتشريع.

نعلم هذا كما يعلمه الذين يبدءون ويعيدون في تكرير هذه العبارة، ولكننا نخالفهم كل المخالفة إذا خطر لهم أن أعمال الإصلاح تكف هؤلاء الدعاة وأمثالهم عن الخطة التي رسموها لأنفسهم وبيتوا النية على المضي فيها إلى غايتها القصوى، وهي تقويض المجتمعات الإنسانية وقلبها سفلًا على علو، ورأسًا على عقب.

فأعمال الإصلاح تهيج هؤلاء الدعاة إلى مضاعفة الجهد وتوسيع نطاق «الحركة» إلى أبعد الحدود.

وما عهدنا لهم في مصر نشاطًا كالنشاط الذي عهدناه لهم أخيرًا في خلال الأسابيع التي تم فيها إقرار الضريبة التصاعدية، وتحسين الخبز، وتيسير الحصول على السكر والبترول وغيرها من ضرورات المعيشة، وتوالت فيها جهود الحكومة في تفريج أزمة المساكن وتخفيف الأعباء عن أصحاب الموارد المحدودة.

فمن الخطأ البعيد أن يظن بدعاة الشيوعية أنهم يرحبون بأعمال الإصلاح، ويكفون عن الدعوة كلما وضع مشروع من مشروعاته موضع التنفيذ.

هؤلاء الدعاة لا تجدي معهم غير وسيلة واحدة هي الرقابة الدائمة والعقوبة الرادعة.

ويجري الإصلاح مع ذلك في مجراه؛ لأنه واجب في كل زمن، لا لأنه وسيلة من وسائل الحيطة لهذه المذاهب التي لا ينقم دعاتها من شيء كما ينقمون من كل إصلاح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.