من الحقائق المسلَّم بها أن لكل فرد من البشر نقاط ضعف لا يخلو منها تكوينه، حتى قيل بصدق: «كفى المرء فخرًا أن تُعَدَّ معايبه.» ولكن الناس يخصُّون العظماء والقادة بنظرة خاصة، كأنهم يطالبونهم وحدهم بالكمال، ويحاسبونهم في ذلك محاسبة يُعْفُون منها الرجلَ العاديَّ، ذلك أنهم — العظماء والقادة — قدوة للآخرين من ناحية، وأننا من ناحية أخرى نعرفهم عادة من خلال مآثرهم الكبيرة، فلا نتصور بعد ذلك أن يصدر عنهم سلوك يتناقض مع تلك المآثر في قوتها وجلالها، ويجيء الواقع مخيبًا لذلك التصور، فيهز الصورة، ويثير ردة فعل عنيفة في الوجدان.

وقد نتسامح مع نقطة ضعف إذا اقتصرت عواقبها على صاحبها، ولكن كيف التسامح مع ضعف قد يؤثر في رسالة القائد نفسها وينال من جلالها، بل قد ينحرف بها عن مقاصدها؟ ولن يعزِّينا في تلك الحال ما نسلِّم به من حقائق عن الطبيعة البشرية وضعفها طالما أن الأمر يتعلق بمصير الجموع، وربما على مدى أجيال متعاقبة، من أجل ذلك تتجلى حكمة الأسلوب الديمقراطي في الحكم كوقاية لشرور لا حصر لها، فعلى حين أن المستبد — بل والمستبد العادل كما يحلم بعض النيام — ينفع الناس بكافة مواهبه، فيطور ويغير ويبني، فهو في الوقت نفسه يؤذيهم بسلبياته ونقاط ضعفه، ورُبَّ خطأ يرتكبه في ساعة غضب أو عند تسلط شهوة — يهدم ما بناه في عمر طويل ويحوله إلى كومة من القش والتراب. أما القائد الديمقراطي فإنه يضع مواهبه في خدمة أمته، وتتكفل الحرية والمعارضة والرأي العام بإنقاذه من شر نفسه، ودفع البلاء عن أمته، وقد مرت بنا ظروف وأحوال، علمتنا دروسًا وعبرًا، وامتحنتنا بآلام وخسائر فادحة، فعلها تكون قد أقنعتنا على جميع المستويات بحكمة الديمقراطية كآخر وسيلة للنجاة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.