يقول القلقشندي: إن الذكورة شرط لِمَن يتصدَّى للكتابة. وأحسب أنكم تناصرون هذا القول لموافقته لرأيكم في كفاءة المرأة بوجه عام، فهل لي أن أسأل عن هذا الشرط بالنسبة لأديبة من أديبات العصر النابغات كالآنسة «مي زيادة» ومن يُضارعها؟

ماهر محمود البقري، آداب الإسكندرية

أيًّا كان الكلام الذي قاله القلقشندي في شروط الكتابة، فينبغي أن نذكر هنا أن الكتابة — كما تشترط في دواوين الإنشاء — هي صناعة غير صناعة التأليف وتحرير المقالات والفصول.

إن الكتابة هنا صناعة كصناعة الوزارة يشترط فيها كل ما كان مشترطًا في الوزير المسئول عن الإدارة العامة أو عن ديوان الخليفة والأمير. وقد كانت الكتابة مساوية للوزارة بهذا المعنى في أُممٍ كثيرةٍ شرقيةٍ أو غربيةٍ، ويُسمى الوزير الإنجليزي إلى اليوم بالسكرتير أو سكرتير الدولة عن الديوان الذي يتولَّاه.

فإذا كان الكلام عن صناعة الكتابة بمعنى التأليف والتحرير، فليس شرط الذكورة لازمًا لهذه الصناعة في رأي القلقشندي ولا في رأي غيره من أدبائنا المتقدمين والمتأخرين، وقد كانت بنات البيوت يتعلَّمن الكتابة والقراءة، ويحفظن الأشعار والأخبار، ويروين ما يرويه ظرفاء المجالس من الطرف والأمثال ومُلَح الحديث والفكاهة، ولم يكن تعليم الكتابة والقراءة محظورًا على البنات بغير حكم العادة والتقليد في عصور الجمود، فقد أوجبه الدين؛ إذ جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وأوجبه العرف المثقف على الذين يحتكمون إلى الذوق السليم في مسائل التربية كما يحتكمون إلى الدين.

ونبوغ الآنسة «مي زيادة» ونظيراتها في كتابتهن دليل على استعداد المرأة للإجادة في أبواب من التأليف والتحرير يقرؤها الرجال كما تقرؤها النساء، وقد ذكرنا غير مرة أن المرأة برعت في فنونٍ من القصة والمقالة الوصفية كما برعت في فنون التمثيل والغناء، وليس من المشترط على كل كاتبةٍ أن ترتفع إلى القمة العليا في بابها أو في أبواب الكتابة على اختلافها، فإذا أحسنت فنًّا من الفنون الأدبية فحقها كحقِّ كلِّ كاتب يُحسنه ولو لم يرتفع إلى القمة العليا التي يُعدُّ المرتفعون إليها بالآحاد بين أصحاب كل صناعة، فإننا نُحرِّم الصناعات جميعًا على الصُّنَّاع من الذكور والإناث إذا اشترطنا فيها التفوق على الآخرين! ومَن هم الآخرون — إذن — ما دام التخلف عن القمة العليا مُحرَّمًا على طالب الكتابة منذ البداية؟

على أن الكاتبات المحسنات باللغة العربية أكثر عددًا من المسيئات منهن إلى صناعة الكتابة … وربما كان لقلة العدد مع حداثة العهد شأنها في هذا الحساب، ولكنه على أية حال شأن يُذكر للمرأة إذا وضعت للكتابة شروطها، وفُتح لها في العصر الحاضر ديوان غير ديوان القلقشندي في صُبح أعشاه.

الانتحار

تغيرت نظرات الناس في بلادنا إلى الانتحار في الجيلين الأخيرين، وقد كان الانتحار — كما لا يَخْفى — آفةً قديمة عرفها الأقدمون قبل أيام هذه الحضارة الأوروبية، ولكنهم فوجئوا بأخباره في الصحف بعد ظهور الصحافة عندنا، فكانت لهم فيه آراء طارئة غير متأثرة بالتقاليد الموروثة في القصور الخالية.

نظروا إليه «أولًا» كأنه ضرب من الشجاعة؛ لأنه إقدام على الموت.

ونظروا إليه بعد ذلك نظرةً أصحَّ وأسلمَ من هذه النظرة، فأخذوا بأقوال الناصحين والوعَّاظ أنه ضربٌ من الجبن؛ لأنه هرب من معركة الحياة.

ونظروا إليه كأنه نوع من الاحتجاج والتحدي، وكأنه نوع من الخجل والاعتذار، ولم تخلُ إحدى هذه النظرات من شعور الاستخفاف بالحياة، وبالوازع الذي يَنهى عن الانتحار؛ لأن هذا الشعور لا ينفصل عن عملٍ يائسٍ يسوق صاحبه إلى قِلة الاكتراث بحياته وقِلة الاكتراث بما ينهاه عن العدوان عليها.

ولسنا نعتقد أن الناشئة المساكين الذين تساورهم هذه الفكرة أحسن ظنًّا بالمنتحر من أندادهم قبل عشرين أو ثلاثين سنة، ولكننا نحتاج إلى معلومات كثيرة لتقدير هذه الحالة النفسية بين الجيلين، ونحسُّ أن هذه المعلومات ناقصة في سجلاتنا الاجتماعية بالقياس إلى أمثالها في الأمم الأوروبية والأمريكية، فلا ندري من أي فريق من أصحاب الأمزجة المختلفة يكون الناشئ الذي تغلبه هذه الآفة بين زملائه المتغلبين عليها!

هل هو مِن المجتهدين؟

هل هو مِن المتدينين؟

هل له تربية عريقة في عُرف العائلات؟

هل هو من المعرَّضِين للأمراض العصابية؟

وهل لمتاعب البيت في أسرته علاقة بأزماته النفسية؟

إن الإحصاءات في الأمم الأوروبية والأمريكية تُعنَى بجيمع هذه التفصيلات، وقد تُعِين على البحث في أسباب الوقاية التي تخصُّ المعرَّضين لهذه الآفة أو تعم المجتمع كله في أزماته النفسية وعوارضه الباطنة، وهي متشابهة متشابكة بين أبناء الحضارة الحديثة.

ونحسب أن نظام الامتحان الذي يجري به العمل الآن قد أراح الطلبة من كثير من عوائق الإعادة وبواعث القنوط والإشفاق من ضياع الفرصة في أوانها، ولا نكاد نرى بقية من التعديل تخفِّف من هذا النظام فوق ما تلاحق عليه من تعديلات السنين الماضية، إلا إذا صحَّ قولُ القائلين إن موسم الشتاء أرفق بأعصاب الطلبة الممتحنين من موسم الصيف، وإن تغيير هذا الموسم أمر مستطاع لا ضير فيه على مناهج التدريس ولا على الدارسين والمدرسين.

ولكن نُظم الامتحانات والتصحيحات مهما يكن من أثرها في التخفيف والتهوين لا تُغني آخر الأمر عن التعبئة الأخلاقية في كل شِدة وكل حرج: تعبئة أخلاقية تزود الناشئين بعزيمة تثبت لكل محنة وطاقة على خلق الأمل لا تتعلق بنجاح واحد ولا تعيش على أمنية واحدة؛ بل تخلق لنفسها النجاح الذي هي قادرة عليه، والبديل الذي يعوِّضها من كل مفقود، وليس بالعسير توليد هذه الطاقة في نفوس الناشئين بعد ذهاب الزمن الذي كان يقدس «الوظيفة» ويقدِّس معها علامة «الميري» فوق كل بضاعة: وبضاعات القلوب والنفوس قبل بضاعات الدكاكين والدواوين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.