… قرأت المقطوعات الجميلة التي اخترتموها من ديوان الشاعر الأمريكي الذي مات أخيرًا «روبرت فروست»، ووددت لو عدتم إلى اختيار مقطوعات أخرى في بعض المناسبات. واسمحوا لي الآن أن أوجه إليكم سؤالين:

أولهما: ما هو المقصود بقول الشاعر في خطابه إلى النجم: «ولتكن جادة حازمة كجِدِّ النجم الراهب في قصيدة كيتس؟»

والسؤال الثاني موجه إليكم خاصة؛ لأنكم ترجمتم شعر روبرت فروست منثورًا غير منظوم، فلماذا ترفضون الشعر الحر إذا استطعنا أن نشعر بهذه المعاني «الشعرية» العاطفية كلها في كلام غير منظوم؟

محب للشعرين

إن عبارة النجم الراهب قد وردت في مقطوعة للشاعر الإنجليزية جون كيتس من آيات الشعر الغنائي — الغربي — في آداب اللغات الأوروبية جميعًا، وهي المقطوعة التي نظمها في رحلته من بلده إلى الشواطئ الإيطالية الدافئة للاستشفاء من مرضه المميت، وقد أحس اليأس من شفائه في جو بلاده واحتواه وسفينته الظلام قبل عبوره إلى شاطئ القارة القريب، فنظر إلى أسطع نجوم السماء بين السحب وهو يائس من رؤيته مرة ثانية في مكانه، وخاطبه قائلًا:

أيها النجم المتألق في سمائه!

وددت لو كنت مثلك في ثباتك

لا في وحدتك الرفيعة على كاهل الظلماء مفتوح الجفنين أبدًا، يقظان العينين على الدوام

كأنك راهب الطبيعة الحارس ترقب الأمواج في ترتيل كترتيل المسبحين بالصلاة

متطهرين بوضوئهم الخالد حول شطآن هذا العالم المعمور

أو محدقًا على ذلك القناع القشيب من الثلج المتطاير فوق رءوس الجبال ووجوه الغدران.

كلا، بل ثابتًا كثباتك ولكن على صدر الحبيب الذي استدار في بواكيره

أحس على الدوام موجته اللطيفة مع الأنفاس

يقظان على الدوام في قلق عذب مريح

ساكنًا، ساكنًا، مصغيا

مصغيًا إلى خفقاته في موجه الرتيب

عائشًا هكذا إلى الأبد

أو ذاهبًا في غيبوبة تتسرب إلى عالم الغيب.

***

وهذه المقطوعة من أخريات شعر كيتس الذي بلغ القمة بين الشعراء الغنائيين في الغرب كله، ومات وهو دون السابعة والعشرين. وكانت إجادته التي جهلها النقاد «المحترفون» إحدى العبر البالغة في تواريخ الأدب؛ لما فيها من الدلالة على المرجع الوحيد لتمييز الشعر الجيد في كل زمن: وهو مرجع القراء النقاد «غير المحترفين» ممن لا يدَّعون دعوى الاحتراف ولا يغترون غرورهم باحتكار الذوق والفهم والشعور. وقد سمي كيتس «بصريع النقاد» ولكنه لم يلقَ مصرعه حتى كان شعره مقياسًا جديدًا لصدق العاطفة وجمال الأسلوب.

أما السؤال عن «الشعر» المنثور كما وجهه إلينا «محب الشعرين» المتنكر فهو مردود إليه وهو أولى بجوابه.

ولنا، بل علينا أن نسأله: إذا كان الوزن يسمح بالتعبير عن هذه المعاني والألفاظ فلماذا نلغيه؟ ولماذا نخسر موسيقاه التي تزيده جمالًا على جمال؟ وما الذي يبقى من كيان الشعر كله إذا احتواه النثر بلفظه ومعناه كما احتواه بتركيبه ومبناه؟

ونود أن يفهم صاحبنا أننا لا نكره الكلام المنثور في معانيه العاطفية الوجدانية، ولكننا نعجب للذين يكرهون النثر هذه الكراهية فلا يطيقون أن يحسب كلامهم من المنثور الجميل، ولا يزالون مصرين على إلغاء الشعر المنظوم وتحريمه على من يستطيعونه ولا يشكون صعوبته واستقلاله بكيانه.

وأعجب من ذلك أن يصروا على هدم الشعر وهم يزعمون أنهم قادرون عليه لا يعجزون عن نظمه، وليس في وسعهم أن ينكروا أن النظم فن جميل وأن ألوف الألوف من أبيات الشعر البليغ في تراثنا الخالد قائمة عليه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.