وكنا قد حفظنا في متن من المتون، في الجريدة أو في الجوهرة، بيتًا لم ننسه وإن طغى النسيان على كثير مما حفظنا؛ لأن هذا البيت قد شاع وانطلقت به الألسنة في البيئات الأزهرية، كما انطلقت به الألسنة في القرى وأسمار الريف وهو:

واثبتن للأولياء الكرامة

ومن نفاها فانبذن كلامه

ولم أكن فكرت قط في أن أنفي كرامة الأولياء، أو أشك فيها، وإنما كنت أصدق ما يقص علي من أخبارها وأعاجيبها. وكثيرًا ما كنت ألتمس هذه الأخبار والأعاجيب؛ لأني أجد لذة في قراءتها والتحدث بها، والاستماع لها، ولكني كنت أنتظر أن أشهد منها واحدة، لا شكًّا ولا ريبًا، ولكن ليطمئن قلبي. وقد أذن اللَّه في أن يظهر لي أن أشهد هذه الكرامة، وأن يصبح إيماني بها قويًّا متينًا، كإيماني بأن شيخ الأزهر هو شيخ الأزهر!

وكان شيخ الأزهر نفسه علة هذه الكرامة الجديدة، والباعث على ظهورها وإشراق نورها. فقد أمر منذ أسبوعين أن يصادر كتاب البغدادي غيرة على أبي حنيفة رحمه اللَّه، وذودًا عن المذهب الرسمي للدولة في الفقه. فلم تكد تمضي على هذا الأمر وتنفيذه ليلة، وتتبعها ليلة، حتى غير الشيخ أمره تغييرًا، وبدل حكمه تبديلًا، وأذن بأن يذاع الكتاب، إلا ما كان منه نقدًا لأبي حنيفة رحمه اللَّه. ثم مضت أيام تبعتها أيام، وليالٍ تبعتها ليالٍ، وإذا نحن نسمع اليوم قومًا يهمسون، ولكنهم يؤكدون، أن الشيخ قد ألغى قضاءه إلغاءً، ومحا رأيه محوًا، وأذن في أن يذاع الكتاب كما تركه صاحبه، لا يصيبه مسخ ولا نسخ، ولا يحذف منه قليل ولا كثير. وقد خفت غيرة الشيخ على أبي حنيفة رحمه اللَّه، وهدأت حدته في الذود عن المذهب الرسمي للدولة. فاكتفى بأن يتفق مع الناشر على طبع كتاب قديم، فيه دفاع عن الإمام الأعظم ومذهبه. ومن المحقق أن رجوع الشيخ عن مصادرة الكتاب كله، بعد أن أمر بها، وأذعنت لأمره إدارة الأمن العام، ثم رجوعه عن مسخ الكتاب وتشويهه بعد أن أمر به، وأذعن الناشر لأمره، وأذاعت إدارة الأمن العام هذا الأمر وهذا الإذعان في بلاغ رسمي، كل هذا من الظواهر الغريبة الخارقة كما جرت به العادة في الحكومات والمصالح الرسمية. ذلك أن الحكومة إذا أمرت، فليس من شأنها أن ترجع فيما أمرت به، حتى ولو تحققت أنها قد جارت عن القصد، وتجاوزت العدل فيما أصدرت من أمر؛ لأن هيبتها أعز عليها من العدل، وهي تحرص على خوف الناس منها أكثر مما تحرص على حبهم لها، وهي تقدر أن الرجوع عن الأمر بعد إصداره، يزعزع هيبتها في نفوس الناس، ويحملهم على أن يتساءلوا: أجادة هي أم هازلة؟ مستقلة هي في أحكامها وأعمالها، أم خاضعة ليد تحركها من وراء ستار؟

غريب إذن أن يعدل الشيخ، وتعدل معه إدارة الأمن العام، عن مصادرة كتاب البغدادي كله أو بعضه. وقد اختلف الناس في تأويل هذه الظاهرة الغريبة. فأما الكُتَّاب والصحفيون الذين أنكروا على الشيخ والحكومة هذا الجور، فقد زعموا — وويل للناس من الغرور — أن أقلامهم قد استردت هيبتها القديمة، وسطوتها الماضية، وأصبحت تخيف الشيخ وغير الشيخ من رجال السياسة ورجال الدين. وزعموا — وويل الناس من الغرور — أن الشيخ وإدارة الأمن العام، قد فزعا لحملتهم، وأشفقا أن تتصل، فآثرا أن يُلغى هذا الأمر، ويربأا بأنفسهما عن نقد الناقدين، وخصومة المخاصمين.

ولكن الكتاب يكتبون، ويكتبون وهم ينفذون أعمال الشيخ وأعمال الحكومة منذ سنتين دون أن يحفل بهم أحد، أو يلتفت إليهم إنسان. فليس الكتاب ولا الصحفيون إذن هم الذين غيروا رأي الشيخ، أو عدلوا بإدارة الأمن العام إلى قصد السبيل. قال آخرون: نعم، ولكن الحكومة قدرت، وقدر معها الشيخ، أن مصادرة الكتب العلمية تسيء سمعة مصر، وتسمها بالخزي والعار أمام الشرقيين والغربيين، الذين اشتركوا في هذا الكتاب، وانتظروا أن يصل إليهم كاملًا. وقد لا تحفل الحكومة، ولا شيخ الأزهر برأي المصريين فيهما، ولكنهما يحفلان جدًّا برأي الأجانب، ويحرصان جِدًّا على ألا يسوء فيهما هذا الرأي. ولكن الحكومة وشيخ الأزهر يأتيان من الأمر في شأن السياسة والدين أشياء كثيرة، يعرفها الأجانب ولا يرضون عنها، كثيرًا ما يتناولونها بالنقد، وكثيرًا ما يعبثون بها ويضحكون منها، وتمضي الحكومة، ويمضي الشيخ فيها مع ذلك، لا يحفلان بما يقول الأجانب أو ما يرون.

قال آخرون: هذا كله حق، ولكن المشتركين في الكتاب من المصريين وغير المصريين، كانوا ينتظرون الكتاب كاملًا، فلما عرفوا أنه سيصل إليهم منقوصًا تأهَّب فريق منهم لمقاضاة الناشر والحكومة، وتأهب فريق آخرون لإكمال الكتاب، ومقاضاة الحكومة إن عرضت لهم بشر. ولكن متى أشفقت الحكومة، أو خافت من مثل هذا الموقف وحبل القضاء طويل، وقد تستقيل الوزارة قبل أن يفصل القضاء في الأمر. ليس شيء من هذه الأسباب إذن هو الذي عدل بالحكومة وشيخ الأزهر عن تحريم ما كانا حرماه من نشر شيء فيه نقد لأبي حنيفة رحمه اللَّه، وتعريض بالمذهب الرسمي للدولة في الفقه.

قال جماعة من الشيوخ: إنما تختصمون في غير موضع للخصومة، وتختلفون في غير محل للاختلاف، وكل هذه الأسباب التي يزعمها بعضكم، وينكرها بعضكم الآخر لا تزن عند الشيخ الأكبر شيئًا. فهو لم يخف من الكتَّاب، ومن يكونوا الكتاب حتى يخافهم الشيخ؟ وهو لم يحسب حسابًا لشيء من هذه الأشياء التي ذكرتموها؛ لأنه أحرص على حرمة أبي حنيفة ومذهب الدولة من أن يخاف فيها لومة لائم مهما يكن. إنما هي كرامة. ولكن لمن؟ هنا اختلف الشيوخ وتفرقوا. فأما الحنفية منهم، فقالوا: كرامة للإمام الأعظم رحمه اللَّه؛ فقد كان رحب الصدر لخصومه، واسع العفو عن معارضيه، وكان يقول: اللهم من ضاق صدره بنا فإن في قلبنا له سعة. فلما رأى روحه الكريم غضبة الشيخ الأكبر، لم تعجبه ولم يرضَ عنها؛ فزار الشيخ في المنام، وأنذره لئن لم يعدل عن خطئه، ويخفف من حدته، ويترك للنقد حريته كاملة موفورة، ليلقين من اللَّه عز وجل شر ما يلقى المعتدون في الدنيا والآخرة. وقال الشافعية: بل هو الشافعي رحمه اللَّه تمثل للشيخ في حلم من أحلام الليل، وقال له: لقد روى الخطيب في كتابه ثنائي على أبي حنيفة، ألست ترى أنك تسيء إليَّ وإلى أبي حنيفة بمصادرة هذا الثناء. قال المالكية: وما نرى إلا أن مالكًا رحمه اللَّه قد قال للشيخ مثلما قال الشافعي، فقد روى الخطيب ثناء مالك على أبي حنيفة؛ كما روى ثناء الشافعي. قال الحنابلة: وروى الخطيب أيضًا ثناء أحمد بن حنبل رضي اللَّه عنه على أبي حنيفة، كما روى ثناء غيره من أئمة المسلمين، فما نرى إلا أنه قد لام الشيخ في المنام أيضًا.

وكان في القوم رجل شيخ فيه وقار، ولكن فيه دعابة، فلما فرغ القوم مما كانوا فيه، ولم يتفقوا على مصدر هذه الكرامة، صفَّق بيديه تصفيقًا هينًا، واعتدل بعض الشيء، وابتسم عن يمينه، وضحك عن شماله، وهي عادته إن هم بأمر ذي بال. ثم قال للقوم: ألا أحدثكم أحدوثة كلها صدق، وهي على ذلك تزيل ما أنتم فيه من خلاف؟ قالوا: هات. قال الشيخ: كان — وما أكثر ما كان — في قديم الزمان، شيخ من الجان، يسمى القيحطان، له جبة وقفطان، وقلب ولسان، وعلم وإيمان، وكان معمرًا قد شهد العصور، وبلي الدهور؛ ورأى اختلاف الأجيال، وتنازع الملل، وتخاصم العلماء والفقهاء، منذ ظهر العلم والفقه، وكان يغشى مجالس أهل العلم، وأصحاب الفقه، ومجالس الحكماء والفلاسفة، ومجالس الشعراء والمتأدبين، وكان يحسن كل لغة، ويتقن كل فن، وكان يعي كل ما يسمع، ولكنه إذا خلا إلى نفسه نظر فيما وعى، فحفظ أحسنه ونفى سيئه. وقد ظل هذا الشيخ على هذه الحال حياته، حتى إذا كانت فتنة من الفتن، لقي فيها الصالحون من العلماء من ظلم الظالمين، وعسف المستبدين شرًّا كثيرًا، وظهر فيها الباطل، واستخفى فيها الحق، وعلت فيها كلمة الجهل، وسفلت فيها كلمة العلم، ضاق الشيخ بهذه الحال، وأقسم لينفقن ما بقي له من حياة في ترويع الظالمين للعلم، والمعتدين على العلماء حيثما كانوا. وأنتم تعلمون أن الجن يتمثلون في صور مختلفة، ويتشكلون في أشكال متباينة منها الحسن المغري، ومنها القبيح المخيف، فجعل هذا الشيخ كلَّما اعتدى على العلم معتدٍ أو ظلمه ظالم، لزمه حتى يعرف مزاجه، ويبلو طبعه، فإن كان ضعيف القلب، قصير العقل، طويل اللسان، لا ثقة له بنفسه، ولا اعتماد له عليها، ولا رأي له فيما يأتي من الأمر، إنما هو مسخر يؤمر فيأتمر، ويُنهى فينتهي. تصور له في أي شكل من هذه الأشكال التي تخيف ضعاف القلوب والعقول ثم أنذره وحذره، فما هي إلا أن يقصر الظالم عن ظلمه، وينصرف الباغي عن بغيه، وأنا زعيم لكم بأن القيحطان هذا، قد زار الشيخ في يقظة، أو زاره في حلم، وقد تشكل للشيخ في شكل من هذه الأشكال المزعجة المروعة، وقد عزم على الشيخ ليطلقن كتاب الخطيب من إساره، أو لينغصن عليه يقظته ونومه.

ألم تعرفوا هذا القيحطان بعد؟ إنما هو حرية العلم، قد وجدت منذ عرف الإنسان التفكير ولن تموت وعلى الأرض إنسان يفكر. وقد عاهدت هذه الحرية نفسها على أن تحتال في صرف الظالمين للعلم عن ظلمهم، والمعتدين على العلم عن عدوانهم.

وكذلك أجمع القوم على أن في الأمر كرامة أضافها بعضهم إلى الإنس، وأضافها بعضهم إلى الجن. أما أنا فمع أني أؤمن بالكرامات ولا أنفيها فأعتقد أن قد سُمع النداء، واستُجيب الدعاء، وتنزل الأمر إلى الشيخ، فأطلق لكتاب الخطيب حريته. لقد استجار العلم منذ أسبوعين بصاحب الجلالة المصرية حامي العلم وجاره من كل ضيم. وما كان للعلم أن يستجير بملك مصر ثم يلقى ضيمًا، ولو من شيخ الأزهر، ولو من وزير الداخلية.

لم يحدثني أحد بما أقول، لكني لا أشك أنه قد كبر على حضرة صاحب الجلالة الملك أن يضام العلم، وتفتضح مصر، وهو الجالس على عرش النيل، فتفضل حفظه اللَّه فرد الأمر إلى نصابه، وردع الظالمين عن ظلمهم، وجعل الخطيب البغدادي حرًّا في القاهرة، كما كان حرًّا في بغداد.

أما بعد، فإني أرى في رجوع الشيخ عن ظلمه لكتاب الخطيب فألًا حسنًا، وبشيرَ خيرٍ، فقد سقط الحجر الأول من هذا البناء المريب، الذي أقامه التحالف بين جماعة من رجال السياسة وجماعة من رجال الدين، والذي كان قوامه التحكم في الحرية على اختلاف أنواعها. ومتى سقط الحجر الأول فتسقط بعده أحجار. ومتى ردت إلى العلم حريته، فسترد إلى السياسة حريتها أيضًا.

أما بعد، فإني أرجو أن ينتفع شيخ الأزهر وتنتفع معه الحكومة من هذا الدرس القاسي، فليس من الهين أن يقال: «قضى الشيخ وأمرت الحكومة ثم رجع الشيخ عن قضائه، وعدلت الحكومة عن أمرها.» ولو قد فكر الشيخ، ولو قد تروَّتِ الحكومة، لعرفا أن حرب العلم ليست كحرب السياسة، وأن خصومة العلماء ليست كخصومة الساسة، وأن القوة مهما تكن عنيفة غاشمة، لا تصلح سلاحًا لحرب العلم والعلماء. إنما يحارب العلم بالعلم. وأنى لشيخ الأزهر أن يحارب العلم بالعلم؟! إنما يحارب العلم جهرًا وصراحة، لا سرًّا ولا من وراء حجاب، وأنى لشيخ الأزهر أن يحارب العلم في وضح النهار. إنما يحارب العلم ليخلص حقه من باطله، ويبرأ صوابه من خطئه، لا لتهدر حريته، فليس إلى إهدار حريته من سبيل. وأنى لشيخ الأزهر أن يلتمس الحق، أو أن يلتمس الصواب؟! إني نذير لشيخ الأزهر إذا لم يكن له بد من أن يشتغل بالسياسة، ويؤيد رجال السياسة باسم الدين، ألا يفعل هذا على حساب العلم؛ فإن العلم أقوى جانبًا وأعز نفرًا من أن ينال منه الشيخ، وإن أيدته ألف حكومة كالحكومة المصرية. إن القيحطان حي ما عاش الإنسان، وإنه قادر على أن يروع الشيخ ويبغض إليه مصادرة الكتب. فليدع الشيخ خصومة العلم، وحرب العلماء، وليمضِ بعد ذلك إلى حيث شاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.