رسمنا في المقال الأول «صورة مصر» قبل الثورة العرابية ليعرف القارئ المصري الأسباب المتعددة من كل ناحية من نواحي الحياة لإشعال تلك الثورة، وليعرف أن الإنكليز كانوا يترصدون بمصر الدوائر لتكون — كما قال غلادستون — البيضة التي تفرخ الإمبراطورية الأفريقية.

كانت مصر — على ما بينا في المقال الأول — مستقلة، فسلبت السياسة استقلالها باسم المال، والمال كان وسيلة لذلك السلب واللَّص.

وكانت ذات جيش قوي، فحُلَّ جيشها وحُرم كثير من ضباطها المعاشَ. وكانت لها حكومة وطنية، فحَلَّت سلطة المراقبين الإنكليزي والفرنساوي محل سلطة الوزارة.

ودفع أصحاب الأملاك ١٧ مليون جنيه إعانة للخزانة، فأُعطوا ٢ بالمائة مما دفعوا مقسطة على خمسين سنة، وكان لهم مجلس نواب فأنكروا عليه حق الكلام بالشئون المالية … إلخ، فلم تبقَ طبقة من طبقات الشعب لم تُظلم ولم تُعذب.

ولما كانت المجاميع هي التي تعبر عن سخط الأمة ورضائها، ولم يكن لمصر مجموعة من العمال أو سواهم، وكانت المجموعة الوحيدة هي الجيش؛ فالجيش هو الذي أعلن سخط الأمة، فسارت الأمة وراءه وأمدته بكل حاجاته. وقد أربى عدده على ٨٠ ألف نظامي ومتطوع لم يستدن قرشًا ولم يصادر شيئًا، بل توفرت جميع حاجاته من تبرعات الشعب؛ لأنه يعرب عن أمانيه وآماله، بل يكفي أن يكون الشعب ساخطًا وأن تعرب أية هيئة من الهيئات عن السخط ليقرها ويسير وراءها.

والآن نُتم حديثًا عن الثورة العرابية؛ ليعرف القراء ونحن في السنة الخمسين لوقوع ذلك الحادث الجليل كيف تطورت، وهل نفخ الإنكليز في ضرامها لتنشب مخالبهم في الفريسة، أم كانوا كناظر المحطة يوجهون القطار بتحريك الإبرة فقط إلى حيث يريدون؟

***

تولى الأريكة توفيق باشا بعد أبيه إسماعيل، وقد وصفه عرابي باشا بقوله: إنه الأمير الذي لم يكن باستطاعته أن يقول كلمة «لا»؛ فمَن كان كذلك كان وزيره الأكبر هو السيد الحاكم.

فعند ولاية توفيق كان في رياسة الوزارة شريف باشا، فلم يلبث أن استبدله برياض باشا الذي ظهرت ميزاته على عهد سعيد باشا وارتقى إلى أعلى المناصب على عهد إسماعيل؛ وقد وصفوه بأنه أشجع وأنزه من نوبار وأقدر من شريف، ولكن عيبه الأكبر كان الاعتداد بنفسه حتى يعمى عن الخطر. ولما عُين رئيسًا للنظار في ٢١ سبتمبر ١٨٧٩ طلب منه الخديوي في أمر تعيينه «أنه يأمل منه النزاهة في العمل والإصلاح وحفظ النظام والاقتصاد»، فاتبع ذلك وتم على عهده قانون التصفية واستصدر به الأمر العالي في ١٧ يوليو ١٨٨٠؛ فسارت الأمور بعد ذلك على أحسن منوال من حيث الإدارة وتحصيل الأموال ودفع أقساط الديون. ولكن رياضًا باشا لم يكتفِ بحل فِرق الجيش وإنقاص القوات، بل زاد في ذلك، وكانت جمعيات الضباط والأعيان تعقد الاجتماعات لاستعادة سلطة الأمة وإنصاف المظلومين، فكانوا يحسبونها اجتماعات ماسونية لانتشار الماسونية في ذلك العصر ولكثرة المحافل. والذي عجَّل بإضرام النار أن عثمان باشا رفقي ناظر الجهادية وهو من الضباط الجركس المكروهين، أراد الانتقام من الضباط الوطنيين الذين كانوا يجاهرون بعداء الضباط الجركس — وكلمة جركس كانت تُطلق على كل ضابط تركي أو كردي أو أرناءوطي … إلخ كما بينا في المقال الأول — ففتح التحقيق عن إدارة الميراليات الوطنيين وقال في تقريره: إن الميرالاي عبد العال أبو حشيش قائد الآلاي السوداني أخذ ١٢٠ جنيهًا من ثمن اللحم، وعلي فهمي ميرالاي الآلاي الأول أخذ ٤٠٠ جنيه، وفي الوقت ذاته عزل ميرالاي السواري عبد الغفار وعيَّن خلَفًا له أحد الضباط الجركس.

هذا الحادث — بل هذه الحوادث — هاجت سخط الضباط الوطنيين، وكانت الشرارة الأولى للثورة التي غيرت وجه سياسة العالم، ولو لم يكن ذلك لكان سواه.

ففي ١٧ يناير ١٨٨١ ذهب الميراليان أحمد عرابي ميرالاي الآلاي الرابع من المشاة، وعبد العال أبو حشيش ميرالاي الآلاي السوداني إلى رياسة الوزارة، وقدموا لرياض باشا عريضة بإمضاء «الضباط الوطنيين» يحتجون فيها على عزل الميرالاي عبد الغفار وعلى إخلاف عثمان باشا رفقي وعده؛ لأن الضباط الوطنيين كانوا قد قدموا مثل هذه العريضة في ٢٠ مايو ١٨٨٠، فتوسط قنصل فرنسا ووعد وزير الحربية بأنه لا يعزل الضباط الوطنيين ويساويهم بالضباط الجركس. ومما قالوه في عريضتهم الجديدة: «إنهم واثقون بأنه ما دام عثمان باشا رفقي وزيرًا للحربية، فإنهم سيُعزلون الواحد تلو الآخر، فلهذا هم يلتمسون عزل هذا الوزير.»

فغضب رياض وطلب في اليوم التالي عرابي وعبد العال، فرافقهما دون طلب الميرالاي علي فهمي قائد الآلاي الأول، ولم يزدادوا بعد مقابلة رياض إلا شدة وتحريضًا للجيش ودعاية في الجمهور.

وفي ٢٧ يناير قابل عرابي وعبد العال رياض باشا، وتذمرَا أمامه من أن الوعد الذي وُعِدوا بطرد وزير الحربية لم يُنفذ. فاجتمع النظار في ٣٠ يناير برياسة الخديوي وتقررت محاكمة الضباط الثلاثة أمام مجلس عسكري، واتقاءً للاضطراب إذا ما قُبض عليهم ابتدعوا الحيلة، وهي أن يُدعى الثلاثة إلى قصر النيل لتنظيم الاحتفال بعُرس أخت الخديوي، وصدر الأمر بتعزيز القوات وبإرسال قوة من فرسان البوليس إلى وزارة الحربية؛ ولكن وزير الأوقاف محمود باشا سامي أبلغ الضباط الحقيقة، فلم يذهب جندي واحد للوزارة تنفيذًا للأمر الصادر بذلك. أشيع يومئذٍ أنهم كانوا قد أعدوا في قصر النيل ثلاثة توابيت من الرصاص لإغراق جثث الضباط الثلاثة، فاتخذ الثلاثة الحيطة بأن نبهوا على آلاياتهم بالمجيء إلى قصر النيل لإنقاذهم إذا طال غيابهم.

ولما وصل الميرلايات الثلاثة إلى قصر النيل، تُلي عليهم الأمر الصادر بإحالتهم إلى مجلس التأديب، ثم جُردوا من سيوفهم بين استهزاء الضباط الجركس وتهديدهم. وعند الظهر اجتمع مجلس التأديب برياسة ستون باشا — وستون أميركي — ولم ينقضِ على انعقاده سوى بضع دقائق حتى وصل الآلاي الأول؛ آلاي علي فهمي ودخل الوزارة مهددًا، ففر وزير الحربية عثمان رفقي من أحد الشبابيك واختفى في دكان خياط، وأنقذ الآلاي الضباط الثلاثة الذين ذهبوا إلى القشلاق، وكتبوا تقريرًا إلى قناصل الدول يذكرون فيه الحادث ويبسطون شكواهم ويطلبون منهم الوساطة لدى الخديوي ليعزل عثمان رفقي باشا؛ فتوسط قنصل إنكلترا مالت وقنصل فرنسا رنغ، فأعاد توفيق باشا الميرالايات إلى مناصبهم، وعيَّن محمود سامي باشا البارودي ناظر الأوقاف ناظرًا للجهادية. فأثارت هذه النتيجة حماسة الجمهور. وكان الآلاي السوداني قد وصل من طرة، فمر أمام سراي عابدين وهتف للخديوي. وقد وصف الميرالاي شايله لونغ — الأميركي — محمود سامي بقوله: «إنه روح الثورة ودليلها وهاديها من البداية حتى النهاية، شجاع حازم بارع ذكي، كان يحس من نفسه بأنه معدٌّ لأسمى المناصب، فكان مصممًا أن يبلغ أغراضه بكل وسيلة، ولكن ميله للدسائس هو الذي جعله في مؤخرة الثورة في نظر الجمهور.»

وفي اليوم التالي لوقوع الحادثة قابل الخديوي الضباط الثلاثة، فأعربوا له عن إخلاصهم، فأعرب لهم عن نسيان الماضي، ثم أوفدهم لزيارة المراقب الفرنساوي والمراقب الإنكليزي ليدلهما على المصالحة، فذهب في ٤ فبراير علي فهمي وعرابي ووعدا المراقبين بالسهر على الأمن وضمانة حياة الأوروبيين وأموالهم.

وفي ١٥ فبراير صدر الأمر بزيادة رواتب الضباط المحالين إلى الاستيداع، ولكن الضباط ظلوا على حذر من الكيد لهم. ففي أول مارس شكوا من يوسف باشا كامل ناظر الخاصة الخديوية بأنه يحرض آلاي طرة ضد قائده، فأخرجه توفيق باشا من خدمته، وأمر بزيادة رواتب الجيش العامل، ولكن بقي ١٠٤٥ ضابطًا بلا عمل؛ فأُلِّفت لجنة من أعضائها عرابي لوضع مشروع للترقية والإحالة على المعاش وآخر لاستخدام الذين لا عمل لهم. ولكنه كان يستحيل وجود أعمال لألفي ضابط في جيش لا يزيد عدده على ١٢ ألفًا، فظل اضطراب الأفكار، وظل الخوف من الانتقام، وظل محمود سامي على التحريض، وظلت الاجتماعات تتوالى إلى أن ظهر الحزب الوطني وعلى رأسه عرابي، ومن أعضائه من غير ضباط الجيش عبد الله نديم الكاتب الخطيب والسيد حسن موسى العقاد … إلخ.

اشتدت الحركة الفكرية، ومُثِّل عرابي بمثابة غاريبالدي، ووُزِّعت صورة من صوره في جميع أنحاء البلاد وهو جالس مرسل نظراته إلى بعيد، وعلى رأسه عبد العال قابضًا على قائم سيفه وهو يفتل شاربيه، وإلى جانبه علي فهمي وهو قابض بيده على ورقة ملفوفة وقد كُتِب عليها: «الدستور»؛ فكانت هذه الصورة تُحفظ في المنازل كالحرز المبارك.

وفي شهر مايو ١٨٨٠ اتُّهم ١٩ ضابطًا بالتآمر على أميرالاي عبد العال فعزلوهم، وطلب عبد العال أن يولي من يخلفونهم، فلم يجرؤ قومسيون الجيش على مخالفته، بل قرر إعطاء قُواد الآلايات حق تعيين ضباط آلاياتهم.

ثم طلب الضباط أن يزاد عدد الجيش إلى ١٨ ألفًا لبناء الحصون والقلاع على سواحل البحر المتوسط، وطلبوا من الأعيان توقيع العريضة لعقد مجلس النواب ليقرر الأموال اللازمة؛ فبادر قومسيون الجيش، فقرر جعل الجيش في أقصى عدده؛ أي ١٨ ألفًا.

وحدث أن الضباط لاموا أحد الضباط البحريين؛ لأنه أدى لرياض باشا التحية، فاعتذر عن ذلك، فحينئذٍ أحس رياض بأن العاصفة تتكور فوق رأسه، فعزل حكمدار القاهرة، وأبلغ الخديوي أن كل الخطر من وجود محمود باشا سامي بوزارة الحربية، حتى إنه خيَّر الخديوي بين الرضا به أو الرضا بمحمود سامي. وحدث وقتئذٍ أن محمود سامي قدم استعفاءه من أجل نفقة انتقال لم تُصرف له، فقبِل الخديوي استعفاءه، وعيَّن داود باشا يكن ناظرًا للجهادية في شهر أغسطس، فعدَّ الضباط ذلك مكيدة لهم؛ لأن وجود محمود سامي في وزارة الجهادية كان في نظرهم الضمانة الوحيدة لهم دون الانتقام.

وقع قبول استعفاء محمود سامي أشد وقْع من نفوس الضباط، وكثرت الإشاعات حتى قيل: إن شيخ الإسلام أفتى سرًّا بإعدام الضباط الثلاثة … إلخ.

وأراد رياض أن يفرِّق قوات الجيش، فصدر الأمر إلى أحد الآلايات بالانتقال من القاهرة إلى الإسكندرية، فاجتمع الضباط وأصدقاؤهم في ٨ سبتمبر للبحث و[وما إلى] ذلك فكانت جلسة شديدة الاضطراب، حتى إن المتطرفين اتهموا عرابي بالخيانة! ولكن عرابي أعلن أنه سيذهب في الغد إلى عابدين مع الذين يريدون مرافقته، وأنه سيطلب هناك من الخديوي عزل رياض ودعوة مجلس النواب وزيادة عدد الجيش، وأرسل الدعوة كتابةً إلى رفاقه الغائبين. ولم تكن الحكومة على اطلاع على شيء؛ لأن توفيق باشا ونظاره صرفوا نهارهم إلى نزهة بطرة. وفي صباح ٩ سبتمبر وصل إلى سراي الإسماعيلية خبر يقول: إن الأميرالاي عرابي سيزحف من العباسية لقتل الخديوي، وإن الدعاة دخلوا القشلاقات وقالوا للعساكر: إن الحكومة ستلقيهم بالنيل عند اجتياز القطار بهم كبري كفر الزيات. فأمر داود باشا في الحال بإلغاء أمر النقل، ولكن عرابي كتب إلى داود باشا أن الضباط لا يستطيعون أن يسلِّموا أنفسهم للموت، فهم ذاهبون مع عساكرهم في الساعة الثالثة بعد الظهر إلى عابدين لتسوية المسألة. فذعر الخديوي ووزراؤه، وأرسلوا إلى قنصلي فرنسا وإنكلترا وطلبوا مشورتهما، فنصح قنصل إنكلترا الخديوي بأن يقاوم وبأن يكون على رأس الحدود المختصة له.

ركب الخديوي من قصر الإسماعيلية إلى عابدين ومعه كولفين قنصل إنكلترا وستون باشا والوزراء والياوران. وكان الأميرالاي علي فهمي قد وصل إلى ميدان عابدين بقوته، فوعد تظاهرًا بأنه يدافع عن مولاه بدمه، وهتف جنوده للخديوي ولكنهم لم يصدقوه. وذهب توفيق باشا إلى القلعة وأبلغ الآلاي الثالث أنه لا يغير معسكره، ثم ذهب إلى العباسية لزيارة الآلاي الرابع — آلاي عرابي — فوجد القشلاق خاليًا، فأسرع بالعودة إلى عابدين، فوجد الميدان غاصًّا بالجنود، فاضطر إلى الدخول من الباب الخلفي. وكان عدد الجنود ٢٥٠٠ جنديًا ما عدا الآلاي الثالث الذي ظل في مكانه، وكان طابور من الجيش السوداني يحصر ثكنات البوليس. فنزل توفيق باشا إلى الميدان، وأمر عرابي أن يترجل عن ظهر جواده ففعل، ثم أخذ يتلو على مسامع الخديوي إرادة الجيش، فشار كولفين على الخديوي بالرجوع إلى السراي ففعل. وأخذ كولفين يفاوض عرابي بشروطه، وعبثًا حاول القناصل تهديد عرابي بقوة أوروبا، فإنه أصر على إجابة مطالب الجيش. فأبلغوا الضباط أن الخديوي أرسل تلغرافًا إلى السلطان وأنه ينتظر الرد؛ لأن الموافقة على مطالبهم من حق السلطان، فأجابوا أنهم لا يلقون سلاحهم حتى يصل الرد الذي يرضيهم، وأنهم لا يطيعون الخديوي أو يرسل السلطان رسولًا للحكم. فعرض الخديوي عزل رياض فقبل الضباط على شرط أن يوافقوا على من يخلفه، وعلى أن تظل المسائل الأخرى معلقة حتى وصول رسول السلطان. فعرض على الضباط أسماء اثنين من رجال السراي فرفضوا، فعرض قنصل النمسا اسم شريف باشا، فأجاب عرابي أنه ينتظر كتابة الأمر العالي بتعيينه، فأجيب طلبه وتلا عرابي صورة الأمر بين الجنود. وأطل توفيق باشا من شرفة السراي، فهتف الجنود له، فطلب الضباط أن يقبِّلوا يد الخديوي، فقابلهم وكانوا يدخلون عليه واحدًا واحدًا مخافة المكيدة لهم.

ذلك هو اليوم المشهور، فلننظر غدًا إلى سياسة شريف التي ورد الكلام عنها في باب أخبار ٥٠ سنة.

فإلى غدٍ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.