يقال إن السياسة العالمية في هذا الشهر قد أتيح لها شيء من الدَّعة والإسماح، وإن العالم سيستقبل العام الجديد هادئًا مطمئنًّا إلى حَدٍّ ما. ومصدر ذلك — فيما يقال — هو أن الاجتماع الأخير لهيئة الأمم المتحدة قد انتهى إلى نتائج رضي عنها واطمأنَّ إليها الساسة المنتصرون؛ فقد خفَّت حدة الخلاف بين الكتلتين المختصمتين: كتلة السكسونيين من ناحية، والروسيين من ناحية أخرى. فلم يكُن بين الخطباء في هيئة الأمم المتحدة ولجانها ذلك الصراع العنيف، الذي كان ملحوظًا حين اجتمعت هيئة الأمم المتحدة في لندن، أو حين اجتمع مؤتمر الصُّلح في باريس، بل كان الخلاف يشتد ويحتد أحيانًا حتى يُنذر بالخطر، ثم ينتهي آخر الأمر إلى نوع من التراضي يرتاح إليه المختصمون جميعًا، وهذا كله حق ليس فيه شك. وهناك حق آخر ليس فيه شك، وهو أن اجتماع هيئة الأمم المتحدة الأخير قد انتهى إلى الاتفاق على طائفة من المسائل، كان يظن أن ليس إلى الاتفاق عليها من سبيل. فقد تم الاتفاق مثلًا على شيء من التقدُّم نحو تخفيض التسلُّح، والإشراف على القنبلة الذرية وما يشبهها، أو يقاربها من الأسلحة الفتَّاكة، وعلى أن يكون هذا الإشراف غير خاضع لحق الاعتراض الذي تستمسك به الدول الكبرى. بل أتيح للهيئة التي ستشرف على تخفيض التسلُّح حق التفتيش والتثبيت داخل حدود الدول مهما تكُن. وما من شك في أن هذا الاتفاق خطوة قَيِّمَة في سبيل التراضي والتعاوُن بين الدول الكبرى. ولكن الاندفاع في التشاؤم شر، كما أن الاندفاع في التفاؤل ليس أقل منه خطرًا. فليسجل هذا الاتفاق الذي تم في شيء من الرضا، ولكن في كثير من الاحتياط. فاتفاق المختلفين في قاعة الاجتماع بهيئة الأمم المتحدة شيء، وتنظيم الإجراءات العملية لتنفيذ هذا الاتفاق، ثم تنفيذ هذا الاتفاق بالفعل في أمانة وصدق وإخلاص شيء آخر. وكل ما يمكن أن نقرره، هو أن ساسة المنتصرين قد افترقوا على شيء من تقارُب وجهات النظر؛ فهم سيستقبلون العام الجديد في شيء من الأمن الموقوت. ولكن المسائل الكبرى التي هي مَثار الخلاف بين المنتصرين ما زالت قائمة لم تُمس إلى الآن؛ فأمريكا مستأثرة بالقنبلة الذرية لم تُفْضِ بأسرارها بعدُ، ولم تُبِحْ إعدام ما أنشئ منها، ولم تسلِّم بوقف المضي في إنتاجها. كل ذلك مرهون بتمام الاتفاق وتمام إنفاذه في دقة وأمانة وإخلاص.

وكذلك تقاربت وجهات النظر في قضيتين خطيرتين؛ إحداهما: القضية الإسبانية؛ فقد كانت روسيا وفرنسا تطالبان بقطع العلاقات السياسية والاقتصادية مع إسبانيا، وكانت بريطانيا العظمى والولايات المتحدة تأبَيَان هذا كل الإباء، فتم الاتفاق على أن تستدعي الدول سفراءها ووزراءها المفوَّضين من مدريد، وتبقى السفارات والمفوضيات يشرف عليها القائمون بالأعمال، ويراقب مجلس الأمن تطوُّر الأمور في إسبانيا. وقد يكون لهذا الإجراء أثره في إنقاذ الشعب الإسباني من نظام الجنرال فرانكو، وقد لا يكون. ولكن المهم هو أن الدول قد استطاعت أن تصل إلى صيغة يمكن الاتفاق عليها.

أما القضية الثانية: فهي قضية الخلاف بين الدولة اليونانية وجاراتها الموالية لروسيا. وقد انتهى مجلس الأمن فيها إلى اتفاق قد يجدي وقد لا يجدي، ولكنه اتفاق على كل حال. وخلاصته أن تنشأ لجنة دولية للتحقيق، تزور البلاد المختصمة، وترفع تقريرها إلى مجلس الأمن. وواضح أن كل هذه الألوان من الاتفاق تقوم على التراضي الذي ينزل فيه كل من المختصمين عن بعض ما يريد؛ فهي اتفاقات ليست حاسمة ولا مُلغِيَة للمشكلات القائمة. فكما أن مشكلة القنبلة الذرية لا تزال قائمة، فنظام فرانكو لا يزال قائمًا في إسبانيا، والاحتلال البريطاني لا يزال مستقرًّا في اليونان، والحرب الأهلية لا تزال مضطرمة في اليونان أيضًا. وهناك مشكلة شغلت العالم عامًا وأكثر من عام، وقد أخذت تنحل في هذه الأيام، دون تدخُّل من مجلس الأمن ولا من هيئة الأمم المتحدة؛ وهي مشكلة إيران. فقد اقتحمت جيوش السلطة المركزية أذربيجان، وقضت على استقلالها الذاتي، واستقرت على الحدود الروسية الإيرانية، واستردت سلطان الحكومة المركزية على الأرض الإيرانية كلها، لم تعترض على ذلك روسيا، ولم تؤيده بريطانيا العظمى تأييدًا ظاهرًا. ولكن من سَبْقِ الحوادث أن نقرر انتهاء المشكلة الإيرانية إلى غايتها؛ فالدول المنتصرة تنظر صامتة في ظاهر الأمر إلى تطور هذه المشكلة على هذا النحو، ولكننا سنرى بعد انتهاء الانتخابات الإيرانية، وقيام الحكومة الجديدة: كيف تلائم هذه الدول المنتصرة ذات المصالح المُعقَّدة، والمطامع التي ليست أقل تعقيدًا من مصالحها، بين مواقفها وبين النظام الجديد. والحقيقة الواقعة التي لا يختلف فيها اثنان، هو أن كل هذا الإسماح الذي طرأ على السياسة العالمية في هذه الأيام، مصدره تغيير في الخطة الروسية؛ فقد عمدت روسيا من غير شك إلى شيء من اللين والاعتدال، ونزلت عن كثير من تشدُّدها في كثير من المسائل، فما مصدر هذا التغيير؟ يقول المتعجلون: إن مصدره الحزم الإنجليزي الأمريكي الذي أشعر روسيا بأن تشدُّدها مُنْتَهٍ إلى الكارثة. ونعتقد نحن أن مصدره دهاء السياسة الروسية، فمن الخطل أن نظن أن روسيا كانت مصممة كل التصميم في تشدُّدها، وإصرارها على العنف، وإنما كانت تتشدد وتسرف في التشدد، وهي تعلم حق العلم أن خصومها لن يُسلِّموا لها بكل ما تريد؛ فهي تدافع عن وجهة نظرها ما وسعها الدفاع، وتطلب الكثير لتظفر بالقليل. ومن أخطأِ الخطأ أن يُظن أن السياسة الروسية قد انهزمت أمام السياسة السكسونية؛ فالبلقان ما زال خالصًا لروسيا، لا يستثنى منه إلا اليونان، ومطالب روسيا ما زالت قائمة فيما يتصل بالمضايق، وقد وافقت روسيا آخر الأمر على معاهدات الصلح المختلفة، بعد أن ظفرت بأقصى ما كان يُنتظر أن تظفر به. ويمكن أن يُقال إن المشكلات التي كانت تواجه المنتصرين لم تُحَلَّ إلى الآن حلًّا حاسمًا، وإنما موعد هذا الحل الحاسم هو اجتماع وزراء الدول الكبرى في موسكو بعد شهرين.

هنالك — وهنالك ليس غير — نستطيع أن نتبين أيمضي العالم حقًّا إلى التعاون والاتفاق؟ أم إلى التنابذ والاختلاف؟ ففي الاجتماع المقبل ستعالج المشكلة الكبرى التي تدفع أوروبا إلى سلم مستقرة، أو تهيئها للحرب العالمية الثالثة، وهي مشكلة الصلح الذي يراد أن يفرض على ألمانيا.

وبينما تجري السياسة العالمية العامة على هذا النحو من التقارُب الذي يدعو إلى الاطمئنان ولا يُعفي من القلق، تحدث في غرب أوروبا أحداث لها ما بعدها، ولعلها أن تكون أبعد أثرًا في المستقبل العالمي القريب من كل هذا اللغط الذي امتلأ العالم به أثناء اجتماع هيئة الأمم المتحدة. ففي بريطانيا العظمى لا يكاد ينتهي الخلاف الذي شجر في حزب العمال، واضطر الحكومة البريطانية إلى عرض الثقة، حتى يثار خلاف آخر بين العمال دائمًا، وحول السياسة الخارجية البريطانية دائمًا كذلك.

والخلاف في هذه المرة خطير؛ فالمتطرفون من العمال يرون أن حكومتهم لم تبرَّ بوعدها، ولم تيسر للديمقراطية سُبُلها في الخارج، ويرون أن حكومتهم اشتراكية في بريطانيا العظمى، مؤيِّدة للرجعية خارج بريطانيا العظمى، وضغطهم هذا يضطر الحكومة إلى ظاهر من التساهل، ولكنها لا تكاد تُقدِم على هذا التساهل الشكلي حتى يسخط المعارضون من المحافظين، ويصيح المستر تشرشل في مجلس العموم بأن حكومة العمال تدفع الإمبراطورية إلى الانحلال.

وكذلك تجد الحكومة البريطانية الاشتراكية نفسها بين نارين: نار تأتيها من اليسار من أتباعها المتطرفين، ونار أخرى تأتيها من اليمين من خصومها المحافظين. وقد يكون من الحمق أن نهمل نيرانًا أخرى تواجهها من خارج بريطانيا العظمى، وتأتيها من هذه المشكلات الكثيرة التي تتعقد في كل يوم، وتزداد تعقُّدًا من يوم إلى يوم في أكثر أرجاء الإمبراطورية: في الهند، وفي بورما، ثم في مناطق النفوذ كالشرق الأدنى، والشرق الأوسط مثلًا.

فالذين يؤمنون بقول الإمبراطورية البريطانية وقدرتها على مواجهة المشكلات وقهر الصِّعاب — كما كانت تفعل من قبل — في حاجة إلى أن يعيدوا النظرة فيما كوَّنوا لأنفسهم من رأي؛ فقد خرجت الإمبراطورية البريطانية من الحرب منتصرة، ما في ذلك شك، ولكنها لم تنتصر وحدها، وإنما انتصر معها قوم آخرون، لعلهم أن يكونوا أعظم منها قوةً، وأشد منها بأسًا، وأكثر منها ثراءً، وأقدر منها على مواجهة الصِّعَاب. وقد بذلت الإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب وُعُودًا أسرفت في بذلها، وآن أوان الوفاء بها، وكانت تظن أنها تستطيع أن تَعِدَ اليوم لتُخلِف غدًا. ولكن الشعوب التي تلقت هذه الوعود لم تكن عابثة، ولا هازلة، وإنما كانت جادة كل الجِد، وهي الآن تطالب بتحقيق ما بُذِل لها من الوعود.

وفي فرنسا تم الانتخاب للجمعية الوطنية، على النحو الذي عرَفه القراء، والذي لم يظفر فيه حزب بالكثرة المطلقة، وجرت انتخابات مجلس الجمهورية، وانتهت على النحو نفسه، فأصبح أمر الحكم في فرنسا من أشد الأمور عسرًا، لا يستطيع حزب أن يستقل بالحكم إلا أن تؤيده الأحزاب الأخرى. وقد طالب الشيوعيون — وحزبهم أعظم الأحزاب — برياسة الوزارة، فأبتها عليهم الأحزاب الأخرى. ثم طالب بها حزب الجمهوريين الشعبيين فرد عنها، واضطرت فرنسا إلى أن تلجأ إلى الحزب الاشتراكي — وهو من أحزاب الأقلية — ليعطيها رئيسًا للوزارة، فأعطاها زعيمها العظيم المسيو ليون بلوم. ولكن هذا الزعيم لم يستطِع أن يؤلِّف بين المختلفين، فاضطر إلى تأليف وزارة من حزبه الاشتراكي، وظهر في فرنسا هذا المظهر الغريب، حزب من أحزاب القلة يؤلف الوزارة، وتؤيده الجمعية الوطنية تأييدًا إجماعيًّا؛ لأنها لا ترى مخرجًا غير هذا من الحرج.

وهذه الوزارة موقوتة بالطبع، ستستقيل حين يُنتخب رئيس الجمهورية، وسنرى كيف تستقبل فرنسا أمرها، وكيف تتكون فيها الكثرة التي تلي الحكم: أتكون كثرة تميل إلى الشمال، أم تكون كثرة معتدلة متوسطة.

ولكل هذا أثره في توجيه أوروبا الغربية؛ فالأمر ليس إلا صراعًا بين اليساريين الذين يريدون أن يأخذوا من رأس المال أكثر ما يستطيعون، وأصحاب اليمين الذين يريدون أن يحتفظوا من نظام رأس المال، بأكثر ما يستطيعون أن يحتفظوا به.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.