من حق الصحف الوزارية والصحيفة التي تعرب عن رئيس الوزراء خاصة أن تحمد الله؛ لأنها غير مقروءة ولا واسعة الانتشار كما يقولون، فلو أن الناس يقرءون ما تنشر لهم هذه الصحف من السخف، وما تحاول أن تذيع فيهم من لغو الحديث، لما حمدت عاقبة ذلك ولا اطمأنت إليها.

فالقراء المصريون يمقتون الصحف التي لا ترضيهم ويزدرون الكُتَّاب الذين لا يصورون آراءهم ولا يخدمونهم في إخلاص ونصح، وهم يكتفون بالإعراض عن هذه الصحف، والانصراف عن هؤلاء الكتَّاب، ولكنهم فيما نعتقد لا يقبلون ولا ينبغي لهم أن يقبلوا أن تَسْخَر منهم الصحف، وأن يعبث الكتاب بعقولهم ومصالحهم إلى هذا الحد المنكر الذي انتهت إليه صحف الوزارة.

هذه صحيفة من هذه الصحف، تهنِّئ الوزارة صباح اليوم؛ لأنها أنقذت مصر من خطرين داهمين: أنقذتها من خطر الفيضان، وأنقذت عاصمتها من خطر المجاري.

وهذه الصحيفة لا تكتفي بتهنئة الوزارة والإغراق في الثناء عليها، ولكنها تنال خصوم الوزارة باللوم العنيف؛ لأنهم لم يعينوا الوزارة ولم يهدئوا الناس حين ألمَّ الخطب، كما أنهم لم يحمدوا للوزارة بلاءها ولم يعرفوا لها جهودها، ولم يسجلوا لها الفضل تسجيلًا بعد أن انكشف الضر، وأَمِن المصريون على الأنفس والأموال، وعلى الصحة بوجه عام.

نعم؛ هذا كلام يُكتَب في بعض الصحف ويستطيع الذين يكتبونه أن يطمئنوا إلى أنفسهم، ويستريحوا إلى ضمائرهم وينظروا إلى وجوههم في المرآة، وقد نفهم ألا يستخذي الذين يكتبون هذا الكلام عن لقاء الناس، فهم عند الناس أبرياء؛ لأن الناس لا يقرءون ما يكتبون ولا يعلمون بما يهذون به، ولكن الذي لا نستطيع أن نفهمه ولا أن نسيغه هو أن تطيب الراحة، والطمأنينة إلى النفس والضمير، لقوم يبيحون لأنفسهم هذا العبث بالعقول وهذا الضحك على الأذقان؛ لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يرضوا هؤلاء الذين يمكنونهم من أن يدفعوا عن أنفسهم ألم الجوع.

كثير على مصر حقًّا أن يكون بين أبنائها من يزعم لها أن الوزارة القائمة خليقة بالثناء؛ لأنها أنقذت القاهرة من خطر المجاري، وردَّتْ عن أهلها هذه الجنود البشعة التي يثيرها هذا الخطر فيفسد بها الجو، ويملأ بها الهواء ويلوث بها الماء ويسلطها على نفوس الأبرياء.

كثير على مصر حقًّا أن يستطيع بعض أبنائها أن يزعم لأهل القاهرة أن الوزارة قد أنقذتهم من هذا الشر، وهم يرونه بأعينهم ويحسونه بأنوفهم، ويضطربون له إذا أصبحوا، ويأرقون له إذا أمسوا، ويحيون حياة كلها تنغيص إن خرجوا من دورهم أو استقروا فيها، على حين ينعم الوزراء بالحياة الهادئة المطمئنة، وبالترف الناعم اللذيذ، في ثغر الإسكندرية الجميل.

كثير جدًّا على مصر أن يوجد بين أبنائها من يمجد المُقصِّر، وهو مُغْرِق في التقصير، ويحمد المتهاون وهو غارق في التهاون، ويطلب من المصريين البائسين أن يرضوا عن وزرائهم المقصرين، وألا يكتفوا بالرضا، وإنما يضيفون إليه الحمد والشكر والثناء، ومن يدري؟! لعلهم يطلبون إلى المصريين غدًا أن يقيموا الصلاة في المساجد، والكنائس، يضرعون فيها إلى الله، أن يزيد الوزراء نعمة على نعمة، وترفًا إلى ترف؛ لأنهم أنقذوا أهل القاهرة من الشر، ودفعوا عن حياتهم وصحتهم كل مكروه!

يجب أن يكون المصريون قد هانوا على هؤلاء الكتاب حقًّا، أو أن يكون هؤلاء الكتاب قد هانوا على أنفسهم حقًّا، فليس من الممكن أن يصدر هذا العبث بالعقول عن هؤلاء الناس إلا إذا كانوا قد هانوا على أنفسهم فهم لا يقدرون حياء، أو هانت عليهم أمتهم فهم لا يرجون لها وقارًا.

إنا لنحرص أشد الحرص، على حمد الوزراء والثناء عليهم، فضلًا عن تشجيعهم وتسجيل الفضل لهم، ولكننا نحب أن نرى لهم فضلًا يستحق التسجيل، وبلاء يستوجب الثناء، وغناء يستحق الشكر والتقدير، نحب على أقل تقدير أن نشعر بأنهم يشاركون الناس، فيما يلقون من خطب، ويألمون معهم بما يحتملون من عناء، ويشاطرونهم بعض ما يلم بهم من الشقاء، يجب أن يشعر الناس بأن الوزراء المصريين يشقون مع المصريين ويألمون معهم، نحب أن يعلم الناس أن أهل القاهرة لم يُترَكوا لما يلم بهم من الخطر يشقون به وحدهم، ويشفقون منه وحدهم، وإنما أقبل الوزراء وكبار الموظفين فأقاموا معهم، وشاركوهم في احتمال ما يحتملون، وقد خفَّتْ وطأة الصيف واعتدل جو القاهرة لولا هذا الهواء الموبوء الذي أفسدته المجاري.

فليظهر الوزراء لنا مشاركتهم للمصريين وإخلاصهم في هذه المشاركة وحرصهم على أن يؤدوا الواجب — لا نقول: الواجب الوطني العام، بل نقول: واجب منصبهم الخاص — فيسرعوا إلى المنكوبين فيقيموا معهم.

نحب أن نرى هذا لنعرف أن الوزراء منا وأننا منهم، وأنهم يألمون لآلامنا ويشقون لشقائنا، ولكن ماذا نرى؟! نرى الوزير المختص يزور القاهرة لمامًا، ونرى رئيس الوزراء يقضي في القاهرة ساعات، ونرى الوزراء الآخرين يشفقون من القاهرة إشفاقًا، ويعرضون عنها إعراضًا، نستغفر الله، بل نرى مدير مصلحة الصحة نفسه مقيمًا في الإسكندرية لا يبرحها، يشرف على القاهرة من بعيد، ويحمي حياة أهلها بالتليفون، ثم يطلب إلى خصوم الوزارة أن يكذبوا على أنفسهم وعلى الناس؛ فيزعموا أن القاهرة قد أُنقِذَتْ من الخطر، وأن يضللوا أنفسهم ويضللوا الناس فيسجلوا للوزراء فضلًا، لم يُتَحْ لهم وعملًا لم يُقْدِموا عليه، ثم يثنوا بعد ذلك على الوزراء، ويُقَدِّموا إليهم من الزهر طاقات وأكاليل.

يجب أن يشعر الوزراء بأن أهل القاهرة يلاحظون في ألم لاذع أن وزراءهم ينعمون بالهواء الطلق، والنسيم العذب، والحياة الحلوة، والبحر الجميل، والترف الذي لا حد له، على حين يشقون هم بما لا ينبغي أن يشقى به أحد، في هذا العصر وفي بلد متحضر، تنيف ميزانيته على الثلاثين من الملايين، وتُجْبَى فيه الضرائب في غير رفق ولا هوادة، ويزعم حكامه للناس أنه قد بلغ من الرقي ما بلغه غيره من أهل البلاد الراقية المتحضرة من وراء البحر.

يجب أن يشعر الوزراء بأن أهل القاهرة لا يصدقون أنهم يشاركونهم حقًّا في محنتهم ويرثون لهم حقًّا مما ألم بهم من الخَطْب، وإنما هم يعتقدون أن الوزراء لا ينظرون إلى هذه المحنة الخطيرة على أنها كارثة وطنية أو هم لا يستطيعون أن يتصوَّروا كارثة وطنية وإنما هي أوامر تصدر، وأموال تُعتمَد، وأوراق تُمضَى، واعتقاد بعد ذلك بأن الواجب قد أُدِّيَ وبأن من أدى الواجب خليق أن يستمتع بالراحة والترف والنعيم.

ما هكذا يؤدي الوزراء واجبهم في البلاد المتحضرة التي تُقدَّر فيها كرامة الإنسان، وتُحفَظ فيها حقوق الشعب وتُرعَى فيها حرمات الحياة.

لقد نشرت الصحف أن رئيس الوزراء كان يريد أن يذهب إلى دمياط في سفينة تترجح به على ظهر النيل، ثم بدا له فأرجأ هذه الرحلة، فظن الناس أنه سيأتي إلى القاهرة مع زملائه ليقيموا فيها ويشرفوا من كثب على ما يتخذ لإنقاذها من الإجراء، ولكنهم لم يلبثوا أن تبينوا أن رئيس الوزراء وزملاءه مقيمون في الإسكندرية لا يريمون، شهد بعضهم مأدبة نائب المندوب السامي يوم الأربعاء، وسيشهد بعضهم الآخر مأدبة أخرى يوم الثلاثاء، وسينتظر الباقون منهم مأدبة ثالثة يدعون إليها في يوم ثالث! وأهل القاهرة يشقون بهذه الأشباح التي تضطرب في جوِّهم، حين يصبحون وحين يمسون، أشباح الوباء وما يستتبعه الوباء.

كلا؛ لا ينبغي أن تطلب صحف الوزارة إلى خصوم الوزارة أن يسجلوا للوزراء فضلًا أو يحمدوا للوزراء بلاء، وإنما ينبغي أن تقول هذه الصحف للوزراء ولكبار الموظفين ولمدير مصلحة الصحة: ليس لكم في الإسكندرية مقام، وإنما مقامكم وأعمالكم وواجباتكم في القاهرة بين أهلها المنكوبين؛ فأسرعوا إلى العودة من مصيفكم، فقد يظهر أن الحياء يحرم عليكم أن تنعموا الآن بالاصطياف.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.