أصدر مولانا العالم العلامة، والحبر البحر الفهامة، زين الكلام والمُتكلمين، وشمس الإسلام والمسلمين، والمُتأدب بآداب الدين، الشيخ محمد أحمد عرفة، وكيل كلية الشريعة في الأزهر الشريف، كتابًا صال فيه وجال، وطلب الطعن والنزال؛ ولجَّ في الحرب والقتال، وألحَّ في الضرب والنِّضال، وزَعَمَ أنَّه يُدافع به عن القرآن الكريم، ويَحمي به حوزة الدين الحنيف.

واحتسب أول الأمر فأذاع كتابه في الناس بغير ثمن، وأهداه إلى الصُّحف بغير حِسَابٍ، وقدَّمَ مئات من نسخه إلى وزير التقاليد ليُذيعها في مدارس المُسلمين ومَكاتبها، وتَلقَّى من وزير التقاليد حمدًا وشكرًا، ووجد من بعض الصحف إعلانًا ونشرًا، ولكنه لم يسمع مني كلمة في هذا الكتاب، فضاق بذلك فيما يظهر، واشتد عليه هذا الضيق، فما هي إلا أن نشر الكوكب مَقالًا لم أطلب نشره ولا قرأته، حتى انتهز مولانا العالم العلامة، والحبر البحر الفَهَّامة، فُرصة هذا المَقال ليغزونا في ديارنا، وليجلبَ علينا بِخَيْلِهِ ورَجْلِهِ، وليُلزمنا الحجة، ويأخذنا بالبرهان حتى في الصحيفة التي نكتب فيها.

واعتز الشيخ بالقانون، وما كان الشيخ في حاجة إلى القانون، واحتمى الشيخ بالسلطان، وما كان الشيخ في حاجة إلى السلطان؛ فقد وسعناه في البلاغ والشعب، ووسعناه في غير البلاغ والشعب؛ فأهون علينا بأنْ نَسَعَه في الكوكب أيضًا، والشيخ يُطالبنا بالرَّد، ويُلِحُّ علينا في النقد، والشيخ يتحدى ويتصدى، والشيخ يزعم أنه لم ينته إلى الإقناع، بل انتهى إلى الإفحام، والشيخُ يُعْلِنُ الانتصار، ويلهج بالفخار، وينتظر الثواب من مجزلِ الثواب. وكم كنتُ أحب أن أناقض الشيخ! وكم كنت أحب أن أناظر الشيخ! وكم كنت أُحِبُّ أن أُظهر الناس على سخف الشيخ وتهافُته، وعلى ضعف الشيخ وتهالُكه! ولكن أمرين اثنين يحولان بيني وبين ذلك:

الأول: أن كتاب الشيخ يقوم على الكذب والاختلاق؛ فقد كَذِبَ عليَّ الشيخُ أو كَذِبَ له مَن تحدث إليه، بأني قلتُ للطلاب في الجامعة شيئًا مما أضاف إليَّ في كتابه، ومما أضاف إليَّ من قبله نائب من النواب لا يَقِلُّ عن الشيخ علمًا ودينًا، ولا ينقص عن الشيخ إيمانًا ويقينًا، ولا ينزل عن الشيخ بيانًا وتبيينًا. لم أقل شيئًا ما من هذا الهُراء الذي أُضيفَ إليَّ في كِتابِ الشيخ الورع، وخطبة النائب التقي، وإنما هي أكاذيب لا أعرف من كذبها، وأضاليل لا أعرف من انتحلها.

وأنا — والحمد لله — أعلم بالإسلام، وأحسن رأيًا في القرآن من أن أقول فيهما هذا الهذيان، وأنا — والحمدُ لله — أحسنُ رأيًا في نفسي، وفي تلاميذي، وفي المثقفين من المُسلمين من أنْ أَتَحَدَّث إلى أحدٍ بمثل هذا الحديث الذي لا يصدر إلا عن الجُهَّالِ والضُّلالِ أو الحمقى والمجانين.

ولو أني أردت أن آخذ الشيخ الورع النزيه والنائب الصالح التقي بما افتريا عليَّ من بُهتان، وما اقترفا عليَّ من إثم، وما أذاعا فيَّ من فاحشة؛ لوقفتهما أمام القضاء العدل، فاسودت يومئذٍ وجوه وابيضت وجوه، وعلم الشيخُ وصاحبُه أنَّ لعنة الله ونقمة العدل على الكاذبين، ولكني آثرت أن ألقى جَهْلَ الجاهلين بالحلم، وعدوان المُعتدين بالعفو، وأنْ أحتمل الأذى في سبيل الحَقِّ، وقديمًا عَرَفَ المسلمون مَنْ صبروا على كيد الكائدين، وكذب الكاذبين.

ومن حقي أن أجد اللذة في التأدب بآداب الإسلام، وأنْ أَشْعُر بالسَّعادة في الأخذ بما أمر الله ونبيه أن يُؤخَذ به، فآخذ العَفْوَ، وآمُر بالعُرف، وأُعْرِض عن الجاهلين، والله حسيب الشيخ وصاحبه إن دافعا عن الدين ولم يتأدبا بآدابه، وذادا عن القرآنِ ولم يتعظا بموعظته حين يقول: () (الحجرات: ٦).

وأنا أعلم أنَّ الشيخَ وصاحبَه لن يندما في هذه الأيام التي نعيش فيها؛ لأني لم أدفعهما إلى القضاء، ولأنَّ الظروف من حولهما تمدُّ الطغاة في طغيانهم، وتشجع الآثمين على آثامهم، ولكني أعلم أن الله يُمْلي للظالمين، وأنَّ كيده بعد ذلك متين، وأنهما إنْ لم يندما الآن فسيندمان غدًا، وسيعلمان أنهما دافعا عن الدين في غير موضع للدفاع؛ فلينعم الشيخ وصاحبه برضا الرَّاضين عنهما، وثناء المثنين عليهما، وتشجيع المُشجعين لهما؛ فإنَّ حبل الكذب قصير، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.

كذب كل ما أضاف الشيخ وصاحبه إليَّ، وما دُمتُ لم أقله، وما دمتُ لا أراه؛ فليس لي أن أدفع عنه، ولا أنْ أُنَاضِلَ دونه، ولا أنْ أُقيم عَلَيهِ حُجَّة وبُرْهانًا، فليَبْحَث الشيخُ عن قائل هذا الكلام، وليُوجه إليه ما وجه في كتابه من نقد ونقض، ومن تشهير وتكفير؛ فإنه رجل غيري لا صلة بينه وبيني.

هذا أحد الأمرين، فأما الأمر الآخر فهو: أنَّ عقل الشيخ لا يسع فهم الصلة بين العلم والدين، ولا يستطيعُ أنْ يسيغ حديث العُلماء إذا تكلموا في العلم، وإنما قصاراه أن يفهم أو يتكلف الفهم لما حفظ في الأزهر وقرأ من هذه الكتب القديمة التي أُحبها وأُكبرها، ولكني لا أكتفي بها ولا أقف عندها.

ولو عرفتُ في الشيخ استعدادًا لفهم الصلة بين العلم والدين، ولإساغة لُغة العُلماء إذا تكلموا في العلم؛ لبينتُ له في وضوح وجلاء أن ليس في كتاب «الشعر الجاهلي» شرٌّ على الدين، ولا كيدٌ له، ولا خروجٌ عليه؛ لأنَّ طُرق الدين في الإخبار شيء، وطرق العلم فيه شيء آخر.

وليس من الحقِّ كما يظن الشيخُ أنَّ قضايا العلم يقينية، بل الحق أنَّ قضايا العلم ظنية، وآية ذلك أنها تتغير مع تغير العصور، وتقدم العقل الإنساني وقدرته على البحث والاستنباط. ومن هُنا لم يكن من الخير ولا من المنفعة أن نصطنع التأويل للمُلاءمة بين العلم والدين؛ فالعلمُ لا يحتمل التأويل، وتأويل النصوص الدينية للمُلاءمة بينها وبين العلم، كُلَّما تغير أو تبدل، مُفْسِدٌ لهذه النصوص، غاضٌّ منها، مُخْرِجٌ لها عما ينبغي لها من التقديس.

فالخير أن يقبل الدين كما هو، وأن يُفْصَل بينه وبين العلم، والخير ألا يتقيد العُلماء بنصوص الدين في بحثهم ودرسهم؛ لأنَّ علمهم ظني قابل للتغيير، والدين يقين لا سبيل للتغيير عليه.

ولكني أُنسيتُ، وأخذت أتحدث إلى الشيخ فيما لا يُحسِنُ فهمَه، ولا يَقْدِر على إساغته، كما لم يحسن فهمه ولم يقدر على إساغته أصحابه الذين سبقوه إلى هذا الجدال.

فليطمئن الشيخ والذين يدفعونه ويشجعونه ويمدونه بالمعونة والتأييد؛ فلنْ أُبدي لهم بعد اليوم صَفحًا، ولنْ أكشف لهم بعد اليوم قناعًا؛ حتى ولو قتلهم السُّلُّ من بُغضي والحقد عليَّ، والله — عز وجل — خليق أنْ يُعين كلًّا على كل، وأن ييسر كلًّا لما خُلق له، وأن يتلقى بالمثوبة والحُسنى أشدنا حبًّا للإسلام، وأكثرنا إكبارًا للقرآن، وأحسننا بلاءً في الدفاع عن الدين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.