تكتسب مقولة «جسدك يعكس طعامَك» مصداقية خاصة عندما تَظهر ميكروبات الأمعاء في الصورة.

أمعاؤك موطن لتريليونات من البكتيريا وغيرها من الميكروبات التي تفُوق خلايا جسمك عددًا بنسبة عشرة إلى واحد. يساعد ذلك الميكروبيوم — المصطلح الجامع الذي يُطلَق على الميكروبات وجيناتها — على تحليل الطعام الذي تتناوله، إلى جانب قيامه بأدوار أخرى كثيرة. إنه يبدو كعضو من أعضاء جسدك، وإن كان يتألَّف من جيوش من الخلايا غير البشرية.

يمكن للميكروبيوم أن يتغيَّر أيضًا … وبسرعة.

أثبت لورَنس ديفيد من جامعة ديوك وبيتر تيرنبو من جامعة هارفرد — من خلال وضع عشرة متطوعين إمَّا على نظام غذائي نباتي أو لاحم — أنَّه عندما يتغير النظام الغذائي، تستجيب بكتيريا الأمعاء لذلك التغيُّر بأسرع ما يمكن. ففي غضون أيام، تدخل بعض أنواع البكتيريا دائرة الضوء، بينما يخبو بريق أنواع أخرى. تنشِّط هذه البكتيريا جينات مختلفة، وتنفِّذ عمليات أيضية مختلفة، وتفرز موادَّ مختلفة. يبدو أنَّ الميكروبيوم يمكنه التحوُّل سريعًا ما بين النظامين الغذائيين النباتي والحيواني.

يقول ديفيد: «يترتب على تلك الاستجابة السريعة تبعات تطوُّرية مثيرة للاهتمام.» إن نظامنا الغذائي متوازن إلى حدٍّ كبير حاليًّا، إلا أنَّ أسلافنا كانوا يعتمدون على نظام غذائي نباتي ثابت تتخلله كَمِّيَّاتٌ وفيرة وقتيَّة من اللحوم. ويضيف: «تلك القابلية لدى ميكروبيوم الأمعاء على التفاعُل سريعًا مع تغيُّرات النظام الغذائي ربما تكون قد أضافت حائط صدٍّ غذائيًّا جديدًا، وأمدَّت الإنسان القديم بمرونة غذائية أكبر.»

تقول كارلوتا دي فيليبو من مؤسسة إدموند ماخ في إيطاليا: «لقد أثبتوا بالدليل المُقنِع، ومن خلال تجاربَ بسيطة حاسمة أنَّ النظام الغذائي له دَور رئيسي في تحديد طبيعة الميكروبيوم.»

إلا أنَّ أولوف بيدرسون من جامعة كوبنهاجن أعرب عن «قلق بالغ حيال سلامة نتائج التجربة وإمكانية تعميمها». يقول بيدرسون إنَّ كل من يدرس ميكروبيوم الأمعاء يعلم أنه يختلف كثيرًا من شخص لآخر؛ ومن ثَمَّ ليس من الواضح ما إذا كان يمكن تعميم تلك النتائج على أشخاصٍ آخرين غير العدد الصغير المشارك في الدراسة. ويقول: «من المهم أن نُجريَ تجاربَ مشابهة على عينات أكبر.»

ليست هذه أول مرة ينظر فيها العلماء في مسألة تأثير النظام الغذائي على ميكروبيوم الأمعاء؛ فقد أثبتت دراسات أخرى أننا إذ ننمو، تُستبدل بالبكتيريا المختصَّة بهضم الحليب بكتيريا أخرى تهضم العناصر الغذائية الأكثر تعقيدًا والموجودة في الأطعمة الصُّلبة. فإذا كان اعتمادنا الأساسي على النباتات — على غرار الأفريقيين الذين يقتاتُون بالصيد وجمع الثِّمار — فستمتلئ أمعاؤنا بميكروبات مختصَّة بهضم النباتات تعمل على تكسير الألياف. وإذا نشأنا على نظام غذائي غربي — أي غني بالبروتين الحيواني والسكريات والدهون — فسينتهي بنا المطاف بميكروبيوم أقلَّ تنوُّعًا، وأقدر على امتصاص ذلك الغذاء الغني بالطاقة. وعندما يتبع الناس نظامًا غذائيًّا منخفض السعرات الحرارية، ويفقدون الوزن، تتحوَّل الميكروبات التي تستوطن الأمعاء إلى بكتيريا مرتبطة بالرشاقة وليس السِّمنة.

إلا أنَّ تلك الدراسات كلها تناولت التغيُّرات طويلة الأجل التي تحدُث على مدى أسابيع أو شهور أو على مدى الحياة. أما فريق ديفيد فأراد معرفة ما يحدث في غضون أيام. فإذا ملأتَ أمعاءك بنوعيات مختلفة من الطعام، فما الفترة التي سيستغرقها ظهور استجابة الميكروبيوم؟

***

درس الفريق ذلك عن طريق الاستعانة بعشرة متطوِّعين كانوا على استعداد لجمع عيِّنات بُراز يومية. (تسعة من المتطوعين كانوا من آكلي اللحوم والنباتات، بينما كان العاشر نباتيًّا طيلة حياته. يقول ديفيد: «كان لذلك أهمية كبيرة؛ إذ إنَّ الميكروبيوم الموجود في أمعائه كان مختلفًا إلى حَدٍّ كبير عن بقية المتطوعين. ونظن أنَّ إجراء تحليل أوسع نطاقًا يركز على مجموعة من النباتيين سيكون موضوع دراسة متابَعة مثيرة للاهتمام».) اتَّبع كل منهم نظامين غذائيين مختلفين لمدة خمسة أيام متصلة: أحدهما نباتي غني بالحبوب والبقوليات والفاكهة والخضراوات، والآخر حيواني يتألَّف من اللحوم والبيض والجبن.

بصفة عامة، أسفر النظام الغذائي الحيواني عن تغيُّرات أكثر جذرية من النظام الغذائي النباتي؛ إذ أدى إلى ظهور ميكروبيوم أمعاء أكثر تنوعًا وزاد وفرة ٢٢ نوعًا (مقارنةً بثلاثة أنواع فقط في حالة النظام الغذائي النباتي). كانت بعض تلك الزيادات سهلة التفسير. فعندما نتناول أطعمة غنيَّة بالدهون، نفرز المزيد من عُصارة المرارة (الصفراء)، وهي سائل مُرٌّ يساعد على تكسير الدهون. تلك المادة تُعيق نمو أنواع كثيرة من البكتيريا المعوية، فلا عجب في أنَّ الأنواع التي زاد انتشارُها أثناء تناول الغذاء الحيواني كانت تلك الأنواع القادرة على مقاومة عصارة المرارة.

إحدى الجراثيم المقاوِمة لعُصارة المرارة — بيلوفيلا وادزورثيا — يمكن أن تتسبب في إصابة الفئران بداء الأمعاء الالتهابي. وثمة جراثيم أخرى تُنتِج موادَّ من قبيل حمض الديوكسيكُوليك (دي سي إيه) الذي يمكن أن يزيد مخاطر الإصابة بسرطان الكبد (لدى الفئران أيضًا). لم يتَّضِح إذا ما كانت تلك المخاطر تنطبق على البشر أم لا، إلا أنَّ النتائج تشير فعلًا إلى احتمال تفاعل الميكروبيوم مع تغيرات النظام الغذائي على نحو قد يسبب ضررًا.

وجد فريق ديفيد وتيرنبو أيضًا أنَّ بكتيريا الأمعاء المتحورة قد أدت مهامَّ مختلفة. فعند اتباع النظام الغذائي النباتي، ازدادت كفاءتُها في تكسير النشويات، وعند اتباع النظام الحيواني تميزت في هضم البروتين. في الأيام التي ازداد فيها تناول اللحوم عملت على تنشيط المزيد من الجينات المسئولة عن تكسير المواد الكيميائية الضارة الموجودة في اللحم المحروق، والجينات المسئولة عن تكوين الفيتامينات.

حدثت تلك التغيرات بسرعة فائقة؛ فبعضها ظهر من أول يوم. وبحلول اليوم الرابع، كان بإمكانك أن تأخذ عينة براز، وتعدِّد الجينات النشطة بها، وتذكر بدقة تامة النظام الغذائي المتَّبع.

والحقيقة أنَّ المتطوعين عندما اتَّبَعُوا نظامًا غذائيًّا قائمًا على النباتات، سرعان ما تشابهت الجينات النشِطة في بكتيريا الأمعاء مع نظيرتها في الثدييات آكِلة النباتات. وعندما تناول المتطوعون غذاءً غنيًّا باللحوم، صار ميكروبيوم الأمعاء أشبه بنظيره في آكلي اللحوم. يقول ديفيد: «ينقِّح ذلك فكرة سائدة مُفادُها أنَّ الميكروبيوم في أمعاء الحيوانات يعكس ملايين السنين من التطوُّر المشترك.» فالنتائج التي تَوصَّل إليها تشير إلى أنَّ النظام الغذائي يمكن أن يسفر عن اختلافات مشابهة في غضون بضعة أيام.

بعد يومين فقط من توقُّف المتطوِّعين عن اتباع تلك الأنظمة الغذائية، عادت الأمور إلى نِصابها الطبيعي. يبدو أنَّ ميكروبيوم الأمعاء كائن متقلِّب، سهل التحوُّر ولكن بصفة مؤقتة.

وجد الفريق أيضًا أنَّ طعامنا لا يكتفي بتغيير الميكروبات المتواجدة فعلًا في أمعائنا، وإنما يضيف بعض الميكروبات الجديدة أيضًا. فقد أسفر النظام الغذائي الحيواني عن ظهور موجة من البكتيريا المهاجرة التي توجد في الزبادي والجبن واللحوم المقدَّدة (أو تستخدم في صنعها). أيضًا أظهر النظام الغذائي النباتي فيروسًا يصيب السبانخ. (إذا كانت مثل هذه الفيروسات تستطيع أن تتكاثر داخل الأمعاء، فمعنى ذلك أنَّ أمعاء آكِلي النباتات، مثل الأبقار، يمكن أن تكون بوتقة انصهار ضخمة؛ حيث تتلاقى فيروسات قادمة من نباتات مختلفة وتتبادل الجينات بعضها مع بعض.) يقول ديفيد: «أثار ذلك دهشتنا؛ إذ كنَّا نظن أن الأحماض داخل القناة الهضمية تقضي على الكثير من الميكروبات المنقولة بالغذاء. يعضِّد ذلك فكرة أنَّ المعينات الحيوية يمكن أن تؤثِّر على ميكروبيوم الأمعاء؛ إذ يمكن للميكروبات التي تدخل الجسم عن طريق الفم أن تظل حية ونشطة داخل الأمعاء.»

***

يُفتَرَض بالنظامين الغذائيين المتبَّعين في التجربة أن يمثِّلا طرفي النقيض، والنتائج لا تخبرنا بالضرورة أنَّ أحدهما أفضل من الآخر، لا سيما أنَّ العينة صغيرة جدًّا. المقصود هنا أنَّ ميكروبيوم الأمعاء أكثر مرونة مما كنا نظنُّ سابقًا. فقد أثبتت دراسة حديثة أن معظم الأنواع الموجودة في أمعائنا تبقى فيها عقودًا أو أكثر. ولكن على الرغم من الثبات الواضح لقائمة الأنواع الموجودة، فإنَّ أعدادها النسبية تتأرجَح كثيرًا، ويمكن للوفود الجديدة المنقولة بواسطة الطعام أن تجد لنفسها موطئَ قدم ثابتًا.

فكِّرْ في تبعات ذلك. ربما ترى نفسك بشرًا بداخله بعض الميكروبات، لكن يمكنك أن ترى نفسك كائنًا خارقًا أو مستعمَرة من الخلايا المتعاونة، بعضها بشري ومعظمها ميكروبي.

وإذا كان ذلك صحيحًا، تثبت دراسة ديفيد وتيرنبو أنَّ جسدك يتغير تمامًا عندما تُغيِّر نوعية الطعام الذي تتناوله.

You Are What You Eat, All 100 Trillion of You by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. December 12, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.