ربما يكون آدم سميث هو أشهر الأسماء المعروفة بين الاقتصاديين، ويشاركه في هذه الشهرة كل من كارل ماركس وإلى حد ما جون ماينور كينز. ومع شهرة هؤلاء الأعلام الثلاثة وتكرار الإشارة إليهم في مختلف الكتابات والأحاديث، فإن عدد من اطلع على مؤلفاتهم وقرأها ما زال محدودًا. ويبدو أن هناك علاقة عكسية بين تكرار الإشارة إلى هؤلاء الكتاب وبين الاطلاع، ومن باب أولى، التمعن في كتابات هؤلاء المفكرين. وليس الحال أسعد كثيرًا مع شكسبير أو ابن خلدون. فهي أسماء تتردد على ألسنتنا دون قراءة أو اطلاع على ما جاء في مؤلفاتهم.

ومن هنا فكثيرًا ما يُنسب إلى هؤلاء الكتاب ما لم يقولوه، وحتى ما لم يَرِد على أذهانهم. وأذكر بالنسبة لآدم سميث، أنني كنت في حديث تلفزيوني، وكنت أقول إن «اقتصاد السوق» لم ينشأ نتيجة نظرية لمفكر أو فيلسوف، وإنما هو ظاهرة اجتماعية ولدت نتيجة لتطور احتياجات المجتمع. فقاطعني المذيع قائلًا: «وماذا عن آدم سميث أليس هو صاحب نظرية اقتصاد السوق؟» هذا ما قاله المذيع، وهو طبعًا غير صحيح.

فالصحيح أن ظاهرة «السوق» وكذا «النقود»، هي نظم اجتماعية ولدت وتطورت في مختلف الجماعات الإنسانية بشكل تدريجي نتيجة للاحتياجات، فهي الحال كذلك ظواهر اجتماعية جاءت وليدة التطور. وعندما جاء آدم سميث وأصدر كتابه عن «ثروة الأمم» في ١٧٧٦، كانت السوق قائمة ومعروفة في الجماعات الإنسانية منذ آلاف السنين، وكل ما فعله آدم سميث هو أنه «شرح» هذا النظام، مبينًا كيف أن هذا «الاقتصاد» يستطيع أن يحقق تراكم الثروات عن طريق الكفاءة في الإنتاج نتيجة لتقسيم العمل. فآدم سميث ليس أبًا «لاقتصاد السوق» الذي ولد ولادة طبيعية استجابةً لاحتياجات المجتمعات، وإنما هو في الحقيقة «ابن السوق» حيث ولد في ظل اقتصاد قائم للسوق، وحاول تفسيره وبيان أوجه القوة في هذا النظام كما أوجه الضعف، والسياسات المناسبة لزيادة كفاءته. وربما ما يتناساه معظم المتحدثين عن آدم سميث هو تجاهلهم ما أورده عن أوجه قصور هذا النظام وما يمكن أن ينشأ عنه من مشاكل. ولذلك فهناك فجوة كبيرة بين حقيقة ما قاله آدم سميث، وبين الشائع عنه والمنسوب إليه.

وكان آدم سميث قد عُين أستاذًا «لفلسفة الأخلاق» وليس الاقتصاد — في جامعة جلاسكو باسكتلندا. وظهر أهم مؤلف لسميث عن «نظرية الشعور الأخلاقي» قبل كتابه عن «ثروة الأمم» بما لا يقل عن خمس عشرة سنة. وكان من أهم ما ورد في ذلك الكتاب هو الحديث عن أهم بواعث الإنسان في سلوكه، حيث أشار بوجه خاص إلى «حبه للمبادلة». فعند آدم سميث الرغبة في التبادل هي أقرب إلى الغريزة الطبيعية في السلوك الإنساني، ومن ثم فلا غرابة أن يظهر اقتصاد السوق أو التبادل في مختلف المجتمعات، باعتباره انعكاسًا لهذا الباعث النفسي عند معظم الأفراد. وعندما بدأ يشرح «ثروة الأمم» في كتابه الأخير، فإنه أكد، على خلاف الفكر الاقتصادي السائد آنذاك (ما عرف باسم «التجاريين»)، أن الثروة الحقيقية للأمم ليست في الذهب والفضة كما هو الحال بالنسبة للتاجر الفرد، وإنما ثروة الأمم هي ما ينتج من سلع وخدمات. فالثروة هي مجموع الإنتاج القومي، وليس مجموع النقود المتداولة. ومن هنا بدأ يتساءل عما يساعد على زيادة حجم الإنتاج وكفاءته، ووجد تقسيم العمل والتخصص يساعد على ذلك بشكل كبير، وبالتالي فإنه من خلال اقتصاد السوق تتحقق الثروات على نحو أفضل مما يحققه الاقتصاد المعيشي في ظل الاكتفاء الذاتي. فالتبادل يساعد على زيادة الكفاءة.

ولكن هل معنى ذلك أن آدم سميث كان غافلًا عن عيوب «اقتصاد السوق» مؤمنًا إيمانًا أعمى بأن «السوق» تحقق كل الإنجازات وتصحح أخطاءها بنفسها بلا حاجة إلى تدخل الدولة؟ وهل كان آدم سميث واثقًا ثقة كاملة في رجال الأعمال وقدرتهم الفائقة على تحقيق الصالح العام؟ وهل كان آدم سيمث يعتقد أن الاقتصاد الرأسمالي أو اقتصاد السوق قادر على تحقيق النجاحات باستمرار ودون حدود؟ الإجابة على كل هذه الأسئلة هي بالنفي، رغم أن الشائع هو أن كل هذا من أفكار آدم سميث.

كانت الدولة دائمًا عند آدم سميث هي العنصر الرئيسي لنجاح اقتصاد السوق، وعلم الاقتصاد السياسي عنده هو «فرع من علوم رجل الدولة أو المشرع» Statesman or Legislator. ومن هنا نجده يوجه خطابه في مؤلفاته إلى رجال الحكم وصناع السياسة. فسواء في كتابه عن «ثروة الأمم» أو ذلك في «نظرية الشعور الأخلاقي» أو «دروسه عن القضاء» فإنها جميعًا تقطع بأن العامل الرئيسي لنجاح اقتصاد السوق هو وجود دولة قوية قادرة على وضع قواعد السوق ورقابته والإشراف عليه والتدخل — عند الضرورة — لمنع الانحرافات فيه. وكان سميث يرى أن «الحرية الكاملة» Perfect liberty، وهم لا وجود له. وإذا كان سميث قد صرح بأنه «ليس بفضل كرم الخباز أو صانع الجعة ما تتوافر هذه السلع وإنما لرغبتهم في تحقيق مصالحهم الذاتية» وبذلك أشار إلى أن المصلحة العامة تتحقق عن طريق «اليد الخفية» للمصالح الخاصة، فإنه كان في نفس الوقت، مدركًا تمامًا لجشع رجال الأعمال ورغبتهم في استغلال المستهلكين، عندما يقول مثلًا: «إنه قل أن يجتمع رجال الأعمال للهو أو المرح دون أن يتآمروا لاستغلال المستهلكين ورفع الأسعار». وهكذا فإن آدم سميث لم يكن غافلًا عن طموحات رجال الأعمال بل مدركًا لضرورة تنظيم اقتصاد السوق وإخضاعه للرقابة والإشراف منعًا للاستغلال. ومن الأخطاء الشائعة مقولة «دعه يعمل دعه حر»، التي كثيرًا ما تنسب — خطأ — إلى آدم سميث رغم أنه بريء منها تمامًا. فهذه العبارة أطلقها أحد التجار Le Gendre في فرنسا ، ردًّا على الوزير كولبير الذي سأل في اجتماع للتجار: «ماذا تريدون من حكومة جلالة الملك؟» فرد عليه لوجاندر قائلًا: «دعنا نعمل» “Laissez nous faire”.

ولعله من المفيد هنا أن نتذكر أن آدم سميث — الذي صدر كتابه في نفس عام استقلال الولايات المتحدة — كان مؤيدًا لاستقلال المستعمرات في أمريكا، كما كان يعتقد أن الصين وهولندا أكثر تقدمًا من إنجلترا، وأن الصين اتبعت «الطريق الطبيعي» للتقدم عن طريق توسيع السوق الداخلية، في حين أن هولندا أخذت طريقًا «غير طبيعي» بالاعتماد على التجارة الخارجية.

كذلك فإن آدم سميث، شأنه شأن معظم الاقتصاديين الإنجليز، كان يرى أن النظام الاقتصادي الرأسمالي يتجه بطبيعته إلى حالة من الركود Stationary state حين تتضاءل معدلات الربح، وهي الفكرة التي استعارها كارل ماركس من الاقتصاديين البريطانيين المتشائمين حول اتجاه النظم الرأسمالية إلى الركود طويل المدى.

والخلاصة هي أن آدم سميث، شأن معظم الاقتصاديين التقليديين، لم يكن واهمًا أو غافلًا عن مشاكل اقتصاد السوق، ولم يكن مؤمنًا بأن هذا الاقتصاد جنة بلا مشاكل، ولكنه أدرك أيضًا أن «السوق» عنصر رئيسي في زيادة الكفاءة، على أن تقوم إلى جانبه، أو بالأحرى فوقه، سلطة الدولة التي تراقب السوق وتمنع انحرافاتها وتقوم باستكمال ما تفشل فيه السوق، وخاصة من حيث توفير السلع العامة Publicgoods، مثل التعليم والدفاع والبنية الأساسية والمشروعات الاستراتيجية. كذلك أدرك معظم هؤلاء الاقتصاديون أن السوق لا تفشل فقط في توفير هذه السلع العامة، بل كثيرًا ما يترتب عليها أضرار عامة أو ما عرف «بالسيئات العامة» Public Bads مثل تلويث البيئة. وفي مثل هذه الحالة الأخيرة فإن الدولة ليست مطالبة فقط باستكمال ما تعجز السوق عن تقديمه من «سلع عامة»، بل بإصلاح الأضرار التي تحدثها (السيئات العامة) وأن تحول دون وقوعها.

لقد جاء آدم سميث داعيًا للحرية الاقتصادية، ولكنه كان مدركًا أن لا وجود «للحرية الكاملة»، ولذلك فقد طالب «بالحرية المسئولة» تحت رقابة وإشراف دولة قوية وعاقلة. فاقتصاد السوق ليس نموذجًا مثاليًّا أو كاملًا ولا هو عقيدة دينية أو مذهبية لها كتاب مقدس وتعاليم ثابتة، فضلًا عن كهنة يحافظون على طهارتها، وإنما «اقتصاد السوق» هو ظاهرة اجتماعية، نشأت نتيجة احتياجات المجتمع، وتطور معها. وبقدر ما يبرزه هذا النظام من مزايا خلال الممارسة فإنه يستحق الرعاية والتشجيع، وفي نفس الوقت، فبقدر ما يكشفه من العيوب والعورات، فإنه يحتاج إلى المراجعة والتعديل والإصلاح. التغير والتطور هو سنة الحياة، والجمود مظهر الموت والفناء. و«اقتصاد السوق» ليس استثناء من ذلك، وهو محتاج دائمًا للمراجعة والتعديل. وهذا هو ما أدركه آدم سميث. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.