لعل خطورة داروين، بالمقارنة بغيره من العلماء، هي أنه أطلق اصطلاح «التطور»؛ ليصبح أحد المفاهيم الأساسية، والتي تجاوز الميدان الذي تحدث فيه (عالم الكائنات الحية). فمفهوم «التطور» لم يعد قاصرًا على الكائنات الحية، بل جاوزها إلى مختلف مظاهر الطبيعة؛ فالكون نفسه ليس ثابتًا أو سرمديًّا، بل هو أيضًا في تطور مستمر. وإذا كانت علوم البيولوجيا الحديثة، خاصة بعد اكتشافات العالِمَينِ: فرانس كريك Crick، وجيمس واطسن Watson عن الحمض النووي DNA والجينات والوراثة، قد فتحت مجالات جديدة لفهم ظاهرة التطور للكائنات الحية، فإن نفس المفهوم أصبح أساسيًّا أيضًا لفهم التطورات الكونية، فضلًا عن التغيرات الجيولوجية، فكل شيء يخضع للتطور. كذلك فإن التطور يمثل أيضًا أحد أهم خصائص التطورات المجتمعية، فكما تتطور الحياة الطبيعية، فهكذا أيضًا تتطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية؛ ﻓ () صدق الله العظيم.

وإذا تحدثنا عن الاقتصاد، فإنه، مثل كل شيء في الحياة، يخضع للتطور والتغير. ومن هنا أهمية النظرة التاريخية، وعدم التشبث بأمور عفا عليها الزمان، وتركيز الاهتمام على المستقبل دون إهمال دروس التاريخ؛ فالمستقبل هو ابن الماضي، وإن لم يكن بالضرورة صورة مكررة منه. ولذلك؛ فإن فهم الحياة الاقتصادية يتطلب إدراك قُوى التغيُّر والتطوُّر، ومحاولة اللحاق بها، وحُسن توظيفها.

ومادمنا نتحدث عن الاقتصاد والتطور؛ فإنه لا يمكن استيعاب هذه العلاقة دون أن نتعرض ـ بشكل أو آخر ـ لعدد من المفكرين والعلماء الذين لعبوا دورًا رئيسًا في ضبط هذه المفاهيم، وأهم هؤلاء هم — على التوالي: آدم سميث، مؤسس علم الاقتصاد الحديث، ومالتس، الاقتصادي البريطاني الذي ألهم داروين فكرة التطور من أجل البقاء، وكارل ماركس، الذي رأى — مبكرًا — أن الاقتصاد لا بد وأن يُفهَم من خلال إطار تاريخي يتحدد بمستوى التكنولوجيا السائدة، وأخيرًا: شارلز داروين، واضع نظرية التطور. وبطبيعة الأحوال، فإنه لا يمكن في مقال قصير في جريدة يومية إعطاء الموضوع ما يستحقه من اهتمام، ولكن لا بأس من الإشارة إلى بعض المعالم الرئيسة لأفكار هؤلاء المفكرين، والتركيز على أهمية معالجة الاقتصاد من خلال منظور تاريخي متطور، وليس وفقًا لنظرة عقائدية جامدة.

أما آدم سميث، مؤسس علم الاقتصاد المعاصر، فقد مهد لكتابه الأساسي في الاقتصاد «ثروة الأمم»، بكتاب سابق عن «نظرية الشعور الأخلاقي»، أوضح فيه أن الطبيعة البشرية تحدد سلوك الإنسان بعدة بواعث: حب الذات، التعاطف مع الغير، الرغبة في الحرية، الإحساس بالملكية، عادة العمل، الميل للمبادلة. وجاء كتابه عن «ثروة الأمم» مُوضحًا أن أهم ما ساعد الإنسان على النجاح الاقتصادي، وزيادة كفاءته الإنتاجية ترجع إلى التخصص وتقسيم العمل، وبالتالي ظهور المبادلة وقيام الأسواق. وجاءت الإضافة الرئيسة لسميث من تأكيده على أنه من خلال المبادلة في الأسواق؛ فإن حافز الكسب وتحقيق الربح سيؤدي — عن طريق المنافسة — إلى زيادة الإنتاجية، وبالتالي تحقيق المصلحة العامة. وهذا هو مفهوم «اليد الخفية» لدى آدم سميث.

وبالنسبة لمالتس، وقد جاء بعد سميث بما يقرب من نصف قرن، فقد لاحظ أن هناك اختلالًا في علاقة البشر مع الطبيعة؛ فالبشر يتزايدون بكثرة وبسرعة، ولا تتجاوب الطبيعة دائمًا مع هذه الزيادة، مما يؤدي إلى ضرورة تحقيق التوازن بينهما من خلال موانع إيجابية وسلبية، بضبط التزايد السكاني أو الكوارث البشرية من حروب أو مجاعات.

وبعد ظهور كتابات مالتس بما يقرب من ربع قرن آخر، ظهر الإعلان الشيوعي لماركس وأنجلز، ثم كتاب ماركس عن «رأس المال». وترجع أهمية كتابات ماركس إلى اعترافها بأهمية التطور التاريخي لفهم الاقتصاد، وأن المحرك الرئيس للحياة الاقتصادية هو تطور أدوات الإنتاج، أي التكنولوجيا. وبذلك أدخل ماركس فكرتين أساسيتين على الفكر الاجتماعي؛ هما — على التوالي: فكرة المراحل التاريخية وأهمية التكنولوجيا. فلكل مرحلة تاريخية ما يناسبها من أشكال للتنظيم الاقتصادي والاجتماعي. وأما الفكرة الأخرى المُكمِّلة، فهي أن محرك التاريخ هو تطور قُوَى الإنتاج، أي التكنولوجيا. ومع ذلك، فإن ماركس نفسه — وبوجه خاص العديد من أتباعه — قد ألحق هاتين الفكرتين الثوريتين بفكرة ثالثة جامدة هي «الحتمية التاريخية». فرغم أنه يؤمن بالتطور، وعدم ثبات الأمور على حالها، وأن التكنولوجيا هي الأداة الرئيسة للتغيير، فإنه يرى أيضًا أن هناك حتمية تاريخية تحدد المسار البشري في طريق رسمه بشكل عام. وقد تعرضت الحتمية التاريخية لانتقادات شديدة، لعلَّ أهمها نقد كارل بوبر لها في كتابه عن «فقر الحتمية التاريخية».

وقد ظهر كتاب داروين (١٨٥٨) في ضوء ما رآه من تنوُّع في الكائنات الحية، وهو يقرر أنه كان يقرأ — للترويح عن النفس — فى كتب الاقتصاد لآدم سميث ومالتس، وقد استوقفته ملاحظات مالتس عن الصراع بين الزيادة السكانية والموارد الزراعية، وأن البقاء فيه يكون «للأصلح». وهكذا وجد داروين مَخرجًا لمشكلته في تطور الكائنات؛ فهذا التطور لا يتحقق بالتكيف مع البيئة كما اقترح لامارك، وإنما بظهور «طفرات وراثية» Mutation تُعطي بعض المزايا الوظيفية للتلاؤم مع احتياجات البيئة؛ وبذلك تتكاثر السلالات التي تتمتع بهذه المزايا الوراثية. وهكذا فإن البقاء والتطور لا يحدث بفعل البيئة بشكل إرادي، وإنما هو نتيجة طفرة وراثية، وبالتالي ليس لها حتمية، كما أنها لا تتحقق دائمًا بأسلوب واحد؛ فإزاء نفس المشكلة تتعامل البيئة معها بطرق مختلفة لمختلف الكائنات. وهكذا، فهناك ما يشبه ضربة الحظ، ولا توجد حتمية. فالتطور يعني التغيُّر المستمر، ولكنه لا ينطوي بالضرورة على حلول نمطية موحدة.

ورغم أن داروين أصدر كتابه في ١٨٥٨، وبعدها بقليل اكتشف الألماني مندل (Mendel 1866) الجينات الوراثية، إلا أن هذه الآراء لم تُعرف إلا بعد وفاة داروين، وهكذا تأخر الربط بين نظريات داروين في تطور الكائنات الحية، وبين نظرية الجينات الوراثية حتى منتصف القرن العشرين. ولا تعدو الجينات أن تكون وسيلة لنقل رسالة معلومات من خلال الحامض النووي لخصائص الخلايا، وهكذا يتم التطور الوراثي من خلال منظومة المعلومات التي تنتقل من خلال الحمض النووي.

والآن، ما علاقة كل هذا بالاقتصاد؟ كما تتطور الكائنات الحية بشكل مستمر من خلال تغيرات الجينات الوراثية؛ فإن الاقتصاد — بدوره — يتطور من خلال تطور التكنولوجيا، والتي تُمكِّن المجتمعات الأكثر قدرة تكنولوجيًّا على العيش والتقدم. ولكننا أشرنا إلى أن الخصائص الوراثية تنتقل من خلال الجينات، وأن هذه الجينات تحمل معلومات الحمض النووي عن شكل تكوين الخلايا، وهكذا فقضية التطور البيولوجي، هي في نهاية الأمر، قضية معلومات وراثية تحملها الجينات بين مختلف الأجيال. فماذا عن التكنولوجيا في الاقتصاد؟ أليست الحياة الاقتصادية هي الأخرى وليدة معلومات عن الخصائص الأساسية للإنتاج، أو بعبارة موجزة: التكنولوجيا؟ فالتكنولوجيا هي أيضًا مجموعة من المعلومات. وقد بدأت التكنولوجيا بالتعامل مع الواقع بالممارسة التطبيقية والتجربة والخطأ، ثم انتقلت بعدها إلى الاعتماد على المعرفة العلمية النظرية وما يصاحبها من تجارب واختبارات. فنحن هنا بصدد تطور جديد للمعلومات نتيجةً للمعرفة العلمية، ومعها تتطور التكنولوجيا، ويتحقق التقدم الاقتصادي، فالحديث عن تطور الجينات، أو عن تطور التكنولوجيا هو حديث عن تطور المعلومات.

وقد سبق أن نشرت فى هذه الجريدة — في أغسطس ٢٠١٠ — مقالًا بعنوان «اقتصاد الأشياء واقتصاد الأفكار»، مشيرًا إلى أن «الأشياء» بطبيعتها نادرة، وأن حصول فرد عليها ينطوي على حرمان الآخرين منها. أما «الأفكار» و«المعلومات» فإنها — بطبيعتها — قابلة للتوسع والانتشار دون قيد؛ فإذا نقلت إليك فكرة أو معلومة زادت معرفتك ولم تنقص معرفتي. وهذا هو جوهر اقتصاد الغد القائم على المعلومات، وهو الأقرب إلى اقتصاد الوفرة وليس الندرة.

وهكذا نجد أن مفهوم «التطور» قد تبلور بشكل واضح مع داروين، حيث سبقه مالتس بنظرته المتشائمة عن الطبيعة التي تفرض قيودها الحديدية على النمو السكاني من ناحية، وجاء كارل ماركس الذي أكد التطور التاريخي لنظم الاقتصاد في ضوء ما تحققه التكنولوجيا، ولكنه وقع في محظور «الحتمية التاريخية» من ناحية أخرى. وأخيرًا؛ فإن التطورات العلمية الحديثة عن دور الجينات في نقل الخصائص الوراثية وضعتْ قضية المعلومات في صلب مفهوم التطور البيولوجي. وبالمقابل، فإن التطور الاقتصادي، وهو يتوقف إلى حد بعيد على تطور التكنولوجيا التي هي استخدام المعلومات العلمية والتطبيقية، لَيَربِط هذا التطور بالتقدم في المعرفة. وبذلك؛ فإننا ندخل إلى مراحل جديدة للتطور الاقتصادي الرحب وغير المحدود، وبما يجاوز الحتمية التاريخية الجامدة. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.