ما زال الخلاف متصلًا بين العمال وشركة السيارات، وما زالت مصالح الناس معطلة في غير عذرٍ واضحٍ ولا سبب مفهوم، والأيام تمضي وتمضي والناس يحتملون ما يحتملون من مشقة الانتقال، والحكومة تنظر إلى أولئك وهؤلاء تتكلف النشاط حينًا، ثم لا تلبث أن تطمئن إلى صمت طويل وسكون عميق كأن شيئًا لا يحدث في القاهرة، وكأن مئات الألوف من أهل هذه المدينة لا يتعرضون لألوان الجهد والعناء، ولضروب الضرر والشر في غير ذنب جنوه، ولا إثم اقترفوه.

غريبٌ جدًّا موقف الحكومة من مصالح الناس؛ فهي قد أنشئت لترعى هذه المصالح وتحميها وتصونها من عبث العابثين، وهي قد مُكنت من ذلك وأُمدَّت بكل أنواع القوة التي تتيح لها القيام بواجبها على أحسن وجه وأكمله، ولكنها مع ذلك تنظر إلى هذه المصالح المعطلة، والمنافع المهدرة، والحقوق المضيعة نظر المستهين الذي لا يحفل ولا يكترث، كأن هذه الأحداث لا تقع في مصر، وإنما تقع في بلد أجنبي يجب أن تقف الحكومة منه موقف الحياد.

بين الشركة وبين الحكومة عقد يُلزم الشركة العناية بمصالح الناس، فإذا قصَّرت في ذلك أو عجزت عنه كان من حق الحكومة أن تلغي امتيازها، وأن تتخذ ما ترى من الإجراء لتمكين الناس من أن يتنقلوا في سهولة ويسر كما تقضي مصالحهم ومنافعهم المختلفة المعقدة في مدينة ضخمة كمدينة القاهرة.

وقد شجر الخلاف بين الشركة وعمالها وانتهى أمره إلى إضراب العمال، وعجزت الحكومة أو أظهرت العجز عن إزالة هذا الخلاف وردِّ العمال إلى العمل، فكان من الحق عليها — وقد حِيل بينها وبين الإصلاح — أن لا تضيع مصالح الناس الذين لا ذنب لهم فيما يسيء الصلات بين المختلفين.

ولو أن الحكومة أظهرت الحزم حقًّا، وحرصت على تنفيذ هذا العقد في غير لين ولا تكلف للين، وفي غير ضعف ولا تكلف للضعف؛ لانتهى الأمر إلى إحدى اثنتين كلتاهما تحقق المصلحة، وتحفظ الكرامة، وتعصم الشعب من أن يصلى نار الإضراب، وهو لم يشبها، ولم يُلقِ فيها الحطب، فإما أن يُلغى الامتياز، ويردَّ أمر النقل إلى أولئك المصريين الذين كانوا يشتغلون به ويقومون عليه؛ فيفيدوا لأنفسهم، وهم مصريون، ويفيدوا لمواطنيهم، وهم مصريون، خيرًا كثيرًا، ويُردَّ إلى المصريين أمر من أمورهم على كل حال.

وإما أن تشفق الشركة من إلغاء الامتياز فتلين في سيرتها مع العمال، وتبذل شيئًا من الجهد الصادق لإرضائهم وردهم إلى العمل، فيستريح الناس ويأمنوا على مصالحهم، ويستريح العمال ويطمئنوا على حياتهم ومستقبلهم وآمالهم. وأولئك وهؤلاء مصريون على كل حال قد أنشئت الحكومة لحمايتهم ورعايتهم، إن لم نقل ما ينبغي أن يقال دائمًا، وما ينبغي أن تتعود الحكومة سماعه والإيمان به؛ وهو أنها قد أُنشئِتْ لخدمتهم لا لشيء آخر.

ولكن الحكومة لم تقدر شيئًا من هذا فيما يظهر، ولم تفكر فيه كما ينبغي أن يكون التفكير، فيقال: إنها أنذرت الشركة بعزمها على تنفيذ هذا العقد، وأمهلتها عشرة أيام لتعيد حركة السيارات في المدينة كما كانت، فلما انقضت هذه الأيام العشرة لم تنفذ الحكومة شيئًا، ولكنها مدت الأجل وأطالت المهلة إلى أوائل الشهر المقبل فيما يقال.

ومعنى هذا أنها رضيت أمرين؛ أحدهما — ليس لها أن ترضى به، ولا ينبغي لها أن تتهاون فيه: وهو تعطيل مصالح الجمهور أيامًا متصلة، وإلزام هذا الجمهور أن يحتمل المشقة ويتكلف العناء، لا لشيء إلا لأن الشركة والعمال لا يستطيعون أن يتفقوا، ولأن الحكومة لا تريد أو لا تستطيع أن تريد أخْذَ الشركة بتنفيذ عقد الالتزام، والآخر — أمرٌ مهما يكن رأي الحكومة فيه، ومهما يكن عذر الحكومة في الصبر عليه؛ فهو ثقيل ممض لا يستطيع المصريون أن ينظروا إليه في غير حزن لاذع، وألم عميق: وهو أن هؤلاء العمال قد أصبحوا في حال تشبه الحصار، مضطربين يُخيَّرون بين الإذعان لما تريد الشركة، أو التعرض للجوع والحرمان.

وقد كان ينبغي إذا لم تستطع الحكومة — أو لم ترد — أن تؤيد العمال فيما يريدون، أن تقف موقف الحازم العدل، فتشتد على المضربين، وتشتد على أصحاب رأس المال، ولا تقبل من أولئك ولا هؤلاء عبثًا بمصالح الناس ولا تعطيلًا لها. ولو قد فعلت لما وجدت الشركة بدًّا من أن تيسر الأمر ولا تعسره، ومن أن تصطنع اللين والعافية مكان هذه الشدة التي تصر عليها وتلح فيها.

وأكثر من ذلك أن الحكومة لم تقف عند هذا الحد، ولكنها — فيما تنشر الصحف أيضًا — أمرت رجال الشرطة فمنعوا ما كان يسعى فيه بعض العمال من جمع الإعانة لهؤلاء العاطلين، وقبضت على الذين كانوا يجمعون هذه الإعانات كأنهم يأتون منكرًا من الأمر وإثمًا، فلما رُفع أمر هؤلاء الناس إلى النيابة لم ترَ النيابة ما تأخذهم به أو تعاقبهم عليه، فأطلقتهم وردتهم كما كانوا أحرارًا.

هذا التصرف من الحكومة مؤلم؛ لأنه يلقي في روع الناس أنها لا تقف موقف الحيدة المطلقة، ولكنها تنحاز إلى فريق دون فريق، تنحاز إلى الفريق القوي لتعينه على الفريق الضعيف. وأكبر الظن أن الحكومة لم تصدر هذا الأمر انحيازًا للشركة ولا تشجيعًا لها، ولكنها ظنت أن جمع الإعانات لهؤلاء العمال تشجيع لهم على هذا الإضراب، فأرادت أن تمنع هذا التشجيع لأن القوانين لا ترضاه.

ولكن إعانة الجائع المحروم شيء، وتشجيعه على الإضراب شيء آخر؛ فمن حق هذا المضرب أن يعيش، ومن حقه أن يأكل حتى يجد عملًا يلتمس منه العيش والطعام، وليس في الأرض قانون يحرم على الناس أن يطعموا الجائع، ويغيثوا المحروم حتى يفتح الله له بابًا من أبواب الفرج، ويمهد له سبيلًا من سبل الحياة.

ومهما يكن من شيءٍ، فإن اتصال الإضراب شر ثقيل يجب رفعه في أسرع وقت ممكن، هو شر قبل كل شيء على الناس الذين تُعطَّل مصالحهم بغير ذنب، وهو شر على العمال الذين يضطرون إلى البطالة، ويتعرضون لأثقالها وآثارها المنكرة، وهو شر على الشركة التي تصيبها الخسائر المادية في كل يوم، ويسوء بها ظن الناس كلما اتصلت هذه الحال.

وليس من هذا المأزق إلا مخرج واحد يحقق العدل والإنصاف والمنفعة جميعًا، وهو أن تقف الحكومة موقف الحزم حقًّا، فتُنفذ القانون في غير هوادة ولا لين بالقياس إلى الفريقين المختصمين.

ونحن واثقون بأن الحكومة إن سلكت هذا الطريق، وآثرت خطة الحزم، وحمت مصلحة الجمهور في غير تردد ولا ضعف؛ لم يكن بدٌّ من أن ينقضي الإضراب، ومن أن ينقضي في وقت قصير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.