شعور القومية بالنسبة إلى الأمم، نوعٌ من الشعور بالكرامة الشخصية بالنسبة إلى الإنسان الفرد، وأعرَفُ الناس بالكرامة أشدهم حِرصًا على كرامة سواه، ولا تَعِزُّ الكرامة في نفسِ أحدٍ يهون عليه أن يهينها في نفوس الآخرين.

والأمم تصون حقوقها الوطنية على قدر شعورها بحقوق الأوطان، فليستْ رعاية الأممِ لِحَقِّهَا مُبيحة لها أن تبغي على حقوق غيرها، إلا أن يكون مآل الأمر عندها قوة كقوة السبع، وأثرة كأثرة الطفل المدلل، لم تبلغ في معارج الإنسانية مبلغ الرشد والاعتدال.

قبل ألف وأربعمائة سنة، وُجد في العالم الأرضي رجلٌ كان إمامًا للقومية في مثلها الأعلى، ورسولًا للإنسانية في قدوتها الحسنى.

ذلك هو محمد بن عبد الله، النبيُّ العربيُّ، رسولُ ربِّ العالمين إلى جميع خلقه: من عرب وعجم، ومن بيض وسود، ومن سادة ومستعبَدين.

نبيٌّ عربيٌّ مبين …

ولكنه رسول ربِّ العالمين إلى جميع بني الإنسان، وذلك هو مثال القومية الفاضلة، وقوام الإنسانية، كما يتمثَّل فيها جميع بني الإنسان.

كان محمد بن عبد الله — عليه السلام — راضي النفس بعروبته، يحمد الله لأنه ولد يوم أعزَّ اللهُ العرب، ونصرهم على دولة الأكاسرة التي طغت على حوزتهم، واستباحت ما ملكت من جوارهم، وكان يحب قومه، ولا يُحب مَن يبغضهم، فلا يكره العرب إلا منافق، ولا يُخلص في عقيدته مَن لا يخلص في رعايتهم وعرفان حقهم، قال لِصَفِيِّهِ ومُشيره سلمان الفارسي: «يا سلمان! لا تبغضني فتفارق دينك.» قال سلمان رضي الله عنه: «كيف أبغضك وبك هدانا الله؟» قال صلوات الله عليه: «تبغض العرب فتبغضني!» وفي حديث عثمان ذي النورين: «مَن غشَّ العرب لم يدخل في شفاعتي، ولم تنله مودتي.»

يحب قومه، ويحب أن يحبهم الناس، وهذا قصارى النفس من القومية في شعورها وعاطفتها، ولكنه الحب الذي يعمل ولا يقنع بأن يشعر وينطوي على شعوره. فهذا الحب هو الذي جمع شمل العرب، وألَّف بين قلوبهم، وأخرج من أشتات قبائلهم أمة واحدة، تهابها الأمم، وتتلقى عنها رسالة الهداية باسم الله، باسم رب العرب والعجم، باسم رب العالمين، باسم رب الإنسان في المشارق والمغارب.

ولا فضل لعربي على أعجمي، ولا لقرشي على حبشي … إلا بالتقوى، ولا عصبية كعصبية الجاهلية.

() (الحجرات: ١٣).

ومعجزة المعجزات في هذه الرسالة الإلهية أن يتعلم الناس ضلال العصبية بالنسَب والحَسَب، وجهالة الفخر بالآباء والأجداد في غير فضلٍ ولا عمل، من صاحب العصبية التي لا يُعْلَى عليها بين قومه، ومن رسول القوم الذين بلغوا بالعصبية غايتها من الأنفة لها، والاعتداد بها، والغيرة عليها، ولو كان هذا النبي محرومًا من العصبية في أمته، أو في عشيرته أو في أسرته، أو في بيته، لما كان في إنكاره للعصبية من عجب الأعزاء المتكبرين باللغة، وبالسلف، وبالمنعة في مكانهم، وفي تواريخ أيامهم، ولكانت رسالته بالمساواة بين بني آدم وحواء رسالةً من معدنها لا تستغرب من صاحبها ولا من قومه، لكن محمدًا عليه السلام كان في الذروة من فخار النسب والعصبية، وكان نسبه العريق ملتقى الأنساب من أقوى الأقوياء وأغلب الغلاب.

يجتمع معه في مضر قبائل قيس كلها، وسائر بني ذبيان وغطفان، ويجتمع معه في نزار قبائل بكر وتغلب وعنز من بني وائل، ويجتمع معه في معد وعدنان من لم يجتمع من هؤلاء، وهم في الصفوة من ذوي العصبية الأعزاء …

فإذا كان في بلده فهو في بلد الكعبة، وفي أعزِّ قبائل قريش، وإذا كان في قريش فهو في بني عبد مناف، وإذا كان في بني عبد مناف فهو في بني هاشم، لا ينازعهم فخارهم أحدٌ إلا أسكته غيرهم قبل أن يسكتوه … ونَسَّابة العرب «نفيل» جد عمر بن الخطاب هو الذي قال — فيما روى الرواة — يؤنب حربًا حين نافر عبد المطلب: «أتنافر رجلًا هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقل منك لامة، وأكثر منك ولدًا، وأجزل منك صفدًا، وأطول منك مذودًا؟»

خلاصة من خلاصة من خلاصة، يعرفها أهله، ولا يدعي الممترون فيهم شرفًا أجدر بالفخار من شرفه، ثم هو سليل عبد المطلب، بعد ذلك سيد بيته، نبي أمته، أشرف من يتعصب له من شاء أن يتعصَّب، وأن ينتسب إليه من اعتز بنسب.

ومن هذا النبي تجيء دعوة الأمم إلى المساواة، وإلى فضل العمل، وإلى كرامة القومية دون مساءة إلى قوم، وإلى ربِّ العالمين، ربِّ الخلائق أجمعين.

هذه هي المعجزة الإلهية، هذه هي الآية لِمَن لا يهتدي إلى الهداية بغير آية، وهذا هو البرهان على إيمان لا تنهض به طاقة إنسان لم تنهض به مشيئة الله، وآية الآيات أن تتقدَّم هذه الرسالة قبل ألف وأربعمائة سنة. وقبل أربعين سنة، لا أكثر، سمعنا من ينادي بسيادة العالم كله فخارًا بعنصره وسلالته! وقبلهم سمعنا من ينادي برسالة «الرجل الأبيض» ويكاد أن يُخرِج الأسمر والأسود والأصفر من زمرة الآدميين.

ولا يزال في العالم حتى اليوم مَن يَدين بإله يعز قبيلًا واحدًا؛ ليذل من بعده كل قبيل، ومَن يدين بإله يتقبَّلُ من أناس، ولا يتقبلُ من آخرين، ومَن يسمع الدعوة إلى إله واحد وعالم واحد وحق واحد فيستغربها بطبعه قبل أن يستغربها بعقله، وينظر إلى العالم قد توحَّد على اختيار منه، وعلى غير اختيار؛ اتصل ما بين مشرقه ومغربه، وتجاوبت أصداؤه في كل بقعة من بقاعه، وبين كل شُعبة من شِعابه وشعوبه، وكاد أن يقترب ما بين أرضه وسمائه، ثم هو يسمع عن ربِّ العالمين كأنه يسمع عن ربٍّ جديد، أو ربٍّ طارئ من بعيد!

ولم يكن هذا الرب بعيدًا قبل مئات السنين، ولا هو بجديد عند عربيٍّ يؤمن بالقومية، ويؤمن بالأخوة الإنسانية كما آمن بها الرسول.

وَحَسْبُ العربي أن يؤمن برسالته قبل ألف وأربعمائة سنة ليعلمها الأمم في هذا العصر، جديدةً كأن لم تُسمَع بالأمس، غريبةً كأن لم يرددها الأذان على مدى الأسماع في أجواز الفضاء. حسبه أن يعلمها هذه الرسالة، وأن تعلم منها بعد ذلك كل رسالة.

حسبه أن يكون عربيًّا يحب قومه، ويحب من يحبون قومه، ولا يحب لهؤلاء القوم أن يتميزوا بغير مزية، وأن يتفضَّلوا بغير فضل، وأن يتعالوا بغير عمل، وأن يطلبوا القوة بغير تقوٍّ.

حسبه أن يكون عربيًّا على هذه الشرعة، عربيًّا على سُنَّةِ نبيه؛ ليكون «الإنسان» نِعم الإنسان؛ وليفخر بِنَسَبِهِ وحَسَبِهِ، ولا يُزْرِي على أحدٍ بفخره وشرفه؛ لأنه العربي الإنسان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.