يستطيع الشعب المصري أن يلهو إن كان يحب اللهو، ويستطيع أن يحزن إن كانت طبيعته أميل إلى الحزن؛ فليس من شك في أن حياته السياسية الآن ملهية محزنة معًا.

بل يستطيع الشعب المصري أن يفخر إن كان يحب الفخر، وأن يجزع إن كانت طبيعته أميل إلى الجزع؛ فإن حياته السياسية الآن تدعو إلى الفخر والجزع معًا، ذلك أن الشعب المصري يستطيع أن يقول غير مخطئ ولا مسرف: إنه الشعب الوحيد بين الشعوب المتحضرة الذي يجهل أموره جهلًا تامًّا، كأنها لا تعنيه ولا تمسه، ولا تتصل به من قريب أو بعيد، وإنما تعني قومًا آخرين ليس بينهم وبينه صلة أو سبب؛ فالكلام يقال، والإشاعات تملأ الجو، والأحاديث تنطلق في الأندية، والظنون تضطرب في النفوس، وكل هذه حول شئون الشعب المصري، بل حول شئونه الدقيقة، بل حول حياته، والشعب المصري لا يعرف من هذه الشئون شيئًا، ولا يتبين منها قليلًا أو كثيرًا.

يقال له: إن هناك طوارئ خطيرة يمكن أن تطرأ على وطنه، وقد تغير من حياته، وقد تغير من نظامه، وقد تضيع منافعه، وقد يصيبه منها الخير الكثير أو الشر الماحق، والإنجليز يتهيئون لهذه الطوارئ، يدرس مندوبهم ما أقام في مصر فيطيل الدرس، ويستقصي فيحسن الاستقصاء، ثم يسافر فلا تقنع حكومته أو لا يقنع هو بأن ينوب عنه من تعود النيابة من أهل داره، وإنما يندب رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية لينهض بأعباء النيابة عنه استعدادًا للطوارئ، وانتظارًا للمفاجآت، والشعب المصري يجهل هذه الطوارئ، ولا يعلم من طبيعة هذه المفاجآت شيئًا، كأن هذه الطوارئ قد تطرأ على الإنجليز دون المصريين، وكأن هذه المفاجآت قد تعرض للإنجليز دون المصريين، وكأن النظام الذي يمكن أن يتغير ليس نظامًا يخضع له المصريون، وكأن المنافع التي قد تضيع ليست منافع المصريين، وكأن الأمور التي قد تُبْرَمُ أو تنقض ليست تمس حياة المصريين.

ومع هذا فالإنجليز يتهيئون لها في مصر، لا في مالطة، ولا في الهند؛ وهي إذن ستطرأ في مصر، وستفاجئ الساكنين في مصر، وستمس حياتهم ومرافقهم، فمن الطبيعي أن يتهيئوا لها كما يتهيَّأ لها الإنجليز، وأن يستعدوا للقائها كما يستعد للقائها الإنجليز، ولكنها أسرار يجب أن تُكْتَم حتى على أصحابها، ويجب أن تُخْفى حتى على الذين سيتأثرون بها فيشقون أو يسعدون.

هذا غريب في العصر الذي نعيش فيه، والذي يقال: إنه عصر حرية ونور، وإن أمور الشعوب فيه لا تُدَبَّرُ من وراء ستار، ولا تلقى من دونها الحجب الصفاق.

هذا غريب لا يمكن أن يفهم في بلد يقال: إن له نظامًا دستوريًّا يجعل أمور الشعب إلى الشعب، ويجعل القضاء في مرافق الشعب من حق البرلمان.

هذا غريب لا يمكن أن يُفْهَم إلا في بلد يُسَخَّرُ أهله للسلطان تسخيرًا، ويُحْرَم أهله الحرية حرمانًا، وينظر الحكام فيه إلى المحكومين كما ينظر الرعاة إلى القطعان يسوقونها إلى المرعى لتأكل، ويسوقونها إلى الماء لتشرب، ويأخذون من ألبانها وأصوافها، ومن أوبارها وأشعارها ما يروق لهم أن يأخذوه، لا يستشيرونها ولا يسألونها ولا ينبئونها؛ لأنها لا تستطيع أن تسمع منهم، ولا أن تفهم عنهم، ولا أن ترد عليهم رجع الجواب.

هذا غريب لا يفهم إلا في بلد يؤمن الحكام فيه بأنهم أصحاب الحق المطلق في الشعب وأمور الشعب؛ فهم ينقضون ويبرمون، وهم يأتون ويذرون، لا ينبغي لأحد أن يسألهم عَمَّ يفعلون. قد نحب أن نعلم أي البلاد هذا البلد الذي نعيش فيه؟ وأي الأوطان هذا الوطن الذي نحيا على أرضه؟ وأي الشعوب هذا الشعب الذي يضطرب على ضفاف النيل؟ فإن كنا نعيش في بلد حر، ونحيا في وطن مستقل، ونضطرب بين شعب كريم له ما للشعوب المتحضرة من الحق، وعليه ما عليها من الواجبات؛ فقد ينبغي أن لا يجهل أمره، ولا تُكْتَم دونه الأسرار، ولا يقال له: إن هنالك طوارئ خطيرة قد تطرأ، وحوادث جسامًا قد تحدث، ونوائب عظامًا قد تنوب، وإن غيرك ينتظرها ويتهيأ لها؛ فنمْ أنت وأغْرِق في النوم، وكُلْ أنت وأسْرِف في الأكل، واستمتعْ أنت بكل ما تجد في الحياة من متاع، واحتمل أنت لكل ما يُصَبُّ عليك من همٍّ، وعشْ أنت كما تعيش القطعان، أمرك إلى الرعاة المعصومين، لا ينبغي أن يكون إليك؛ لأنك لا تستطيع أن تنهض به، ولا أن تفكر فيه.

ومع ذلك فقد أسرف هذا الشعب المصري في السؤال، وألح في تعرُّف الحقائق، قيل له: إن مندوب الإنجليز يزور الحدود، فسأل عن زيارة الحدود هذه؛ ما أصلها، وما سرها؟ وما معناها؟ وما حق مندوب الإنجليز فيها؟ وقيل له: إن مندوب الإنجليز يزور الشرطة والجيش، فسأل عن هذه الزيارة للشرطة والجيش، كيف تكون؟ ولم تكون؟ وبأي حق تكون؟ وقيل له: إن مندوب الإنجليز يستأثر بمعالجة أمر الدَّيْنِ العام، وأمر المحاكم المختلطة والامتيازات دون الوزارة المصرية التي أُنْشِئَتْ لتعالج هذه المسائل، لا لتستمتع بالنعيم والنسيم، فسأل عن ذلك وألح في السؤال، والتمس تأويل ذلك، وألح في الالتماس، ولكن أحدًا لم يجبه، ولكن أحدًا لم يحفل به ولم يلتفت إليه.

فكيف يمكن فهم هذه الحال؟ وكيف يمكن للوزراء احتمالها؟ وكيف تطمئن ضمائر الوزراء إلى أن يروا شعبًا ضخمًا كالشعب المصري يجهل أدق شئونه كل الجهل، وتذاع فيه الأنباء المختلفة المروعة، وتنشر عليه النذر المتباينة المخيفة، ويسأل فلا يجاب، ويستفسر فلا يرد عليه؟!

كيف تطمئن ضمائر الوزراء إلى أن يروا هذا الشعب الضخم حائرًا، يسأل نفسه ويسأل الناس عن مرافقه، وعَمَّ يراد بها، وعن حقوقه، وعَمَّ يدبر لها، وهم قادرون على أن يجيبوه، ثم هم لا يجيبون، أو هم عاجزون عن أن يجيبوه، ثم هم مع ذلك يبقون في مناصبهم، برغم العجز والقصور، أو برغم الإهمال والتقصير؟

هذا كثير، وأكثر منه أن يقال مع ذلك: إن المصريين يحيون كما تحيا الأمم الحرة، ويعيشون كما تعيش الشعوب المتحضرة، وتشرف على أمورهم وزارة كغيرها من وزارات البلاد الراقية.

من الذي يستطيع أن يزعم أن شئون مصر وحياتها مقصورة على عشرة من المصريين، وعلى جماعة من الإنجليز؟ أولئك يتصرفون إن استطاعوا التصرف، ويعجزون إن اضطروا إلى العجز، وهؤلاء يأمرون وينهون، ويبرمون وينقضون لا رادَّ لما يريدون.

ألم يَأْنِ لهذه الحال المنكرة أن تحول؟ ألم يأن لهذه السحب المظلمة أن تنقشع؟ ألم يأن للضوء أن ينفذ إلى حياة المصريين؛ فيرى الشعب المصري ما يُرَادُ به، وما يُكاد له؟ ويستعد الشعب المصري لا الإنجليز ولا الوزارة، ولكن الشعب كله، للقاء ما قد يطرأ من الطوارئ، وما قد يعرض من المفاجآت؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.