قوة عنيفة ثقيلة يفر منها الأبطال وتزول منها الجبال، هذه التي تظهرها وزارتنا القائمة من حين إلى حين، فتملأ قلوب الناس رعبًا، وهلعًا، وتفرق نفوس الناس ذعرًا وفزعًا، وتذود النوم عن جفون الناس إذا كان الليل، وتطرد الراحة من حياة الناس إذا كان النهار.

آمنت ويجب أن يؤمن معي المصريون جميعًا بأن وزارتنا مهيبة، رهيبة، نخافها أيقاظًا، ونخافها نيامًا، ونحسب لها الحساب كل الحساب، إذا أقدمنا على شيء، أو هممنا بشيء، أو فكرنا في شيء.

آمنت ويجب أن يؤمن المصريون جميعًا بأن الوزارة قد سلطت علينا الخوف، حتى أصبحنا نتمثلها في جميع أطوارنا، وفي جميع لحظات حياتنا، نرى منها رقباء يحسبون علينا خواطر النفس، ودقات القلب، وما يعن للضمير، فنحن عبيد الوزارة، لا نؤمن إلا بها، ولا نذعن إلا لها، ولا نخاف إلا منها، ولا نفزع إلا إليها، ولو لم يكن في الوزارة إلا وزير التقاليد لكانت خليقة أن تنتهي بنا إلى هذا الحد، من الخوف والفزع، ومن الإذعان والاستسلام، فكيف وفيها وزير الداخلية الذي روع قومًا لم يكن من عادتهم أن يراعوا، وأخضع قومًا لم يكن من عاداتهم أن يخضعوا؟ وكيف وعلى رأسها الرجل الطيب الذي تكشفت الأيام منه عن فارس مغوار، وبطل جرار، يخافه الليل، ويفزع منه النهار؟ وكيف وللوزارة من كبار الموظفين وصغارهم، أعوان أي أعوان، لا يفترون، ولا يقصرون، ولا ينامون، وإنما يسهرون؟

آمنت ويجب أن يؤمن المصريون جميعًا بأن كل شيء في مصر الآن مخيف، وبأن كل شيء في مصر الآن مخوف، وبأن حياة المصريين لم تبلغ في يوم من الأيام ما بلغته الآن من القلق والاضطراب، ومن الحذر والإشفاق، ومن التعرض للكوارث والنكبات، في كل وقت يسنح، وفي كل لحظة تمر، وفي كل حادثة تحدث، وفي كل نائبة تنوب.

هذا أستاذ من أساتذة الحقوق كان آمنًا مطمئنًّا، وهادئًا مستريحًا، وغارقًا في الفقه إلى أذنيه، يكتب في الالتزامات، ولا يكاد يفرغ مما يكتب حتى يرسله إلى المطبعة، وإنه لفي ذلك قد حرم نفسه الراحة في الصيف، حين يرتاح الناس جميعًا، وأنفق جهده وقوته وراحته في التأليف، حين ينفق الناس جهودهم في التماس اللذة والمتاع، وفي إضاعة الوقت في غير نفع ولا غناء، وإنه لفي ذلك، وإذا الصحف تتحدث بأنه قد فصل من عمله فصلًا، وأحيل على المعاش بقرار من مجلس الوزراء، والأستاذ لم يتم الأربعين بعد، وهو كما تعرفه الكلية، وكما يعرفه المتصلون بها، وكما يعرفه الجامعيون عامة، وكما يعرفه القضائيون جميعًا: أكفأ من في هذه الكلية من الأساتذة، وأنهضهم بالواجب على وجهه، وأقدرهم على النفع وأحبهم إلى قلوب الطلاب، وأدناهم إلى نفوس الشباب.

ولكن كيدًا يكاد، وأمرًا يراد، ودسيسة تدس، ومذكرة تكتب، وقرارًا يصدر، وإذا الأستاذ السنهوري قد أقصي عن الجامعة إقصاء، وحيل بينه وبين تلاميذه من طلاب الحقوق.

أفتريد قوة أعنف من هذه القوة، أفتريد بأسًا أشد من هذا البأس، أفتريد سلطانًا أوسع من هذا السلطان؟ فيم فصل الأستاذ السنهوري من كلية الحقوق وهو في عنفوان قوته على الدرس والتعليم، وفي أقصى نشاطه للبحث والتأليف؟ في أشياء خطيرة حقًّا، من شأنها أن تزلزل لها الأرض، وأن تضطرب لها السماء، وأن تنغص لها حياة الوزراء!

زعموا أن الأستاذ السنهوري استجاب لدعوة المحامين، فحضر افتتاح ناديهم الذي افتتحوه منذ حين، والمحامون خصوم للحكومة، عصاة للوزارة، فمن استجاب لدعائهم، وحضر افتتاح ناديهم فهو عدو للوزارة ومن حق الوزارة على نفسها، أن تفصله، وتحيله على المعاش.

وزعموا أن الأستاذ السنهوري أنشأ جماعة يقال لها جماعة الشبان المصريين، ووضع لهذه الجماعة قانونًا، يحرم عليها العناية بالسياسة، أو العمل فيها، ويقصر جهودها على ترقية العقل، والخلق والجسم، ومن أنشأ جماعة كهذه الجماعة فهو خطر على النظام، عدو للأمن العام، فيجب أن يفصل، ويجب أن يحال على المعاش.

أظنك تقرأ هذا الكلام فلا تصدقه ولا تطمئن إليه؛ لأن تصديقه يحتاج إلى عقل غير مألوف؛ ولأن الاطمئنان إليه، يحتاج إلى ذكاء خارق للعادة، ومع ذلك فقد فصل الأستاذ السنهوري، بقرار من مجلس الوزراء، وأذاعت الصحف أن هذا القرار قد بني على هذين السببين اللذين ذكرتهما آنفًا، والغريب — وهل في مصر شيء غريب — أن الصحف تذيع أن الجامعة المصرية قد رأت في هذين الأمرين خطأ من الأستاذ، ومخالفة للنظام، واستحقاقًا للوم والعقاب، فإذا كان هذا مبلغ تقدير الجامعة للأشياء وفهمها للنظام وحرصها على الحرية، فينبغي أن يستيئس المصريون من الجامعة وأن يستيقنوا أن الفساد قد سعى إليها، فاستأثر بها فيما سعى إليه واستأثر به من الأمور العامة، ذلك أن للجامعة قوانين، وأن هذه القوانين جديدة لم تصدرها الوزارة الحرة، وإنما أصدرتها وزارة صدقي باشا، وأقرها البرلمان الحاضر، وفي هذه القوانين حماية للأساتذة والمدرسين، حماية ضئيلة ولكنها موجودة على كل حال، وفي هذه القوانين نظام تأديبي يقضي بسؤال الأساتذة والمدرسين، أمام مجلس التأديب الجامعي عما يضاف إليهم من المخالفات. والمعقول الذي تفهمه أنت وأفهمه أنا، والذي يلائم أيسر أصول العدل والإنصاف والكرامة الجامعية أن يسأل الأستاذ السنهوري أمام مجلس التأديب الجامعي عن هذا الكلام الذي يقال، وأن يسمع رأيه فيه ورده عليه ثم يقضي مجلس التأديب بعد ذلك في أمره بما يرى، ولكن القوانين فيما يظهر شيء مكتوب، يمكن أن يقرأه الناس وأن يدرسوه في كلية الحقوق، فأما تنفيذه ورعاية حرماته فشيء آخر، لا ينبغي أن ينتظر في مثل هذه الأيام التي يتحكم فيها مدير الأمن العام في أساتذة الجامعة. لا تنكر شيئًا ولا تعجب من شيء؛ فمدير الأمن العام هو الذي رفع إلى الوزارة تقريرًا كانت نتيجته فصل الأستاذ السنهوري، وأمر هذا التقرير غريب، فقد علم مدير الأمن العام بأن هناك جماعة يُنشئها الأستاذ، فما زال يتحسس أمرها، ولم يكن سرًّا، حتى علم أنها ستجتمع في يوم من الأيام، فأرسل من الشرطة من فض اجتماعها، وعلم الأستاذ السنهوري أن الإدارة تسيء الظن بجماعة لا ينبغي أن يسوء الظن بها، فذهب إلى مدير الأمن العام وتحدث إليه في أمر هذه الجماعة، وأكد له أنها جماعة لا بأس منها على أمن ولا نظام، وأن عنايته بها خليقة أن تطمئن الحكومة لا أن تخيفها، فهو أستاذ، وأستاذ للقانون، وهو يقدر التبعات، ويعرف ما يأتي وما يدع، ولكن مدير الأمن العام سمع للأستاذ دون أن يطمئن إلى ما قال، وزعم للحكومة أن الجماعة سياسية، وأنها خطر على الأمن والنظام، وأغرب من هذا أن الأستاذ السنهوري رفع إلى مدير الجامعة تقريرًا تراه في غير هذا المكان من الوادي، وكانت الجامعة خليقة أن تقنع بهذا التقرير، فتحمي الأستاذ من كل عدوان، أو ألا تقنع بهذا التقرير فتسأل الأستاذ أمام مجلس التأديب، ولكن الجامعة فيما يظهر صدقت مدير الأمن العام وكذبت أستاذها، وركبت رأسها حتى انتهت إلى قرار مجلس الوزراء الذي يحيل الأستاذ على المعاش.

فلينظر المصريون إلى وزارتهم كيف يكون حظها من القوة، وإلى جامعتهم كيف يكون حظها من احترام قوانينها والمحافظة على حقوقها، والذود عن كرامتها.

ثم ليعلم المصريون أن من المصادفات ما يضحك حقًّا، وما يبكي أيضًا، فهذه الوزارة القوية العنيفة المخيفة التي استطاعت فصل الأستاذ السنهوري، برأي إدارة الأمن العام، هي بنفسها الوزارة الهينة اللينة، الرقيقة الرفيقة، التي عجزت عن أن تمس جورج ماير مكاتب الطان، بل جددت عقده تجديدًا، وهو الذي يسب المصريين شعبًا وحكومة في جريدة الطان أكبر الصحف الفرنسية، ثم هذه الوزارة القوية العنيفة الحريصة على الأمن والنظام، وعلى العلم والخلق، وعلى الكفاية والبراعة، هي التي تخرج الدكتور السنهوري من كلية الحقوق، وتدخل الدكتور زكي مبارك في كلية الآداب.

فإذا كان المصريون لا يعجبون بهذه الوزارة الرائعة البارعة الحريصة على منافعهم الحفيظة على مرافقهم، فليلتمسوا الوزراء في السماء، فقد عجزت الأرض عن أن تعطيهم الوزراء الذين يريدون.

والغريب أن ترضى النفوس، وتطمئن القلوب، وترتاح الضمائر، ويستمتع الوزراء بالنعيم وينام الوزراء ملء جفونهم لا يحسون ندمًا ولا حزنًا على ما صارت إليه الأمور في هذا البلد التعس الشقي.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.