أحمد في الأنبياء وأحمد في الشعراء.

صادق عنبر

من منا لا يعرف الشاعر الكبير أحمد شوقي؟

من منا لم يقرأ قصائده الخالدة وحكمه الغالية؟ ومن منا لم يَرَ بعين الخيال صورَه الطبيعية التي صورها لنا وحيُه الإلهيُّ في قصائده العامرة؟

الطفل في مدرسته يحفظ عن ظهر قلب أبياته الرشيقة، والشابُّ في رونق شبابه يترنَّم بقصائده الغزلية، والشيخ الذي أرعشه الهرم يتلو حِكَمَه إذا آوى إلى خلوته لينظر للحياة نظرته الفلسفية، فيقول:

خلقنا للحياة وللمماتِ

ومن هذين كلُّ الحادثاتِ

هذا هو شاعرنا الكبير أحمد شوقي شاعر مصر، ولا نغالي في القول لو قلنا شاعر الشرق.

شوقي هو أول من وصف الطبيعة من الشعراء العصريين، بل هو أول من أجاد وصفها، ولو ضربنا صفحًا عن قصائده في باب المديح ولم نقرأ منها إلا الجزء الذي خصَّه بالغزل والوصف والحكم لرأينا في شاعرنا الكبير عبقريًّا عظيمًا لا يجود الزمان بمثله في كل آنٍ.

مرَّت على شوقي أطوار عديدة تكوَّنت فيها شاعريته، والحال كذلك مع كل شاعر.

ابتدأ شاعرنا حياتَه مقلدًا شعراء العرب، وتَفَانَى في قراءة المتنبِّي، فسلك مسلكه، ولكنك كنت ترى من خلال قصائده الأولى بصيص نور جديد نور شخصيته العبقرية ووحيه الإلهي.

وكيف لا يكون الأمر كذلك وهو القائل:

ما تراها تناست اسميَ لمَّا

كثرت في غرامها الأسماءُ

إن رأتني تَميل عني كأنْ لم

تَكُ بيني وبينها أشياءُ

نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ

فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ

يوم كنا ولا تسل كيف كنا

نتهادى من الهوى ما نشاءُ

وعلينا من العفاف رقيبٌ

تعبت في مراسه الأهواءُ

جاذبتني ثوبي العصي وقالت

أنتم الناس أيها الشعراءُ

فاتقوا الله في قلوب العذارى

فالعذارى قلوبهن هواءُ

وهو القائل في قصيدة عن حياة إسماعيل باشا خديوي مصر:

لم يَرَ الناس مثلَ أيام نعما

ك زمانًا ولا كبؤسك عهدا

كنت إن شئت بُدِّلَ السعد نحسًا

وإذا شئت بُدِّلَ النحس سعدا

يتمشَّى القضاء خلف نواهيـ

ـك حديدَ الأظفار يطلب صيدا

أنت من مَثَّل السعادة لو لم

يَكُ ذاك النعيمُ أخذًا وردَّا

وهو القائل أيضًا في وصف غاب بولون:

يا غابَ بولون ولِي

ذمم عليك ولي عهودُ

زمن تقضَّي للهوى

ولنا بظلك هل يعودُ

حلم أريد رجوعه

ورجوع أحلامي بعيدُ

وهَبِ الزمان أعادها

هل للشبيبة من يعيدُ!

وهو القائل أيضًا:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

لو قارنت هذه الأشعار بأشعاره التي نحا فيها نحوَ الشعراء الأولين مقيِّدًا نفسه بسلاسل التقليد دون أن يطلق العنان لعبقريته ووحيه لظهر لك الفرق الكبير والبون الشاسع. قل لي بربك: أيصحُّ أن تنسب لصاحب الأبيات التي قرأتها الآن تلك الأبيات الآتية:

سويجع النيل رفقًا بالسويداءِ

فما تطيق أنين المفرد النائي

لله وادٍ كما يهوى الهوى عجبٌ

تركت كل خليٍّ فيه ذا داءِ

وأنت في الأسر تشكو ما تكابده

لصخرة من بني الأعجام صماءِ

فلو رأتك بعين السمع لانفجرت

وباء مشرق شمس الضاد بالراءِ

أو قوله مثلًا:

لا السهد يدنيني إليه ولا الكرى

طيف يزور بفضله مهما سرى

تخذ الدجى وسماءه ونجومه

سبلًا إلى جفنيك لم يرضَ الثرى

لقد كان الشاعر في ذلك الطور من حياته قليلَ الاكتراث بشخصيته وعبقريته، ولهذا كنا نقرأ له الغثَّ والسمين، ثم تحوَّل عن طريقه القديم، وشَرَعَ لنفسه خطة جديدة أتى فيها بالمرقص والمعجب، وتجلَّت فيها مواهبه العبقرية، وارتقى فيها إلى سماء الآلهة، آلهة الشعر، بيد أنه لم ينجُ من باب المديح فكان ضحيةَ الظروف، والمديح باب من الشعر لا يصحُّ أن نطلق عليه اسم شعر، ولكن ما أتاه شوقي من القصائد الخالدة في طوره الثاني غَفَرَ له زلته، وكيف لا نمجِّد من قال:

الرءوس مائلة

في الصدور تحتجبْ

والنحور قائمة

قاعد بها الوصبْ

والنهود هامدة

والخدود تلتهبْ

والخصور واهية

بالبنان تنجذبْ

أو من قال:

بعتِ العدو بكل شبر مهجة

وكذا يباع الملك حين يرامُ

ما زال بينك في الحصار وبينه

شم الحصون ومثلهن عظامُ

حتى حواك مقابرًا، وحويته

جثثًا، فلا غبن ولا استذمامُ

أو من قال:

قِفْ بتلك القصور في اليمِّ غرقى

ممسكًا بعضها من الذعر بعضا

كعذارى أخفين في الماء بضًّا

سابحات به وأبدين بضَّا

مشرفات على الزوال وكانت

مشرفات على الكواكب نهضا

شاب من حولها الزمان وشابت

وشباب الفنون ما زال غضا

ثم أتى على الشاعر الطور الثالث، الطور الذي نفض فيه يديه من باب المديح، كما يخرج البلبل من قفصه ليشدو على الأغصان فيحيي الصباح ويداعب النسيم ويذكر الله إذا ألقى الليل رداءه الأسود على صفحة الكون. في ذلك الطور طورنا الحالي لا يعرف شوقي غير شخصيته، ولا ينظم إلا من أجل شخصيته. ففي هذا الطور يبلغ شوقي ذروة المجد، وتسجد الشعراء أمامه معترفين بفضله وعبقريته. ومن قصائده في ذلك العهد قصيدته القافية عن النيل، وقصيدته التي نَظَمَها من أجل الشبان المنتحرين، والتي قال في مطلعها:

ناشئ في الورد من أيامه

حسبه الله أبالوردِ عثرْ

سدد السهم إلى صدر الصبا

ورماه في حواشيه الغررْ

بيد لا تعرف الشر وما

صلحت إلا لتلهو بالأكرْ

ولا ننسى أيضًا سينيته الجديدة التي أرسل بها من الأندلس، والتي يقول فيها:

وطني لو شغلت بالخلد عنه

نازعتني إليه في الخلد نفسي

والآن سيعود شاعرنا الكبير إلى وطنه، سيرجع البلبل إلى عشه، سوف نقرأ عن قريب قصائدَه الخالدة التي أوحى بها إليه وحيه بين أطلال مدنية العرب في الأندلس، فلتهنأْ مصر بشاعرها، وليهنأ الشاعر بوطنه بعد غربة طويلة حَنَّ فيها إلى مصر، وحنت فيها مصرُ إليه.

كتبت هذه المقالة بمناسبة قرب عودة شوقي بك الشاعر من منفاه في الأندلس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.