روت أخبار هذا الأسبوع روايات مختلفة عن أعمال تستوقف النظر من حيث الدلالة على أخلاق طائفة من الجيل الحديث الذي لا يزال في أواسط سنوات التعليم.

بعض هذه الأعمال يصح أن يُسَمَّى خيانة عظمى أو احتيالًا واختلاسًا على حساب الأمانة الوطنية في أحرج الظروف.

وبعض هذه الأعمال سرقة وتزوير بغير اكتراث، من ثلاثة يتفقون عليها في لمحة عين، كأنها شيءٌ لا موضع فيه للمداراة ولا للإغراء.

وبعض هذه الأعمال تهجم على أخطر العواقب بغير تفكير، وبغير اعتبار لأي جانب من جوانب النظر المختلفة في موضوع تلك الأعمال.

***

الجانب السيئ من هذه الجرائم أظهرُ من أن يحتاج إلى إظهار.

لكننا لا نريد أن نتكلم عن هذا الجانب الظاهر منها؛ لأن لها جانبًا آخر قد يحتاج إلى إظهار، وهو جانب العلة المتوارية وراء جميع هذه الأعراض.

***

فمسألة السيارة التي اختلسها ثلاثة من الطلاب الصغار ثم زوَّروا توقيع صاحبها، يوشك أن تتلاقى فيها «الأعراض» الجامعة لآفات العصر كله.

وآفات العصر كله تتجمع في شيء واحد هو «الانطلاق».

***

الانطلاق هو طابع العصر الحديث.

انظره في المخترعات الحديثة وما يلازمها من جنون السرعة، أو مرض السرعة إلى غير مقصِد معلوم إلا مجرد العجلة وقلة الاستقرار والانطلاق.

وانظره في الفنون الجميلة فإذا التصوير الحديث انطلاق من جميع القيود التي عَرَفها القدماء، قيود الرسم وقيود التلوين وقيود المحاكاة بالملامح وقيود التفكير المنتظم الموزون.

أما الموسيقى فلو جاز أن تكون انطلاقًا محضًا لا نَغمة فيه ولا التزام للوزن والقافية لكانت الموسيقى الشائعة في زماننا كذلك.

ولكنَّ الموسيقى لا يمكن أن تخلو من الوزن والقافية؛ فلهذا ظهر الانطلاق في الحركات الجنونية التي يوقِّعها الراقصون على نغماتها الهوجاء، فمن يشاهد هؤلاء الراقصين في نشوة الحركة والتخبُّط لا يمنعه أن يظن بهم الجنون إلا أنهم يلتزمون شيئًا من الإيقاع.

وانظر إلى هذه الآفة حتى في الفنون العسكرية التي هي مدار الكلام المستفيض في هذه الأيام.

فليس هناك قيد من قيود الحرب القديمة يرعاه المحاربون في الوقت الحاضر: لا إعلان للحرب، ولا مبالاة بحرمات الآمنين، ولا تعويل على غير السرعة في الهجوم والمفاجأة، ولا اعتبار لحكم من الأحكام غير التعبئة السريعة في ابتغاء النصر السريع.

أما «الانطلاق» من قواعد الأخلاق والآداب والشعائر القائمة، فهو قريب إلى الملاحظة في كثير من المناسبات اليومية.

ولعلَّ اتِّفَاق ثلاثة من صغار الشبان فجأة على سرقة السيارة قد جمع عناصر هذه الآفة كلها كما أسلفنا؛ فهو انطلاق من الحياء الذي يمنع الناس أن يهجموا فجأةً على التحدث في ارتكاب جريمة، وهو انطلاق من قيود الأخلاق والقوانين في سبيل الانطلاق من قيود المكان وقيود الضرورات المادية، وهو جنون العصر كله مجسمًا في جريمة واحدة متعددة الأجزاء.

بل تنظر إلى أولئك الأغرار الذين يهجمون على الحانات مدَّعين الغيرة الدينية والعمل بأحكام الشريعة، فترى أن الظاهرة الحقيقية في عملهم هي «الانطلاق» من قيود القانون والانطلاق من احترام الرؤساء وولاة الأمور والانطلاق من أصول النظام، وكل ما عدا ذلك مما يخيَّل إليك أنه تقيُّدٌ بأحكام الشريعة، إنما هو تزييف ونشوز واختلاق، وقد يكونون في حقيقة الواقع مدفوعين إليه أو مأجورين عليه.

هذه آفة لا شك فيها وإن كان لها جانب طبيعي لا خوف من عقباه البعيدة، فما الذي ينبغي أن يُعمل في هذه الحالة؟ وما هي العاقبة المنظورة بعد جلاء هذه الغاشية؟

الذي لا نرتاب فيه نحن أنها غاشية تزول وتنتهي إلى استقرار.

وأنها حالة تدل على مرحلة من تاريخ بني الإنسان لا بد أن يعقبها بناء مجتمعٍ جديد، ولن يخلو كل مجتمع صحيح التركيب من سلطان ومن آداب ومن طبقات متفاوتة، على بعضها واجبٌ من الطاعة وعلى بعضها واجب من الأمر والإرشاد.

وكل ما هنالك أن التغيُّر سوف يتناول نوع السلطان ونوع الآداب ونوع الطبقات ونوع الآمرين والطائعين.

أما أن يكون هناك سلطانٌ وآدابٌ وطاعةٌ فذلك ما لا جدال فيه إذا قدِّر لبني الإنسان البقاء والتعمير، وليس في حالات بني الإنسان اليوم ما يدل على اقتراب الفناء.

مَثَل العالم اليوم كمثل الأسرة التي فوجئت بالانتقال من دارٍ إلى دارٍ أكبر منها بعد غياب رئيسها.

هي لا تعلم أين ينزل كل فرد من أفرادها، ولا تعلم من الذي يأمرهم بالنزول في الأماكن المختارة، ولا من الذي يقسِّم بينهم الأثاث الذي يحتاجون إليه على حسب السِّنِّ والصحة والمقام، ومتى يتاح للأسرة أن تظفر بذلك الرئيس الذي يتمثل فيه التنظيم الجديد.

لكن إذا تعذَّر على الأسرة في هذا الانتقال أن تعلم على وجه اليقين من هو صاحب الرئاسة والتنظيم الجديد، فهي تستطيع على وجه اليقين أن تعلم من هم الذين لا يتولون الرئاسة ولن يتولوها بحال من الأحوال.

تستطيع أن تعلم على وجه اليقين أنهم لن يكونوا أطفال المنزل ولا خُدَّامَه ولا القاصرين أو القاصرات من أبنائه وبناته، وتستطيع الأسرة التي بقيت فيها بقيةٌ من معنى الأسرة أن تضع هؤلاء حيث ينبغي أن يوضعوا في انتظار التقسيم والتنظيم.

فمِن اليوم إلى أن تستوي الأخلاق على مرحلتها القادمة هنالك واجب واحد لا ريب فيه وهو تقرير الطاعة على من تجِب عليهم الطاعة، واجتناب كل هوادة أو تردُّد في هذا الواجب الذي لا يخفى سبيله في أمَّة حفظت لنفسها بقية من تماسكٍ وقوام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.