كان أول اتصالي بالمغفور له عدلي باشا في سنة ١٩٢٠ عندما قدمت لجنة ملنر إلى مصر، في ذلك الظرف أعلنت الأمة المصرية مقاطعة اللجنة الإنكليزية، وأراد عدلي باشا أن يقف على ميول الشباب المصري المتعلم. وكان صديقي الأستاذ محمود عزمي على اتصال يومئذ بعدلي باشا وزملائه في ذلك الحين: رشدي وثروت وصدقي، وكان صدقي باشا أشبه ما يكون بما يسمونه بالإنكليزية ضابط اتصال بين العظماء الثلاثة: عدلي ورشدي وثروت وبين الشباب المصري المتعلم، وكنت أنا يومئذ وصديقي عزمي عضوين بالحزب الديمقراطي، وقد عرفت منه أنَّا نستطيع أن نقف على معلومات في السياسة تفيد في توجهات حزبنا إذا نحن اتصلنا عن طريق صدقي باشا بأقطاب الوزارة التي تكوَّن الوفد المصري سنة ١٩١٩ في ظلالها. وضرب لي وله بالفعل موعدًا مع صدقي باشا في كلوب محمد علي، وتقابلنا وتحدثنا في الأمر وفي موقف مصر من لجنة ملنر. ثم أخبرنا صدقي باشا أن عدلي باشا يسره أن يرانا، وأقبل الرجل فرأيته لأول مرة بقوامه الممشوق وطلعته البشوش في وقار وهيبة، ونظراته الحادة المملوءة ذكاء وروية، وجلس الرجل ينصت إلينا أكثر مما يحدثنا، وبدا عليه الاقتناع بأن مقاطعة مصر للجنة ملنر كيما يكون الوفد المصري هو وحده الذي يحادثها أكفل لسلامة الوحدة القومية.

وسافر عدلي باشا بعد ذلك إلى أوربا ووصل ما بين الوفد المصري ولجنة ملنر وحضر محادثاتهما، وكان له من التأثير ما يعرفه الذين تتبعوا حوادث ذلك الوقت، فلما انتهت المحادثات إلى مشروع ملنر طلبت إنكلترا إلى عظمة السلطان إذ ذاك أن توفد حكومته وفدًا يتفاوض لإقامة علاقة بين الدولتين غير الحماية، فجرى الحديث في إسناد الوزارة التي تقوم بالمفاوضات إلى المغفور له مظلوم باشا، وقد رأى جماعة منا يومئذ من أعضاء الحزب الديمقراطي أن إسناد المفاوضات لمن لم يكن لهم ضلع ظاهر في النشاط السياسي الذي أدى بإنكلترا إلى طلب المفاوضة —لا مصلحة لمصر فيه، وأن عدلي باشا هو الرجل الذي يجب أن تسند له الوزارة، وقد خاطبه بعضنا برأينا فأراد أن يتحدث إلينا، وضرب لنا موعدًا بمنزله بقصر الدوبارة، وكنا يومئذ عشرين أو ثلاثين أكثرُنا من الشباب المتعلمين أو الذين أتموا تعليمهم في أوربا، وجعل الرجل ينصت إلينا أكثر مما يحدثنا، وكل همه أن يقتنع بأن الشباب المتعلم يؤيده في مهمته إيمانًا منه بأن الشباب المتعلم نزيه القصد، وبأنه هو الذي يوجه تيار الرأي العام. ولعله يومئذ كان يخشى — إذا انتهت المفاوضات إلى معاهدة — أن تثور في البلاد عناصر متطرفة تطرفًا لا يستند إلى قوة حقيقية تشد أزره، ولكنها تستطيع مع ذلك أن تشوه مقاصد المعاهدة التي تعقد. فأراد عدلي أن يطمئن إلى وقوف الشباب المثقف في صفه ليوجه الرأي العام لمصلحة مصر توجيهًا يجنبها طغيان التطرف الطائش، وما يجره التطرف الطائش من سوء النتائج.

وكنت مؤمنًا بأن سعد باشا والوفد المصري يجب أن يظل بعيدًا عن المفاوضة الرسمية واقفًا منها موقف الرقيب ليوجه الرأي العام في أمرها التوجيه الذي تقضي به مصلحة البلاد. فلما اختلف سعد وعدلي لم أتردد في الوقوف في صف عدلي وقوفًا هيأ لي مقابلته بضع مرات قليلة قبل سفره على رأس الوفد الرسمي للمفاوضة. وكانت مرات قليلة لكثرة مشاغل الرجل من ناحية، ولما في طبعي من الحياء حياء يحُول بيني وبين الإكثار من التردد على من لا تربطني بهم أواصر أدنى إلى الصداقة منها إلى أي شيء آخر. في هذه المرات القليلة كنت أرى الرجل كثير التفكير في الموقف الذي نشأ عن خلاف سعد معه، وكنت أراه محاطًا دائمًا برشدي وثروت وصدقي، حتى كان — إذا دخلت إليهم في غرفة رئاسة الوزارة — يدع مكتبه وينتحي وإياي جانبًا من الغرفة الفسيحة إلى مقعد عند إحدى نوافذها، وكان في هذه المرات أيضًا قليل الكلام كثير الإنصات ظاهر القلق، لا على مصير وزارته، ولكن على مصير المفاوضات التي يوشك أن يتولاها، وقد علمت أنه فكر يومئذ في الاستقالة لولا ما أعلنه المغفور له سعد باشا من أنه ثائر على الحكومة المصرية. ولولا خوف عدلي، إذا تنحى هو عن الوزارة فأسندت إلى غيره فاختلف هذا الغير مع سعد، أن يلجأ في تصرفاته إلى وسائل لا يرعى فيها من الحكمة النصيب الذي تقضي به المصلحة الوطنية. فتؤدي الأمور في تلك الآونة الدقيقة إلى نتائج غاية في الخطورة.

لم تنجح المفاوضات فعاد عدلي واستقال، وبقيت الحكومة المصرية بغير وزارة من ٨ ديسمبر سنة ١٩٢١ إلى أول مارس سنة ١٩٢٢، حين ألف ثروت باشا وزارته بعد أن اعترفت إنكلترا من جانبها بمصر دولة مستقلة ذات سيادة، مع الاحتفاظ بالمسائل الأربع المعلقة في تصريح ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢ لمفاوضات مقبلة. وكأثر لسياسة التصريح ألفت وزارة ثروت باشا لجنة لوضع دستور لمصر يهيئ الجو لعقد معاهدة مع إنكلترا، فلما وضع مشروع هذا الدستور بدت في الجو ظاهرات تدل على أن صدوره لن يكون سهلًا، فألف عدلي باشا حزب الأحرار الدستوريين واتفق على إنشاء جريدة السياسة لتكون لسان حاله، وطلب إليَّ أن أكون رئيسًا لتحريرها. من ذلك الوقت ازدادت صلاتي بعدلي؛ مما جعلني أزداد له معرفة ولصفاته تقديرًا، عرفته رجلًا عف اللسان نزيه القصد أبيًّا لا يتعلق قط بالصغائر، ويسمو بنفسه عن أن يوجه الحقدُ تفكيره، لا يبطره الظفر ولا يدعوه إلى الاندفاع لما بعد الغاية التي إليها يقصد، ولا تفجعه الهزيمة أو تدعوه للنزول عن رأي من آرائه، تولت وزارات توفيق نسيم باشا في أول ديسمبر سنة ١٩٢٢ لتكون صلة ما بين القصر والوفد، فأبعدت من كانوا يلقون من وزارة ثروت باشا عضدًا، فلما أبلغت إنكلترا إنذارها الخاص بنص السودان من نصوص الدستور، وتراجعت وزارة نسيم باشا وبدت عليها بوادر الهزال الذي يسبق الاستقالة، جاء عدلي باشا إلى دار السياسة، حيث كانت بنمرة ١٠ في شارع المبتديان، فاستقبلته أول ما أقبل ووقفت وإياه في الشرفة المطلة على حديقة الدار، فأخبرني أن الوزارة قدمت استقالتها أو أوشكت، وأظهر لي أنه يسرُّه أن تقابل السياسة هذه الاستقالة بكل قصد واعتدال. ودُعي رحمه الله ليؤلف الوزارة التي تعقب وزارة نسيم، فوضع برنامجًا نشرته السياسة أيامًا متكررة، أساسه عود وحدة البلاد، ومع أن الأمر ظل بين يديه أسبوعين كاملين أبدت مصر خلالهما ميلًا إلى تحقيق هذه الوحدة، فإن ظروفًا خاصة جعلته يتنحى عن تأليف الوزارة، مما دل على أن الظفر السياسي الذي فاز به الأحرار الدستوريون حين استقالت وزارة نسيم باشا؛ لم يجعل عدلي يسارع إلى الحكم متأثرًا بهذا الظفر حريصًا على الحكم لذاته. وفي أواخر سنة ١٩٢٣ أثناء المعركة الانتخابية الأولى التي أعقبت صدور الدستور ألقى الأستاذ محمد علي علوبة باشا خطابًا انتخابيًّا بفناء السياسة (١٠ شارع المبتديان)، وجه فيه أمورًا معينة للمغفور له سعد باشا زغلول، تردد بعض أعضاء الحزب في صواب نشرها، فذهبت فقابلت عدلي باشا بداره بقصر الدوبارة، وعرضت عليه الفقرات موضع الاعتراض في النشر. فسألني رأيي، فقلت إن عبارة واحدة تتعلق بصاحب العرش وما دار في محادثات ملنر عنه هي التي تقتضي الحكمة الإشارة إليها دون ذكر نصها، أما ما سوى ذلك فقد قاله سكرتير الأحرار الدستوريين بحضرة ألفين أو يزيدون فلا يمكن إغفال نشره، وتحادثنا في الأمر فأبدى هو بعض ملاحظات على رأيي فأصررت عليه، وخرجنا معًا إلى كلوب محمد علي، فوجدنا صدقي باشا به فعدنا نتحدث في الأمر. وانضم صدقي باشا إلى ملاحظات عدلي باشا وتمسكت أنا برأيي، فسأل عدلي عن ثروت فقيل إنه غادر منزله حاضرًا إلى الكلوب، ولن أنسى قط دخوله إلينا في غرفة استقبال الزائرين، وجلوسه على الكنبة في صدر المكان، ومشاركته إيانا الحديث، وطلبه مني أن أطلعه على الفقرات موضع الاعتراض، ووضعه منظاره على عينيه، وتلاوته الفقرات وهو يرفع النظارة إلى جبينه حينًا ويهبط بها إلى عينيه حينًا، ثم تأييده أن خطابًا ألقي بالحزب لا يمكن عدم نشره؛ لأن كرامة الحزب مرتبطة بهذا النشر، فما أشار عدلي باشا إلى الفقرة الخاصة بالجالس على العرش وإلى ما اقترحت أنا من الاكتفاء بالإشارة إليها تردد ثروت في قبول رأيي ترددًا رأيت عدلي باشا يكاد ينضم له. لكنهم آثروا آخر الأمر مراعاة اللياقة في هذا المقام وحده، وكذلك كفت الإشارة إلى كرامة الحزب ليتنازل عدلي عن ملاحظاته الأولى وأذن بأن ينشر الخطاب كما هو مع الإشارة إلى الفقرة الخاصة بالعرش.

ولما تمت تلك الانتخابات في ١٢ يناير سنة ١٩٢٤ وفاز فيها سعد فوزًا أسندت إليه الوزارة بعده، رأى عدلي ظاهرة كانت الأولى من نوعها، أو كانت على الأقل واضحة وضوحًا لم يسبق مثاله. فجماعة من النواب الذي انتخبوا أحرارًا دستوريين، وبعضهم متعلم التعليم العالي، وبعضهم غني طائل الغنى، وبعضهم عضو بمجلس إدارة الأحرار الدستوريين، ما فتئوا أن رأوا سعدًا تولى الحكم وعزل بعض المديرين وأخذ بسياسة الشدة في الحكم حتى تركوا صفوفهم في الأحرار الدستوريين وأعلنوا انضواءهم تحت لواء سعد. ولما كان النضال العنيف مما لا تسيغه نفس عدلي، فإنه رأى في هذه الظاهرة ما زاده رغبة عن النضال وميلًا إلى اعتزال الحياة الحزبية، وقد ترك رئاسة الأحرار الدستوريين بالفعل في ذلك الظرف ولم يعد مِن بعدُ إليها، وإن بقي حرًّا دستوريًّا طوال أيامه، وإن بقي طوال أيامه حريصًا على فكرته الأساسية، وهي أن وحدة الأمة وحدة صادقة نزيهة القصد بعيدة عن شوائب الأغراض الذاتية هي وحدها وسيلة النجاح في تحقيق غاياتها.

بقي حرًّا دستوريًّا طوال أيامه، كان كذلك أيام وزارة الائتلاف في سنة ١٩٢٦ وسنة ١٩٢٧، وبقي كذلك في ظرف حسبه الأحرار الدستوريون قد تغير عليهم كل التغير، ذلك حين تولى الوزارة لإجراء الانتخابات في سنة ١٩٢٩ بعد استقالة محمد محمود باشا، في ذلك الظرف أخذ الأحرار الدستوريون عليه أنه خالف سياسة وزارة الأحرار الدستوريين بما أجرى من نقل المديرين ومن دعوته الوفديين دونهم إلى مأدبة ٩ أكتوبر عقب توليته الوزارة مباشرة، ومن بعض أمور أخرى قد يراها الإنسان اليوم صغيرة، ولكنها تبدو جسيمة في ظرفها، وقمت في السياسة بحملة حول الأمر الملكي الذي صدر في ١٩ يوليو سنة ١٩٢٨ أول قيام وزارة محمد محمود باشا، وطلبت إلى الوزارة أن تبدي رأيها فيما إذا كان هذا الأمر باطلًا أم غير باطل، إذ ذاك دعاني عدلي باشا لمقابلته بالإسكندرية فرأى إخواني الأحرار الدستوريون أن يحمِّلوني إليه عتبهم عليه، فلما سردت أمامه مواضع العتب ناقشها واحدة واحدة في سكينة وهدوء، ثم قال: وهل تحسب أنت أو يحسب الأحرار الدستوريون أن يكون عطفي يومًا ما مع غيرهم؟

وبقي حرًّا دستوريًّا طوال أيامه، فلما عرضت فكرة الوزارة القومية وأشار إليه مندوب إنكلترا السامي بصددها في أواخر سنة ١٩٣١ وحدثت مناقشتها في سنة ١٩٣٢، كان تفكيره فيها حرًّا دستوريًّا. لكنه كان يختلف مع الأحرار الدستوريين في أنه كان عزوفًا عن النضال الذي يحبون، وكان لا يرضى التقدم إلى العمل السياسي إلا في الجو المطَمئن، وميله عن النضال العنيف وعدم حرصه على تولي الحكم إلا حيث يصفو الجو جعله من المصريين القلائل الذين تستطيع أن تتبع آراءهم وحياتهم فتراهم متفقين دائمًا، وترى بينهم وحدة متصلة رغم كل التطورات، وحدة أوضح ما فيها نزاهة القصد وسمو الكرامة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.