كنا شَرِهين يكاد يُفْسِدنا الشَّرَهُ، وكنا نَهِمين يكاد يهلكنا النهم، وكانت حياتنا السياسية، والعقلية، والاقتصادية، معرضة لأخطارٍ لا تكاد تُحصَى، ومصدرها الاندفاع في حب المثل الأعلى، وفي طلبه إلى غير حد. فلم نقنع من السياسة بأقل من الاستقلال التام، والحياة الديمقراطية الكاملة. ولم نكن نقنع من الرقي العقلي بأقل من الوصول إلى مثل ما وصل إليه الأوروبيون من التفوق في الأدب والفن، وفي العلم والفلسفة. ولم نكن نقنع من الرقي الاقتصادي بأقل من هذا الاستقلال الذي يكفل لنا شخصية بارزة في الاقتصاد على اختلاف فروعه، شخصية لا تفنى في الأجنبي، وإنما تثبت له وتقاومه، إن دعت المصلحة إلى المقاومة.

كنا شرهين يكاد يفسدنا الشره، وكنا نهمين يكاد يهلكنا النهم، وكانت القناعة أقل الفضائل التي تزدان بها نفوسنا تلك الطامعة، الطامحة، التي لا تعرف هدوءًا ولا استقرارًا، ولا رضا بالقليل.

كنا مضرب المثل بين الشرقيين في الطمع والطموح، بل كنا مصدر العدوى للشرقيين في الطمع والطموح، وكان كثير من شعوب الشرق لا يكاد يتصل بنا من قريب أو بعيد، حتى يصيبه ما أصابنا من الشره، ويدركه ما أدركنا من النهم، ويصبح مثلنا شجى في حلوق المستعمرين، وأذى في أجواف الأوروبيين.

ونشأ عن إسرافنا في الشره والنهم، وعن إسراف الشرق في تأثرنا والاقتداء بنا أن أصبحنا وأصبح الشرقيون مصدر تنغيص لهؤلاء الساسة الأوروبيين، الذين كانوا يودون لو استراحوا منا ومن إخواننا الشرقيين، ومضوا في استغلالنا وفي استغلالهم لا يجدون مقاومة ولا إباء، وفرغوا لما يعنيهم من شئونهم الأوروبية الخالصة. ولكنهم كانوا ينظرون، فإذا مصر تطلب الاستقلال وتلح في الطلب، وإذا الشرق يسعى إلى الحرية ويلح في السعي، وإذا هم مضطرون إلى أن يقاوموا هنا ويقاوموا هناك، وإلى أن يسلكوا في هذه المقاومة طرق المخاشنة حينًا وطرق المحاسنة حينًا آخر.

وكنا ننظر، وكان الشرقيون ينظرون إلى هذه المقاومة العنيفة اللينة، فلا يزيدنا النظر إليها إلا غلوًّا في الطمع، وإغراقًا في الطموح، وشجاعة على المطالبة بالحق، وإلحاحًا في الوصول إليه كاملًا موفورًا.

كذلك كُنَّا. ولكن الله قيَّضَ لنا من يعلمنا القناعة ومحاسنها، ويردنا عن الشره ونقائصه؛ فأخذنا نتواضع قليلًا قليلًا، حتى انتهينا من القناعة إلى حظٍّ لا بأس به، وبلغنا من الاعتدال منزلة معقولة، يرضى عنها ويطمئن إليها سادتنا المستعمرون.

كنا نستمتع من الحرية الدستورية بنصيبٍ عظيم: انتخاب عام مباشر، وسلطة واسعة للبرلمان في السيطرة على الوزارات وتصريفها لأمور السلطان؛ فرُدِدْنا عن ذلك إلى انتخاب ضيق مقيد، وإلى سيطرة محدودة على الوزارات، وكنا نحيا حياة ملؤها الأمل في حل ما بيننا وبين الإنجليز من خلاف، وتحقيق ما نطمح إليه من الاستقلال، وكنا نسعى إلى ذلك سعيًا مطردًا، ونُوفَّق إلى الخير فيه توفيقًا متصلًا؛ فقيَّض اللَّه لنا مَنْ علَّمَنا كيف نصبر، وكيف نتئد، وكيف ننتظر.

وها نحن أولاء نصبر منذ ثلاثة أعوام وننتظر منذ ثلاثة أعوام. وقد ظهر أن الوزارة المستقيلة قد نجحت فيما أخذت نفسها به من الصبر والاتئاد والانتظار، وأن لا بد من وزارة أخرى تخطو بمصر خطوة أخرى فالصبر خير، ولكن اليأس خير من الصبر، والاتئاد خير ولكن العدول خير من الاتئاد، والانتظار خير ولكن النسيان خير من الانتظار.

وكذلك استطاع رئيس الوزراء أن يتحدث إلى مكاتب الديبا، فيقول في هدوء واطمئنان إنه يضع السياسة في المرتبة الثانية، وهذا نوع من الاقتصاد في التعبير؛ فالظاهر أن رئيس الوزراء لا يريد أن يضع السياسة في مرتبة من المراتب، وإنما يريد أن يهملها إهمالًا، وينصرف عنها انصرافًا، وينفق أيامه في أن يدبر لنا حياة وادعة كوداعته، متواضعة كتواضعه، هادئة كهدوئه، راضية بالقليل، كما يرضى هو بالقليل.

وإذن؛ فمن الخير أن يسير الناس سيرة وزرائهم، كانوا ينتظرون حين كان صدقي باشا ينتظر، فيجب أن يعدلوا لأن عبد الفتاح يحيى باشا يُؤْثِر العدول. حديث المفاوضة إذن لغو لا ينبغي أن يُضيَّع فيه الوقت، وحديث الاستقلال عبث لا ينبغي أن يُنْفَق فيه الجهد، وحديث الحرية ترف لا ينبغي أن يُعْنَى به قوم لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم الجوع. ومن يدري؟! لعل الأمة المصرية كلها كانت مخطئة أقبح الخطأ حين سَعَتْ إلى الاستقلال، واندفعت في الآمال، وضحَّتْ بالأنفس والأموال، واحتملت ما احتملت من الفتن والمحن، ولقيت ما لقيت من الكوارث والخطوب. لعل الأمة المصرية كلها كانت وما زالت مخطئة حين فكرت في الاستقلال وحين تفكر فيه؛ لأن الأمم تخطئ وتصيب!

وما دام صدقي باشا وهو معصوم قد رأى لها القناعة والاعتدال، وما دام عبد الفتاح يحيى باشا وهو معصوم قد رأى لها الزهد، والرضى، والنسيان، فيجب أن تكون الأمة المصرية كلها مخطئة، ويجب أن يكون الصواب كله عند هذين الرئيسين العظيمين.

ليرتح الإنجليز إذن لقناعة المصريين، وإقبالهم على الزهد، كما ارتاح حزب الشعب لعودة المفصولين من الحظيرة بعد أن أُخْرِجوا منها. وليثق الإنجليز بأن المصريين سيقنعون، وسيحرصون على القناعة حرصًا شديدًا، سواء أرادوا ذلك أم لم يريدوه، فما دامت الوزارة قانعة تضع السياسة في المرتبة الثانية، أو تضعها في غير مرتبة، فيجب أن يقنع المصريون، وأن يسيروا سيرة وزرائهم. فإنْ أعجبهم هذا فذاك، وإن لم يعجبهم هذا ففي مصر شرطة وجند، يعرفان كيف يغلان الأيدي والأرجل، وكيف يعقدان الألسنة، ويكممان الأفواه، وكيف يردان الناس إلى ما ينبغي لهم من الطاعة والإذعان.

كنا لا نقنع بالرخاء واليسر، بل نطمع في التزيد منهما والإغراق فيهما، فعلمنا صدقي باشا أن نداعب الأزمة وتداعبنا، وأن نحس لذعها وننكر وجودها. وهذا عبد الفتاح يحيى باشا يعلمنا الشجاعة والقناعة معًا، فهو يأخذنا بأن نحس لذع الأزمة ونعترف بها، ونرضى عنها ونيأس من زوالها؛ لأن وزارته لا تستطيع أن تأتي بالمعجزات! وإذن؛ فلابد من أن نكد ونجد، ونهلك أنفسنا في الكد والجد؛ لنؤدي الضرائب، ونوفي الدَّين كما يريد الدائنون، إنْ بقي لنا شيء استعنا به على الحياة وإن لم يبقَ لنا شيء؛ فما ألذَّ ألم الجوع! وما أجمل الرضا به والصبر عليه!

كنا نريد أن ينتشر فينا التعليم واسعًا، عميقًا، متينًا، مرقيًا للعقول، مقوِّمًا للأخلاق، ضامنًا لكرامة العلماء والمتعلمين جميعًا؛ فعلَّمَنا صدقي باشا أن العلم وسيلة لا غاية، وأن العلماء والطلاب وسائل لا غايات، وأنهم لذلك أدوات لا أكثر ولا أقل، وأنهم أدوات في يد الدولة، تصوِّرهم كما تحب وتصرفهم كما تشاء.

وأقبل عبد الفتاح يحيى باشا فأخذ يعلمنا أن الأدوات لا ينبغي لها أن تفكر ولا أن تريد ولا أن تقاوم، وإنما ينبغي لها أن تستسلم وتطيع؛ فإذا قيل للجامعيين: اقبلوا ما يأباه القانون. وجب عليهم أن يقبلوا، وإذا قيل للإلزاميين: تخففوا من حريتكم وكرامتكم وحقوقكم التي يكفلها الدستور. وجب عليهم أن يفعلوا! ذلك لأننا جميعًا في حاجة إلى أن نعيش، والرجل العاقل هو الذي يُعنَى بالضروري قبل الكمالي، والرجل العاقل هو الذي يذعن للظروف، والرجل العاقل هو الذي يُؤثِر العيش على أي شيء آخر.

طلب الاستقلال يصرفنا عن العيش ويلهينا بالمثل الأعلى، طلب العدل في تدبير الأمور الاقتصادية يصرفنا عن العيش ويلهينا بالمثل الأعلى، طلب الكرامة للعلماء والمتعلمين يصرفهم عن العيش ويلهيهم بالمثل الأعلى.

ولست أعرف أشدَّ حمقًا من هؤلاء الذين يلهون أنفسهم بالمثل العليا ويعرضون أنفسهم للجوع.

رئيس الوزراء رَفِيقٌ بنا، شَفِيقٌ علينا، يريد أن يبرئنا من عيب الشره والنهم وأن يعلمنا القناعة والاعتدال، يريد أن ندع المثل العليا للشعراء والمترفين، وأن نفرغ لما ينبغي أن يفرغ له أمثالنا من طلب العيش.

أفترانا نستفيد من هذه الدروس العالية الغالية، التي يلقيها علينا رئيس الوزراء؟! كلا؛ لأننا لم نستفد من دروس عالية غالية ألقاها علينا قوم آخرون قبل رئيس الوزراء، ولأننا — مع الأسف أو مع السرور — نؤثر المثل العليا على العيش، ونتهافت على المثل العليا كما يتهافت الفَرَاش على النار، لا نكره أن نحترق فيها وإنْ أَحَبَّ غيرُنا العافيةَ وهدوءَ البال.

ما أجدر رئيس الوزراء أن يقتنع بما اقتنع به غيره من الذين سبقوه إلى وضع السياسة في المرتبة الثانية أو في غير مرتبة؛ فيضع السياسة في المرتبة الأولى، فإن لم يستطع ذلك استقال؛ لأن الأمة لا تريد، ولا تستطيع إلا أن تكون السياسة قوام حياتها حتى يقضي اللَّه بيننا وبين الإنجليز!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.