طوَّرت حشرة العُثَّة آذانًا تمكِّنها من سماع موجات السونار الصادرة عن الخفافيش، لكن الخفافيش تكيَّفت مع ذلك عبر خفض صيحاتها إلى مستوى الهمْس؛ وعندما طوَّر السمندل سمومًا قوية قادرة على قتل المُفترِسات المحتملة، طوَّر نوع من الثعابين مناعةً ضد تلك السموم؛ وبينما تزداد سرعة الغزالة كي تسبق صيَّادَها، لا يزال الفهد بدوره يفوقها سرعة. يعجُّ عالم الطبيعة بسباقات التسلُّح التطوُّرية تلك، وهي معارك لا نهائية يُقابَل فيها تكيُّف أحد الأطراف بتكيُّفٍ آخر مضادٍّ لدى خَصْمه، ويتأرجح كلا الطرفين داخل دائرة الخطر وخارجها، في تغيُّر دائم ولكن في صراع أبديٍّ.

من ناحية أخرى، ينشغل الجينوم البشري بسباق تسلُّح تطوري مماثل … لكنه ضد نفسه.

إن خُصوم الجينوم هي مجموعة من جينات متواثبة يُطلَق عليها الجينات المتنقِّلة القهقرية، في وُسْعها التنقل من موضع لآخر داخل الجينوم. تزيد تلك الجينات أعدادها عن طريق نسْخِ نفسِها ولصق النُّسَخ في مواقع جديدة، ويحقِّق هذا الأسلوب الحياتي المتنقِّل نجاحًا كبيرًا، حتى إن الجينات المتنقِّلة القهقرية تشكِّل ما يزيد عن ٤٠٪ من الجينوم البشري. بعضٌ من تلك الجينات استقر، وأصبح الآن أشباحًا ساكنة لذواتها التي كانت نَشِطةً فيما مضى؛ بينما ما زالت جينات أخرى في حركة دائبة.

في حال هبوط النُّسَخ في المكان الصحيح، قد تصبح صلصالًا لبناء صُوَرٍ جديدة من التكيُّف، أما إذا حطَّتْ في المكان الخاطئ — وهو ربما يكون الاحتمالَ الأوفر حظًّا — فقد تُسبِّب أمراضًا عبر تعطيل جينات مهمة؛ لهذا يملك الجينوم في جَعْبته وسائلَ لإبقاء تلك التسلسلات المتنقِّلة تحت السيطرة، إحداها تتضمن جِينًا يُطلَق عليه KAP1، وهو بمنزلة مهدِّئ يلتصق بالجينات المتنقِّلة القهقرية ويمنع نشاطها.

يختلف تأثير جين KAP1 مع اختلاف أنواع الكائنات الحية؛ إذ يستهدف تلك الجينات المتنقِّلة القهقرية التي تنشط في الجينوم الخاص بنوع الكائن؛ فعلى سبيل المثال، لن يستطيع جين KAP1 البشري السيطرةَ على الجينات المتواثِبة لدى فأر، والعكس صحيح. يعتقد بعض العلماء أن هذا التخصُّصَ يرجع إلى مجموعةٍ أخرى من الجينات تُدعَى KZNFs، فهي التي توجِّه جين KAP1 عبر البحث عن عوامل وراثية متنقِّلة قهقرية بعينها والالتصاق بها؛ إنها تشبه شرطيَّ الدورية الذي يتجوَّل في الحيِّ بحثًا عن الجرائم ويستخدم اللاسلكي لطَلَبِ الدَّعْم. يستهدف كلُّ جين من جينات KZNFs نوعًا مختلفًا من الجينات المتنقِّلة القهقرية، وتملك أنواعُ الكائنات الحية على اختلافها مجموعتَها الخاصة من تلك الجينات.

ذلك هو ما يحدث نظريًّا على الأقل، أما في عالم الواقع، فنحن على عِلْم بوجود الكثير من مجموعات جينات KZNFs، لكن لم يستطع أحدٌ مطابقةَ أيٍّ منها مع هدف مُحدَّد؛ ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن تلك الجينات تؤدِّي عملها بكفاءة كبيرة، حتى أصبح من الصعب مشاهدة الجينات المتواثِبة أثناء عملِها.

توصَّل فرانك جاكوبز وديفيد جرينبيرج من جامعة كاليفورنيا، بسانتا كروز، إلى حلٍّ لهذه المشكلة عبر إقحام الجينات المتنقِّلة القهقرية في خلايا الفئران، وهي بيئة تخضع لمراقبة أقل؛ إذ ملئوا خلايا الفئران الجذعية بكروموسوم بشريٍّ واحد. تكيَّفَتِ الفئران على التحكُّم في الجينات المتنقِّلة القهقرية الخاصة بها؛ لذا فهي لا تدري شيئًا عن العوامل البشرية؛ ومن ثَمَّ بدأت الجينات المتواثِبة على الكروموسوم البشري — بعدما تحرَّرت من القيود المعتادة المفروضة عليها — في الانتشار على نحْوٍ يشبه إلى حدٍّ كبير حيوانًا دَخِيلًا يعيث فسادًا في جزيرة تخلو من المفترسات المستوطنة. والآن يستطيع الفريق مواجهةَ تلك الجينات الهائجة بجينات KZNFs بشرية مختلفة، وملاحظة إنْ كان أيٌّ منها يستطيع إخضاعها للسيطرة أم لا.

اكتشف العلماء أنَّ نوعَيْنِ من الجينات — ZNF91 وZNF93 — قادران على ذلك؛ إذ يستطيع كلٌّ منهما كبْحَ فئة رئيسيَّة من الجينات المتنقِّلة القهقرية — وهما فئتا SVAs وL1s بالترتيب — التي ما زالت تتواثَب في أنحاء الجينوم البشري اليوم.

عُثِر على الجينَيْن ZNF91 وZNF93 في الرئيسيات فحسب، لكنهما تعرَّضَا لكثير من التغيُّرات حتى بعيدًا عن سُلالَتِنا البشرية المحدودة؛ على سبيل المثال، تتمتَّع النسخة البشرية من جين ZNF91 بسِماتٍ متميزة تُوجَد لدى الغوريلا، لكنها لا توجد لدى القرود؛ ولأجل فهْمِ قيمة تلك التغيُّرات، درس نجان وين وبنيديكت باتن تاريخَ تطوُّر تلك الجينات الحديثة، وذلك عبر إعادة تكوين نُسَخِها المتوارَثة في مراحل تطوُّرها المختلفة.

اكتشَفَ الباحثان أنه في فترةٍ تتراوح بين ٨ و١٢ مليون عام مضَتْ اكتسب جين ZNF91 سِماتٍ حسَّنت من قدرته على التحكُّم في الجينات المتنقِّلة القهقرية تحسُّنًا جذريًّا؛ تلك هي المرحلة التي سبقت تفرُّع البشر من الغوريلا والشمبانزي في مسار تطوُّر الرئيسيات. كذلك مرَّ جين ZNF93 بتغيُّرات جذرية مماثِلة منذ فترة تتراوح بين ١٢ و١٨ مليون عام مضَتْ، قبل افتراق البشر (والقرَدَة العليا الأخرى) عن إنسان الغاب.

تشير تلك النتائج إلى أن جينات KZNFs لدى القردة تطوَّرت سريعًا بهدف السيطرة على الجينات المتواثِبة، وهي بالفعل إحدى أسرع المجموعات الجينية نموًّا لدى الرئيسيات. يُوجَد لدينا حوالي ٤٠٠ جين من تلك المجموعة، من بينها حوالي ١٧٠ جينًا مُستحدَثًا موجودًا لدى الرئيسيات فحسب، وتعكس تلك القوات الشرطية المنتشرة سباق التسلُّح الجيني الدائر لدينا.

على صعيد آخَر، بدأت الجينات المتواثبة في المقاومة؛ فعلى سبيل المثال، اكتشف الفريق أن جين ZNF93 يكبَح جينات L1 عن طريق ملاحظةِ تسلسلٍ مميز قصير يُوجَد لدى معظمها، لكن بعض جينات L1s — لا سيما تلك الأحدث نشأةً — فقدت هذا التسلسل المميز بالكامل؛ ومن ثَمَّ يمكنها التواثُب دون أن يلاحظها أحد.

عادةً يتسبَّب التسلسل المميز المفقود في تحسين قدرة الجينات المتواثبة على القفز، لكن هذه الميزة التعزيزية أضحَتْ في النهاية عائقًا لا يُستهان به، بما أن جين ZNF93 تطوَّرَ ليصبح قادرًا على التعرُّف عليها؛ ومن ثَمَّ فقدت بعض جينات L1s هذه الميزة، وقلَّتْ كفاءتها في القفز، لكنها على الأقل ما زالت قادرة على التواثُب.

تُقدِّم هذه الظاهرة مثالًا على سباق تسلُّح تطوُّري تقليدي؛ حيث يهجم العائل فيتفادَى الطفيلُ الهجومَ، وتستمر المبارزة. لكن خلافًا للمعارك التي نألفها بدرجة أكبر بين الثعبان والضفدع، أو بين العائل والفيروس، فإن في تلك الحالة نحن نشنُّ حربًا ضد حمضنا النووي.

يكتنف ذلك كله طابع عَبَثيٌّ؛ إذ يبدو أن القطاع الأكبر من الجينوم البشري منهمكٌ في مبارزة لا جدوى منها في النهاية إذا لم يتمكَّن أيٌّ من الطرفين من التقهقر أو من إحراز تقدُّم، لكن تلك المعارك ليست عبثيةً كما تبدو.

فقد اكتشَفَ الفريق أن جينات KZNFs تكبَح جزئيًّا الجيناتِ المحيطة بالجينات المتنقِّلة القهقرية كذلك؛ فعندما تعثر تلك الجينات على هدفها، تُجْبِر جميعَ الجينات المحيطة بإيقاف نشاطها كذلك، وهي خطوة مهمة لأنها تؤثِّر تأثيرًا عظيمًا على نشاط الكثير من الجينات البشرية، بخلاف الجينات المتنقِّلة القهقرية. يشير ذلك إلى إمكانية استخدام جينات KZNFs في النهاية للتحكُّم في نشاط الجينات التي تَهْبِط بجوارها الجيناتُ المتواثبة (كأنْ ينقذ ضابطُ شرطة قطةً بجانب القبض على أحد المشتبه بهم). قد يؤدِّي سباقُ التسلُّح هذا إلى ظهور مزيد من الشبكات الجينية المُعقَّدة، وربما مزيد من الأجسام أو السلوكيات المُعقَّدة كذلك.

The Human Genome Is in Stalemate in the War Against Itself by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. September 28, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.