ذهبت في المقال السابق أن عمل الخاصة ينتهي إلى إرشاد الجماعة، ورقابتها في سلوكها، وأحاول في هذا المقال أن أتحدث في الزعامة والزعيم.

زعيم القوم في «لسان العرب» هو: رئيسهم، والمتكلم عنهم ومدرههم، وجمعه: زعماء، والزعامة: الرياسة.

ويحصر العرف كلمة الزعامة وما يشتق منها في دائرة المسائل الاجتماعية، فلا يقال لرجل تخصص في علم النبات، وقدم فيه الآراء الطريفة، إنه زعيم نباتي، ولكن يقال زعيم لرجل اشتغل بعلوم التاريخ والعمران والاقتصاد واهتدى إلى رأي يخلص من تلك العلوم فذهب للدعوة إليه وأيده في ذلك شيعة، ولنضرب الأمثال ونتذكر الذين قضوا، ﻓ «ماركس» يسمى زعيم الفكرة الاشتراكية.

وقد يقال لرجل مثل الشيخ محمد عبده اشتغل بجِد وطرافة بفكرة الإصلاح الديني، إنه زعيم نهضة إسلامية دينية.

وقد يقال لرجل مثل مصطفى كامل اشتغل في بلده بإحياء الروح الوطنية، إنه زعيم الفكرة الوطنية في مصر.

وقد يقال كذلك لرجل مثل قاسم أمين اشتغل بتحرير المرأة المسلمة وجهر بهذا المذهب، إنه زعيم النهضة النسائية في المسلمين. ومن هذه الأمثال التي قدمنا يتضح بجلاء أن لفظة الزعامة والزعيم لا تنصرف إلا في شئون العمران كما أسلفنا.

وإن من يتأمل مليًّا يتبين له أن معنى الزعامة إما أن يتصل بفكرة عالمية تشمل الناس جميعًا، وتعم من متسع المكان، وفي تعاقب الأزمان، وإما أن تتصل بفكرة أقل شمولًا وأصغر من أن تعم في أوسع المكان، وأقصر من أن تعيش في طويل الزمان. ومثال الفكرة الأولى فكرة الناس في الارتقاء بين البشر، وفكرة الاشتراكي في جعل الخير متاعًا مشتركًا بين الناس، فإن زعماء البنائين الأحرار الذين سعوا لتحقيق مذهبهم بين الناس، لم يكن قصدهم بث الدعوة في زمن معين أو أمة من الناس محدودة، ولكن قصدهم نشرها في كل زمان وفي كل أمة. أما مثل الزعامة الضيقة القليلة الشمول، فقد يكون في فكرة لا يتعدى أثرها أمة معينة، مثل التي كانت لقاسم أمين في الذهاب إلى تحرير المرأة المسلمة؛ فإن زعيم نهضة المرأة المسلمة وأنصاره لم يوجهوا جهودهم ومطامحهم السامية إلا في إصلاح قوم معدودين وفي زمان معروف.

وهناك نوع آخر من الزعامة أقل أثرًا في الإنسانية مما تقدم، وأدنى في مراتب الأفكار، وألصق بالجزئيات منه بالكليات، ولأضرب لذلك مثلًا: هب أنه ألقي في مجلس نواب اليونان مسألة التعليم، أيكون باللغة الفصحى القديمة أو باللغة المستعملة، فقام أحد النواب وذهب إلى وجوب استخدام اللغة المستعملة، ووجد له أشياعًا وانتهى الأمر له بالفوز. هذا النائب يسمى لذلك زعيمًا، وتنتهي زعامته بانتهاء المعركة، ولا تتعدى أثر زعامته ومذهبه بلدًا من البلاد، ولا تخرج زعامته عن حالة من الأحوال الجزئية أو حدثًا من الأحداث العادية التي تتردد في سنة الكون العمراني والوجود الاجتماعي.

وهب أن عمال الترام رأوا أن تزاد أجورهم، فزعم عليهم في ذلك للرأي واحد منهم، وما زال يناضل ويؤيده الآخرون ويعمل معه لذلك أشياع له حتى فازوا ببغيتهم أو رجعوا عن مطلبهم، فإن الفرد الذي تقدم على إخوانه بالرأي وكانت له الكلمة المطاعة في ذلك، والجهاد الأكبر، قد يطلق عليه اسم زعيم عمال الترام، ولكن زعامته محدودة في طائفة وفي حالة وفي جماعة ليس لها أثر خارج الدائرة التي كانت فيها زعامته، ولا في غير الحالة التي مكنته من تلك الزعامة.

والخلاصة أننا نستطيع من سوق الأمثال العديدة أن نقسم الزعامة إلى قسمين كبيرين، نطلق على أولهما: زعامة فكرية أو زعامة فكرة، ويطلق على الثاني: زعامة حالية أو زعامة حالة.

فزعماء القسم الأول تعيش أسماؤهم ما ظلت الفكر التي قامت عليها زعامتهم متحققة في الوجود فتجد لها أنصارًا وأشياعًا، وزعماء القسم الثاني تظل زعامتهم وأسماؤهم حية ما ظلت الحالة التي قامت عليها زعامتهم تتطلب قيادتهم ومسعاهم. وكثيرًا ما تختلط صورة زعماء القسم الأول بصورة المصلحين، وكثيرًا ما تختلط صورة زعماء القسم الثاني بصورة الثوار والمحرضين، وتلك الصفات تتحدد بحدود الأغراض والأعمال المقرونة بسعي الزعيم.

وسنبين في المقال الآتي إن شاء الله شروط الزعامة، وما يمكن أن يحدث من تطورات في نفس الزعيم، وما يجب على الأمة نحوه وما عليه للأمة من الواجبات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.