ألبرت كامي أديب مجدود في شهرته، وفيلسوف على الرغم منه، وصاحب مذهب لم يذهب إليه!

ولا يُفهَم من خدمة الجد له في شهرته أنه قليل الفضل غير جدير بهذه الشهرة، وإنما يُفهَم منها أنه نال ما لم ينله أمثاله في أدبه وعلمه، وأنه يستحق العناية، ولكنه ليس بالمستحق الوحيد لعناية قومه وغير قومه، ممن يقرءونه ويُعنَون بآرائه في عالم الثقافة العربية.

كذلك لا يُفهَم في زيادة شهرته — على قدرته — أنه اختلس تلك الشهرة أو احتال لها بحيلة معيبة تغض من فضله، فإن المعروف عن هذا الأديب — خاصة بين أدباء بلاده — أنه براء من تلك الحِيَل المصطنعة التي يُستعان بها كثيرًا في بيئة الفن الفرنسية على إظهار من لا يستحق الظهور، أو اللغط بمن هو أحق بالإهمال أو بالازدراء، ويدل تاريخ الرجل ومنهجه في كتابته على صدق الرغبة في تصوير الحقائق كما يحسها ويدركها، وعلى صدق الغيرة الإنسانية في عرض مشكلاته وقضاياه.

ولكنه قد بلغ حقه — وفوق حقه — من المكانة الأدبية غير محتال، بل غير مترقب لتلك المكانة من حيث أتته، وإنما فُرِضَتْ عليه شهرته في الواقع؛ لأن الأقدار شاءت له على الدوام أن يقف في طريق معركة ناشبة، وأن يكون له دور مشترك في تلك المعركة، يلتفت إليه كل من الفريقين المتقابلين.

نشأ فرنسيًّا في بلاد الجزائر، فكانت نشأته ثمة خلال المعركة التي جعلت من بلاد الجزائر ميدان الميادين في شئون السياسة الداخلية، وشئون الثروة والاقتصاد، وشئون الحكم المضطربة بين دعاة الاستعمار ودعاة الحرية والسلام.

ووُلِد قبل الحرب العالمية الأولى بسنة، وتقدم للكتابة بعد الحرب العالمية الثانية بسنة، وحمل أثقال الحربين من طفولته إلى عنفوان شبابه، وطرح هذه الأثقال جملة واحدة يوم كانت هذه الأثقال شغلًا شاغلًا للخواطر والقرائح في الديار الفرنسية وتوابعها على التخصيص، وتحدث عنها حديث من رضعها وفُطِم عليها ودرج بها في خطواته الأولى، فوجد الأسماع صاغية إليه، ليقول لها ما تود أن يُقال لها، وإن لم يكن فيه غناء ولا راحة من عناء.

وكان العراك بين الشيوعية والوجودية على أشده يوم كان يكتب ما يحسبه الوجوديون في مذهبهم ولا يحسبه الشيوعيون حربًا عليهم، بل كان في الواقع صديقًا لسارتر إمام الوجودية الفرنسية، وكان عضوًا من أعضاء الحزب الشيوعي بضعة أشهر قبل أن يتثبت من مكان قدميه بين المعسكرين، ثم نفض عنه الشيوعية والوجودية معًا يوم اتفق سارتر وأتباع كارل ماركس؛ لأن صاحبنا لمس ضميره يومئذٍ فأحس أنه بعيد من المعسكرين.

وشهد له من يوافقهم ومن يخالفهم بالإخلاص في وفاقه وخلافه، فظفر منهم بتقدير الإخلاص كلما فاته تقدير الرأي والعقيدة.

ليس بوجودي

ويذكره الآن بعض النقاد في عداد الوجوديين وليس هو منهم، بل لعله يُحسَب منهم بصفحة هنا وصفحة هناك من كتبه ورواياته، وينتمي إليهم ببعض آرائه في الحرية الفردية والشخصية الإنسانية، ولكنه يبتعد من الفلسفة الوجودية ابتعاد الغرباء عنها، ويمر بمشكلاتها وهو يكاد يجهل أنه على مقربة منها وأنه يوشك أن ينغمس في غمارها، وكل مشكلاته مشكلات وجودية في عرضها وتصويرها وحصر أسبابها، ولكنه عندما يكتب لها العنوان لا يكتبه بأسلوب الوجوديين، وعندما يلتمس لها الحل لا يتطلبه عامدًا ولا غير عامد حيث يتطلبه الوجوديون.

مسألة عدد

يقول مثلًا عن البغضاء الباردة التي يحسبها خاصة من خواص القرن العشرين لم يُسبَق إليها: «إن القرن العشرين بالبداهة لم يخلق البغضاء ولم يخترعها، ولكنه أنشأ منها فصيلة خاصة تُسمَّى بالبغضاء الباردة، وتُحْصَى آثارها بالمقادير الهائلة كأنها الأرقام الفلكية، وإن الفارق بين مذبحة الأبرياء في الماضي وبين طريقتنا في الحساب لَفارِق جسيم المعيار، فهل تعلمون أن سبعين مليون أوروبي من الرجال والنساء والأطفال قد انتُزِعوا من أوطانهم أو تشتتوا أو قُتِلوا في خمس وعشرين سنة بين عام ١٩٢٢ وعام ١٩٤٧؟»

هذه هي البغضاء الباردة التي ينعاها ألبرت كامي على القرن العشرين، ويرى أنه قد اختص بها دون القرون الغابرة، فلم يكن لها مثيل في تلك القرون …!

والحقيقة — فيما نرى — أن هذه البغضاء الباردة خليقة عامة في الإنسان من أبناء جميع العصور حين ينظر إلى المصابين والمنكوبين نظرة عددية حسابية، ولا ينظر إليهم من خلال «شخصية» محدودة الملامح والسمات، معروفة الوجدان والعاطفة، تصلح لمبادلة المودة والعداوة كما يتبادلها إنسان وإنسان متعارفان متفاهمان تعارف النفس والنفس، لا تعارف العدد والحساب، وتفاهم العقل والعقل لا تفاهم الجملة والكثرة.

ومن شاء دليلًا على هذه الحقيقة فليأخذ من تلك الملايين السبعين فتىً واحدًا يدير عليه قصة من قصص الواقع أو الخيال، ويصوِّر لنا أحلامه وآماله وأحلام أبويه وآمالهما فيه، وليجعل له خطيبة تحبه ويحبها، وتسعد بلقياه ويسعد بلقياها، ويجعل له عقيدة يناضل عنها ونِحلة وطنية أو إنسانية يغار عليها، وليعرضه بعد ذلك للبلاء الذي لا يبلغ القتل ولا التشريد في الآفاق، ولينظر أين تذهب البغضاء الباردة التي طوته مع سبعين مليونًا من أمثاله في كارثة واحدة مبهمة الأثر مطموسة المعاني والألوان!

إن ابن القرن العشرين الذي ينزعج لمصاب هذا الإنسان الواحد في القصة الواقعية أو الخيالية، هو ابن القرن العشرين الذي يسمع أن سبعين مليونًا مثله نُكِبوا وشُرِّدوا وقُتِلوا في خمس وعشرين سنة، فيقابل الخبر بما يسميه «كامي» بالبغضاء الباردة، ويحسبه دليلًا على جمود الحس ونضوب العاطفة ونقص الاستعداد لتبادل الشعور بينه وبين إخوانه الآدميين، ولم يتغيَّر بين الحالتين، إلا أن قارئ القصة يقرأ عن «شخصية» مرسومة، وأنه حين يسمع خبر الملايين السبعين، إنما يتلقى النبأ عن رقم من أرقام الحساب، قلَّما تتراءى من ورائه صورة آدمية نبادلها وتبادلنا العاطفة والشعور.

وابن القرن العشرين في هذه الخصلة كأبناء القرون الغابرة حين ينظر إلى الإنسان من خلال الشخصية الحية أو ينظر إليه أرقامًا معدودةً بالملايين أو بالألوف أو بالعشرات … ولا لوم عليه في ذلك؛ لأن طبيعته الحية لا تقوى على مضاعفة الشعور بمضاعفة العدد الكبير أو الصغير، ولو أن القارئ الذي تهزه مصيبة فرد واحد في القصة يهتز بهذا القدر لكل فرد ينطوي في الملايين السبعين، لصعقته الآلام المتراكمة في لمحة عين، ولم ينتفع هو ولا انتفع أحد غيره بهذا الشعور «الإنساني» الوبيل!

فلا فرق إذن بين القرن العشرين وسائر القرون فيما يسميه «كامي» بالبغضاء الباردة؛ لأن البغضاء الباردة كائنة حيثما حلت النظرة العددية محل النظرة «الشخصية» إلى خطوب بني آدم مجتمعين أو متفرقين، وإنما يبدو لنا أن القرن العشرين قد انفرد بها لأنه القرن الذي غلب فيه سلطان العدد على سلطان المزية في مبادئ السياسة والاجتماع، وفي تقرير وجوه الشبه ووجوه الاختلاف بين الناس في صفات العقل والخلق، ودرجات اليسر والعسر، وعوارض الصحة والمرض، وغيرهما من المقارنات بين الأحوال والأقدار على أساس الإحصاء ومقاييس الأرقام.

وهذه هي مشكلة الوجودية في صميمها، فإنما قامت الوجودية لإنصاف الفرد من طغيان الكثرة العددية، وإبراز المزايا الشخصية من وراء هذا الغمار الذي تتشابه فيه الأفواج تشابه الأمواج بالأمواج في لجج البحار.

ولو كان «كامي» فيلسوفًا يصدر في تفكيره عن فلسفة وجودية لوقف هنا طويلًا ليلتمس العلة الأصيلة في مكامنها، واستغنى عن البغضاء الباردة لتعليلها وتفسيرها، ولكنه يحس المشكلة ولا يفسرها على الطريقة الوجودية ولا على طريقة غيرها من الطرق الفلسفية.

ومسألة الجسد

وشبيه بمسألة العدد هذه مسألة أخرى من مسائل القرن العشرين، يُخيَّل إلى «كامي» وزملائه أنها ظاهرة جديدة على تاريخ الإنسان، وهي في حقيقتها ظاهرة ملازمة للإنسانية منذ تبينت في ضمائرها فارقًا محسوسًا بين روح وجسد أو بين فكرة ومادة، وتلك هي ظاهرة التمييز بين آلام الجسد وآلام النفس أو الوجدان، حيث يكون معنى الوجدان مستقلًّا عن معنى بنية الجسم ووظائف الأعضاء.

قال أندريه مالرو — زميل كامي في رسالة الثقافة الفرنسية: إننا اليوم نواجه مشكلة التساؤل عن الإنسان: هل مات؟

قال هذا في خطاب ألقاه على جماعة «الأونيسكو» عند نهاية السنة التالية للحرب العالمية الثانية، وأشار في مطلعه إلى قول نيتشه في القرن السابق أن الإله قد مات! فأشفق أن يكون «الإنسان» هو الذي مات، واتخذ من تعذيب الآدميين للآدميين في معسكرات الاعتقال نذيرًا بموت الإنسان.

هنا تنتهي بنا النظرة إلى الجسد كما انتهت بنا النظرة إلى العدد؛ لأن العذاب الجسدي والعذاب الفكري حالتان مختلفتان في شعور الإنسان، يتألم لأحدهما كما يتألم لضربة بالعصا أو طعنة بالخنجر، ويتألم للأخرى في أعماق السريرة والضمير ألم الفكر والروح أو ألم العقيدة والإيمان.

فليس للآلام الجسدية مشكلة «نفسية» تُعذِّبها بالحيرة والشك، وتساورها بالأمل واليأس، وتنفث فيها سورة الغضب للحق أو للكرامة، وقصارى هذه الآلام أنها شيء يُطاق أو لا يُطاق، ويصبر عليه الجسم أو ينوء به ويعجز عن احتماله.

إنما تنشأ المشكلة التي يضطرب لها الفكر، وتحتدم لها النفس عندما تشعر بعذاب الإنسان لا بعذاب الحيوان، فهو هو العذاب الذي تصاحبه ثورة الآراء والعقائد، وتنشأ معه الحيرة في أصول الأخلاق أو في غايات المساعي والآمال، وكل ما يحدث من المصائب الأخرى — مصائب الجسد — أننا ننهض لمنعها، وقمع المسئولين عنها، على يقين لا موضع فيه للحيرة والتردد بين باطل وحق أو بين خطأ وصواب.

ولهذا كانت نظرة القرن العشرين إلى مشكلة التعذيب في معسكرات الاعتقال كنظرته إلى ألم الضربة بالعصا أو الطعنة بالخنجر، ولم تُخلَق لها ثورة جديدة في عالم النفس ينفرد بها أبناء هذا القرن العشرين.

وعلى هذه الوتيرة ينظر الإنسان إلى مصائب الإنسان الجسدية وآلامه البدنية، فلا تخلق فيه مذهبًا جديدًا من مذاهب الأخلاق، ولا تلعجه بلاعجة طارئة من لواعج الحيرة، ولا بشك طارئ من شكوك التفكير.

وهنا أيضًا ننتهي إلى الفلسفة الوجودية من جانب النظرة الجسدية كما انتهينا إليها من جانب النظرة العددية، فإنما يكون التعاطف والتفاهم بين شخصية وشخصية ولا يكون بين جثمان وجثمان، وإنما يتمثل لنا الفرد بروحه وضميره وفكرته وعقيدته حين يثيرنا الغضب للعذاب الذي يمس الأرواح والضمائر والأفكار والعقائد، وليس لعذاب الأجساد من صدى في نفوسنا غير صداه الذي نحسه من الضربات والطعنات: مقاومة مادية لمصيبة مادية، ولا شيء وراء ذلك.

***

والأديب «كامي» يواجه هذه المشكلات بإحساسه ووجدانه، ولا يواجهها بفلسفة وجودية أو يزعم أنه ينظر إلى مصائب العصر كما ينظر إليها الفلاسفة الوجوديون، ولو نظر إليها تلك النظرة لوقف عند العلة الكبرى — علة العدد والجسد — وعرف أنها هي هي مصدر البغضاء الباردة، أو مصدر «البلادة» العارضة في هذا الزمن الأخير، وما هي بعارضة في الحقيقة إلا لأننا نتخطى «الشخصية» الإنسانية، ونحسب بني آدم بحساب الأعداد والأرقام.

إحساس واقعي

فإذا أردنا أن نضع «كامي» في موضعه من المفكرين المصلحين، فليس له موضع بين الفلاسفة الوجوديين ولا بين الفلاسفة على الإجمال؛ لأن معوله الأكبر على الإحساس لا على التفكير، ولأن الفكرة الوجودية أبعد الأفكار عن خاطره، وهي على مقربة منه.

كامي أديب إنسان، يجاهد في خدمة الإنسانية جهاد فنان، ومكانه الأصلح والأوفق بين مدارس الفن، يستقر به عند مدرسة الإحساسيين الواقعيين Impressionist Realist الذين يَصِفون ما يحسونه في الواقع، ولا يزيدون على تصوير المشكلات كما تقع في سريرة الإنسان، وفضيلته المحمودة أنه يحس ضخامة المشكلة ولا ييأس من عقباها، فإذا سُئِل عن مذهبه في الأخلاق لم يكذبنا الأمل ولم يسلمنا إلى اليأس، وقال على ثقة مما يقول: إن الفرار هو الرذيلة الوحيدة التي يأباها، ولكنه لا يدري إلى أين يصير بنا الإقدام، وكل ما يدريه أن الوصول إلى القبلة الأخلاقية مستطاع، ولكنه طويل الشقة، عزيز الثمن، كثير التكاليف.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.