حُبط المشير درويش باشا في مهمَّته، وكانت مهمته تهدئة الخواطر وإعادة السلام والوئام. ولكن درويش باشا لم يُرِد أن يسلِّم بهذا الحبوط، فعد مصالحة الخديوي وعرابي فوزًا كبيرًا له. وأراد أن يفتح لمولاه السلطان طريقًا جديدًا غير الطريق التي سلكها بإرساله ومعه الشيخ أحمد أسعد، فأبلغ ولاة الأمور ورجال السياسة أنه إذا لم تكن الجنود المصرية كافية لحماية النصارى، فإن تركيا سترسل قوة من جيشها للمساعدة. ولكي يسهل على القائد العثماني مهمته إذا جاء مصر، ارتأى أن يعزز الجيش المصري في الإسكندرية؛ لأن الوصول إليه وإدراكه وقتاله أسهل إلى العدو الذي يؤيده الأسطول. ولكن حامية الإسكندرية كانت قد زيدت وعُززت؛ لأن يعقوب سامي وكيل الحربية طلب قوة جديدة للإسكندرية، فأُرسل إليه الآلاي الثالث والآلاي الرابع بقيادة طلبة عصمت، فلما وصل هذا اللواء إلى الإسكندرية ازداد الأجانب قلقًا لعلمهم بأن هذه الجنود أكثر إخلاصًا لعرابي منها للخديوي. على أن الذعر ازداد والخوف اشتد حتى تملَّك قلب الخديوي ذاته، وأحس أنه ليس في أمن ولا حرز ما دام في القاهرة، فأحب أن يقترب من أسطول الحلفاء، فاستند إلى أمر تلقاه من الآستانة بالإشراف على حالة الإسكندرية، فانتقل إليها في ١٣ يونيو ومعه الوفد العثماني.

وعدَّ الأجانب وأعيان الوطنيين انتقال الخديوي فرارًا وهربًا، فأخذوا بالهجرة والانتقال إلى الإسكندرية وانتقل قناصل الدول الجنرالية إلى تلك المدينة.

وفي ١٤ يونيو وجَّه قنصل جنرال فرنسا إلى نائب الأمة الفرنساوية كتابًا قال فيه: «إن الغياب عن هذه البلاد المصرية بعض الوقت، لهو أضمن الضمانات.» ولما كتب إليه بعضهم ليسأله رأيه في الفرنساويين المقيمين بالأرياف، أجابهم بكتاب قال فيه: «إن لهؤلاء الفرنساويين الوظائف والأعمال التي تدرُّ عليهم المال، فعليهم أن يختاروا بين جيوبهم التي تمتلئ ونفوسهم التي تطمئن.»

ووجَّه قنصل النمسا إلى رعايا دولته مثل هذا التنبيه، فلم يكن بعد ذلك من وسيلة لإيقاف تيار المهاجرة الشديدة، فالمراكب التي كانت تصل إلى الإسكندرية أو بورسعيد كانت تمتلئ حالما تلقي مراسيها، وكانت الدول الأجنبية تستأجر المراكب أو ترسل الثقالات لنقل رعاياها من مصر، حتى بلغ عدد الذين ركبوا البواخر إلى ١٨ يونيو ٣٢ ألف مهاجر من الأوروبيين، وكان بعض هؤلاء المهاجرين يصلون إلى بلادهم بلا مال وبلا زاد ولا قوت، فتقوم الحكومات أو الجمعيات الخيرية بإعالتهم، كما امتلأت المدارس والمعابد بهم، وامتلأ جبل لبنان بالمهاجرين السوريين واللبنانيين والمصريين، فكان الأهالي يخلون مساكنهم لإنزال المهاجرين فيها، كما امتلأت المدارس والمعابد بهم.

وفرار المهاجرين بلا مال دليل على شدة ذعرهم، ودليل آخر على أنهم لا يستطيعون الاعتماد على الأساطيل لحمايتهم، ولا هم يثقون باللجنة التي عُينت للتحقيق عن الاضطرابات.

كانت تلك اللجنة برياسة عمر لطفي المحافظ، ولكن الرياسة الصحيحة كانت ليعقوب سامي وكيل الحربية الذي كان يتلقى الأوامر مباشرةً من عرابي. ففي كتاب من ناظر الجهادية عرابي بتاريخ ١٤ يونيو يقول عرابي ليعقوب سامي: «احذر زملاءك في اللجنة الذين لا يهمهم شرف الجيش وكرامة الأمة، فافعل كل ما باستطاعتك فعله للدفاع عن الحكومة والشعب، ولكشف الغطاء عن مرتكب ذلك الفعل الشنيع ابحث عنه بين الأجانب؛ لأنه قد شاع أن المالطي الذي كان سبب كل ما وقع كان ملحقًا بقونصلاتو إنكلترا في الإسكندرية.»

فأجابه يعقوب سامي بقوله: «إن الخطة التي اتبعتها أنا وزملائي تنطبق كل الانطباق على آرائكم، وبالعجلة الندامة وبالتأني السلامة، والعاقل من أعمل في عدوه السيف ووقف ناظرًا إليه وهو يضحك.»

***

أقلق بال رجال السياسة تيار المهاجرة ووقوف الأعمال وكساد الحاصلات وبطل العمال، فأحبوا أن يقفوا في وجه تيارها، ولكن ذلك كان عبئًا لأن هياج الأفكار ضد الأجانب كان كبيرًا جدًّا؛ لأن عبد الله نديم وجمهورًا كبيرًا من خطباء الشوارع كانوا يملئون نفوس الجماهير بالحقد والسخط، ويعدون كل ما وقع نصرًا كبيرًا للوطنيين على الأجانب. وكان الأزهريون يطوفون القاهرة وهم يوزعون المنشور تلو المنشور يدعون إليها الناس إلى الجهاد، وكان الكثيرون من المديونين للأجانب يطلبون منهم إلغاء ديونهم.

ولكن القاهرة كانت مصونة محروسة بفضل رجل عالي الهمة كبير النفس كبير النشاط، المرحوم إبراهيم فوزي حكمدار بوليسها الذي توفي منذ ثلاث سنين في جهة المحلة الكبرى.

هذا الضابط العظيم الشأن بسط في ١٤ يونيو لوكيل قنصلاتو إنكلترا الوسائل التي تذرع بها لحفظ الأمن في العاصمة، فلم تقع فيها أقل حادثة، قال:

(١) القبض على المتشردين الذين لا عمل لهم، وأخصهم الذين وصلوا من الإسكندرية بعد مذبحتها.

(٢) التنبيه على الخطباء أن يعدلوا عن دعاوتهم.

(٣) إبعاد البدو والعربان عن العاصمة.

(٤) الإعلان في جميع أنحاء العاصمة أن البوليس ساهر على حياة كل ساكن من سكان العاصمة دون أقل فرق بين المذاهب والأديان.

فأرسل ذلك الوكيل بيان الحكمدار إلى حكومته مع عظيم الثناء عليه … إلخ.

وفي ١٥ يونيو أعلن عرابي التحوطات التي اتخذها إبراهيم فوزي، ونفذها وأرسلها بالتلغراف إلى المديريات والمحافظات.

ولم يكتفِ إبراهيم فوزي بما تقدم، بل كان يطوف العاصمة دائمًا بلا انقطاع على ظهر جواده، واحتفل الطليان في ١٨ يونيو بتوزيع الجوائز على طلبة مدرستهم، فخطب عرابي في أنحاء الأمم والشعوب داعيًا إلى الوئام وتحقيق هذا الإخاء وإلى تطمين الأفكار. ورغم السلام الذي كان يسود القاهرة، كانت مصادر الحياة تتوزع منها إلى الأطراف، فإدارة الدومين نُقلت منها إلى بورسعيد، وإدارة شركة القناة إلى الإسماعيلية، وإدارة رقابة المالية والتلغراف والسكة الحديدية إلى الإسكندرية، وكانت جميع الإدارات الأوروبية تغادر العاصمة الواحدة بعد الأخرى.

***

لم يكن بالإمكان البقاء على تلك الحال، فاتفقت ألمانيا والنمسا وروسيا على أن خير وسيلة للخروج من هذا المأزق مصالحة الخديوي وعرابي. فطلب درويش باشا من قنصلي النمسا وألمانيا بذل وساطتهما بين الاثنين، وطلب سفير ألمانيا في رومة من وزير الخارجية أن يُصدر أمره إلى دي مارتينو قنصل إيطاليا ليعاون زملاءه. وعلى هذا بدأ قناصل دول وسط أوروبا يفاوضون يعقوب سامي وطلبة عصمت — وهما أهم الوطنيين الموجودين بالإسكندرية — ولما سلَّم هذان الضابطان برأي القناصل ذهب هؤلاء إلى الخديوي توفيق كلموه بكل حزم وطلبوا منه الرد في ٢٤ ساعة. ولما لم يجد الخديوي توفيق أية مساعدة من قنصلي فرنسا وإنكلترا لأنهما كانا يريدان اكتساب الوقت، سلَّم برأي قناصل دول وسط أوروبا واستدعى إليه إسماعيل راغب باشا. وفي ٢٧ يونيو عرض عليه تأليف الوزارة، فقبل راغب العرض وسافر في الحال إلى مصر ليفاوض عرابي؛ لأن عرابي كان عندما سُئل رأيه في تأليف الوزارة أجاب سائله طلبة عصمت إجابة غامضة، حتى ظنوا أنه يشترط على الوزارة الجديدة التي تؤلَّف عزل الخديوي.

ولكن عرابي أجاب راغب باشا بأن الجيش راضٍ عن تأليف الوزارة، وأرسل كتابًا بذلك إلى الخديوي. وفي ٢٠ يوليو أبلغ الخديوي القناصل أن الوزارة قد تألفت برياسة إسماعيل راغب باشا، وأن هذا حفظ لنفسه الرياسة ونظارة الخارجية.

وأرسل الخديوي إرادته بذلك إلى وزارة الداخلية بالتلغراف، وهذا ما جاء في تلك الإرادة:

حيث إن الحالة الحاضرة تستدعي وجود هيئة يُعتمد عليها بإجازة أشغال ومصالح الحكومة، انتخبنا وعيَّنَّا سعادة إسماعيل راغب باشا رئيسًا لمجلس النظار، وأمرنا بتشكيل وانتخاب هيئة يعتمد عليها … إلخ.

وهكذا تألفت وزارة راغب من: عرابي للجهادية، وأحمد رشيد باشا للداخلية، وعلي إبراهيم باشا للحقانية، ومحمود الفلكي باشا للأشغال العمومية، وسليمان أباظة باشا للمعارف، وحسن شريعي باشا للأوقاف، وعبد الرحمن رشدي بك للمالية. وكان من برنامج هذا الوزارة العفو العام إلا عن الذين ارتكبوا مذابح الإسكندرية وتأليف لجنة مختلطة للتحقيق.

وأرسل درويش باشا إلى السلطان تلغرافًا أنه نجح في مهمته، ولكن قناصل الدول لم يكونوا على هذا الاعتقاد ولا هم يؤمنون بهذا النجاح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.