أَخصُّ ما يعنيني من ألوان التطور التي مست التعليم منذ أعلن الاستقلال السياسي لون واحد، هو مضي التعليم في السبيل الجامعية. وأريدُ بهذه السبيل شيئين: أحدهما يتصل بالتعليم نفسه، والآخر يتصل بالمعلم.

وظاهرٌ جدًّا أن إنشاء الجامعة قد أحدث في حياتنا التعليمية حدثًا عظيمًا، ظهرت بوادر آثاره، ولكنها ستظهر قوية واضحة بعد زمن ما. وهذا الحديث هو فرض حرية الرأي على المثقفين المصريين؛ فقد أُدخلت مناهج البحث الحر عن حقائق العلم والأدب لأول مرة في التاريخ المصري الحديث، وأنتجت هذه المناهج ما لم يكن بدٌّ من إنتاجه من الاضطراب، فتعرضت الجامعة لكثيرٍ من المقاومة الشعبية والحكومية، ولكنها انتهت آخر الأمر إلى شيءٍ من الفوز، إن لم يكن واضحًا كل الوضوح فهو محقق وسيزداد مع الزمن.

وليس من شك في أن الرأي العام المصري قد اقتنع الآن بأن الرأي العلمي والأدبي يجب أن يستمتع بحظٍّ عظيمٍ جدًّا من الحرية، والذين يقاومون هذه الحرية إلى الآن إنما يقاومونها على استحياء وفي شيء من الحيطة والتحفظ. فمن الممكن الآن أن يقال: إن المناهج الجامعية قد فازت بالاستئثار بالعقل المصري، ولا بدَّ من الانتظار لنرى نتائج هذا الفوز. فلم تكن المرحلة الأولى من حياة الجامعة إلَّا مرحلة صراع ودفاع قد انتصرت فيهما من غير شك.

أمَّا من جهة المعلم، فليس أثر الجامعة أقل خطرًا؛ فقد أُلغيت مدرسة المعلمين، وقامت الجامعة مقامها في إعداد المعلم وتثقيفه الثقافة العلمية والأدبية. ومعنى هذا أن التعليم الحر الطلق القائم على البحث الدقيق قد قام مقام التعليم المقيد الجامد المحصور بين دفتي البرامج، الخاضع للتفتيش وسلطان المفتشين. وقد لا تظهر آثار هذا التطور الآن؛ لأن الذين أخرجتهم الجامعة لم يصلوا بعد إلى مناصب التعليم، ولا يُنتظر أن يصلوا إليها قبل زمن يقصر أو يطول.

ولكن هذه الآثار ستظهر جلية من غير شك يوم يُتاح للجامعيين أن ينهضوا بمهمة التعليم في المدارس الثانوية، وستكون هذه الآثار خيرًا كلها، وستكون أظهرها أن المعلم الحر سينشئ تلميذًا حرًّا، وأن العقل الطلق سينشئ عقولًا طلقة.

وواضح أن الفكرة الجامعية تلقى من هذه الناحية مقاومة كالتي لقيتها من الناحية الأخرى، ولكن هذه المقاومة التي يشقى بها الجامعيون مقاومة ماكرة خفية، يدبِّرها أصحابها فيحسنون التدبير دفاعًا عن أنفسهم، ليست لها ما كان للمقاومة الأولى من الصراحة والتصوير لطبيعة الأشياء.

فالجامعيون الآن يُصدُّون عن التعليم، لا لأن التعليم ليس في حاجة إليهم؛ بل لأنهم جامعيون يشفق منهم ممثلو النظام القديم على أنفسهم ومكاناتهم، وهذا الشقاء المؤقت الذي يحتمله الجامعيون هو مظهر واضح لقوتهم الحقيقية، وأي قوة أقوى من أن تكون مخوفًا تتقى، ويدبَّر لك الكيد.

وهناك مقاومة أخرى شديدة الخطر على الجامعيين، وهي تأتي من خضوع معهد التربية للنظام البيروقراطي العتيق في وزارة المعارف. فقد أُنشئ هذا المعهد بعد إلغاء مدرسة المعلمين؛ ليكون ملائمًا للحياة الجامعية الجديدة. ولكن الخطأ الأول كان في إتباع هذا المعهد لوزارة المعارف لا للجامعة، ذلك أن القديم لا ينشئ جديدًا، وأن القيود لا تنشئ حرية، فلم يكن بدٌّ من أن يتأثر معهد التربية في نظمه وتعليمه بكل ما في وزارة المعارف من عيب.

ومن حيث إن الجامعيين يقضون في هذا المعهد سنتين، فهم معرَّضون فيه لبعض الشيء، ولكن طبيعتهم الجامعية إلى الآن خرجت من هذه المحنة ظافرة محتفظة بجامعيتها.

وأنا واثق بأن التطور الذي ضمَّ الهندسة والزراعة والتجارة إلى الجامعة، سينتهي حتمًا بضم معهد التربية أيضًا إلى الجامعة، ويومئذٍ يتم النصر للفكرة الجامعية في التعليم، وفي إعداد المعلمين. والزمن وحده كفيل — ولكنه كفيل بالتحقيق لا بالظن — أن يمكن للجامعيين فيسيطروا على التعليم الثانوي، ويومئذٍ تستطيع مصر أن تنتظر من التعليم الجديد الخير كل الخير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.