ألم يَأْنِ للنائم أن يستيقظ، وللغافل أن يتنبه، وللجاهل أن يتعلم؟ ألم يَأْنِ للشك أن يرتفع، وللبس أن يزول، وللحق أن يستبين؟ بلى، لقد ارتفع الشك، وزال اللبس، وانجلى الحق، ولم يبقَ بين الناس مَنْ يرتاب في أن مصر تعيش الآن في أقبح عهد عرفته في عصرها هذا الحديث. عهد بلغ الظلم فيه أقصى ما يمكن أن يبلغ من البشاعة والشناعة، ولكنه لبس ثوب العدل، واتخذ شكل الإنصاف.

عهد بلغت الأخلاق فيه إلى أقصى ما يمكن أن تبلغ من الضِّعَةِ والذلة والهوان والفساد، ولكنها على ذلك تكلفت صورة الفضيلة، واتخذت زينة الأخلاق الراقية. عهد سُفِكَتْ فيه الدماء بغير حق، وخُيِّلَ للناس أنها تُسفك لحماية النظام. عهد أُزْهِقَتْ فيه النفوس بغير حق، وقيل للناس: إنها تزهق لحماية القانون. عهد استبيحت فيه الأموال بغير حق، وقيل للناس: إنها تستباح لأداء الضرائب.

عهد انْتُهِكَتْ فيه الحرمات بغير حق، وقيل للناس: إنها تنتهك لحماية الأمن. عهد عُرِضَتْ فيه الضمائر للمساومة كما تُعْرَض السلع، وبيعت فيه الضمائر بثمن بخس كما تباع العروض، وقيل للناس: إن هذا كله إنما يُفْعَلُ لتأييد مذهب من مذاهب الحكم، وكسب الأنصار للون من ألوان السياسة. عهد أظل الناس ظالمًا، وثب أصحابه إلى الحكم وثوبًا، واقتحموا فيه أصول العدل والحق والدستور اقتحامًا، وسلطوا فيه على هذا الشعب المصري كله بحرًا من الجَوْرِ، يصطخب فيه موج كالجبال، كلما مضت منه قطع تبعتها قطع أخرى أشد منها نكرًا، وأكثر منها هولًا، وأقبح منها في حياة الناس أثرًا؛ حتى ظن المصريون أن الله قد أراد بهم سوءًا لا آخر له، وقضى عليهم بشرٍّ لا خلاص لهم منه.

هذا هو العهد الذي افتتحه صدقي باشا منذ أعوام، والذي ما تزال آثامه متصلة، وسيئاته متتابعة، وعذاب الناس به مستمرًّا، وشكوى الناس منه مرتفعة، وإصرار أصحابه عليه شديدًا قويًّا كأنهم لم يرتكبوا إثمًا، ولم يقترفوا ذنبًا، وكأنهم لم يروا آثار سيئاته رأي العين.

هذا هو العهد الذي ابتدأه صدقي باشا منذ أربعة أعوام، مُستَحِلًّا في سبيل ذلك ما لم يُحِلَّ الله له، وما لم يأذن الدستور به من: خروج على النظام، وتجاوز للقانون، وإهدار للحقوق، فلم يكن الله قد أحل لصدقي باشا أن يأتي كل ما أتى يوم وثب إلى الحكم من: مناهضة الشعب، ومطاردة الأحرار، واستباحة الأنفس والأموال والدماء.

ولم يكن الدستور قد أذن لصدقي باشا أن يأتي كل ما أتى بعد أن وثب إلى الحكم، من تغيير النظام بغير رجوع إلى الذين يملكون تغيير النظام، بغير احتفال برأي الأمة فيما تحب من ذلك وما تكره، بغير اعتداد بإرادة الأمة فيما ترضى من ذلك وما تأبى، لم يكن الله قد أحل لصدقي باشا شيئًا مما أتى، ولم يكن الدستور قد أذن لصدقي باشا في شيء مما أقدم عليه، ولكنه نهض وقد كان كابيًا، ووثب وقد كان عاثرًا، ونشط وقد كان فاترًا؛ فانتقم لنفسه من أمته، وصبَّ سخطه الآثم على وطنه البريء صبًّا، يعتمد في ذلك على معونة الإنجليز، ويعتز في ذلك بتأييد الأجانب بعد أن خيل لأولئك أنه سيُذلَّ لهم مصر إذلالًا، وسيوقفها بين أيديهم عانية بائسة، تستعطف وتسترحم، وترضى ما يُرَادُ بها من الهوان.

ووعد هؤلاء بأنه سيفتح لهم أبواب النفع على مصاريعها، وسيبيح لهم من خيرات مصر كنوزًا ما كانوا ليحلموا بالعثور بها أو الوصول إليها، فما أسرع ما أعانه أولئك! وما أسرع ما أَيَّدَهُ هؤلاء! وما أسرع ما ائتمر الإنجليز والأجانب مع رجل كان ضعيفًا فأصبح قويًّا، على شعب كامل كان عزيزًا فأصبح ذليلًا! وما أسرع ما انطلقت يد هذا الطاغية في أنفس الناس يزهقها! وفي دماء الناس يسفكها، وفي أبدان الناس يمزقها، وفي أموال الناس يبذرها تبذير الشياطين.

وما أسرع ما كانت مناظر هذا كله تنجلى جميلة، وضَّاءة، رائعة لأعداء مصر، فيبتهجون لها، ويغتبطون بها، ويشيدون بذكرها، ويملئون الآفاق بالثناء عليها، ويشهدون العالم في الصحف المأجورة في الشرق والغرب على أنها أعمال رجل عظيم، وآثار نابغة فذ، لم يعرف الشرق مثله من قبل، وعلى أن عهود الفوضى في مصر قد انقضت، وعهود النظام والسلام والأمن والعدل قد أقبلت مشرقة باسمة موفورة النعيم.

نعم، وما أسرع ما ظهرت هذه المناظر الآثمة بشعة منكرة مظلمة شديدة الإظلام، قبيحة شديدة القبح لهؤلاء المصريين البائسين، برجل مصري! ولكنهم كانوا يرون، وكانوا يسمعون، وكانوا يحسون، وكانوا يألمون، ولم يكونوا يستطيعون أن يقولوا؛ لأن أفواههم كانت ملجمة؛ ولأن ألسنتهم كانت معقودة؛ ولأن أقلامهم كانت مغلولة، ولأن سيوف القهر والبطش كانت مسلولة على أعناقهم، لم يكونوا يستطيعون أن يقولوا؛ فإن اجترءوا واحتملوا وتعرضوا للأخطار والأهوال، وقالوا ما لم يكن ينبغي لهم أن يقولوه، لم تصل أصواتهم إلى أحد، ولم تبلغ شكاتهم أذنًا من الآذان؛ لأن المؤامرة كانت متقنة؛ ولأن الإتقان كان محكم التدبير؛ ولأن الأقوياء من الإنجليز والأجانب، والضعاف من المصريين كانوا قد أجمعوا أمرهم على أن يسكتوا صوت الشعب، فإن لم يستطيعوا فعلى أن يحيطوه بالضجيج والعجيج حتى لا يسمعه أحد، ولا يتفطر له قلب، ولا يتأثر به ضمير.

وكذلك اتصلت الفواجع وتلاحقت الكوارث، والأقوياء من الإنجليز والأجانب، والضعفاء من المصريين مؤتمرون على أن يظهروا لهذا العالم الحديث أقبح صورة عرفها العصر الحديث، صورة ائتمار العالم المتحضر، في القرن العشرين، بشعب كامل ليذله ويذيقه ألوان الهوان، ويستغله كما تُستغلُّ الأرض وما عليها من الأدوات والحيوان والمتاع.

إن استطاع صدقي باشا أن ينكر شيئًا من هذا فليقل؛ فإن لسان صدقي باشا منطلق في هذه الأيام، وصوت صدقي باشا مرتفع، وقلم صدقي باشا نشيط، فهو يتحدث في المجالس، وهو يكتب في الصحف، وهو يخطب في البرلمان؛ فليقل: متى أحل الله له ما أتى إبان حكمه من السيئات؟ وليقل: متى أذن الدستور له بتغيير الدستور؟ وليقل: متى أباح القانون له مخالفة القانون؟ وليقل: متى أذن المصريون له في تقتيل المصريين، وتعريضهم لما عرضهم له من الخطوب والأهوال؟

نعم، وإن استطاع الإنجليز أن ينكروا شيئًا من ذلك فليقولوا، فما أقدر الإنجليز على القول حين يريدون القول! وما أقدر الإنجليز على الصمت حين يؤثرون الصمت! وقد كانوا في تلك الأوقات المظلمة المنكرة يؤثرون القول والصمت جميعًا. يقولون فيما كان ينبغي ألا يقولوا فيه من: تأييد الظلم، ونصر الطغيان، والإشادة بالظالمين، والثناء على الطغاة. يفعمون صحفهم بذلك إفعامًا.

ثم يسكتون السكوت المخزي عما كان ينبغي أن لا يسكتوا عنه، لو أنهم يُقدِّرون ما للحضارة على الشعوب المتحضرة من حق، ولو أنهم يؤثرون العدل والحق، والسلام والإنصاف على الاستعمار ومنافعه العاجلة الزائلة؛ كانوا يسكتون عن هذه الملايين المعذبة، التي كانوا يزعمون فيما مضى من قديم الزمان وسالف العصر والأوان، أنهم قد أقبلوا لإنقاذها وحمايتها من الظلم والطغيان.

نعم، وإن استطاع الأجانب غير الإنجليز أن ينكروا شيئًا من ذلك فليقولوه؛ فهم قادرون على القول، كما هم قادرون على الصمت. ليحدثونا — إن شاءوا — كيف أسرعوا إلى صدقي باشا يكبرونه وينصرونه ويظاهرونه، ويطلقون ألسنتهم بحمده، والإشادة بذكره والثناء عليه، وعلى ما أقر لهم من الأمن، وجلب لهم من النفع، وحقق لهم من المآرب، وقضى لهم من الحاجات.

كلا، لن يستطيع صدقي باشا أن ينكر أنه صاحب هذا الشر الذي انصبَّ على مصر؛ فأذاقها من ألوان العذاب ضروبًا وأشكالًا، ولن يستطيع أن ينكر أنه أقدم على ما أقدم عليه مستهينًا بكل شيء، مزدريًا بالكل. إنسان لا يبتغي إلا الجاه والعظمة والسلطان، وما يتبع ذلك من تحقيق هذه المنافع اليسيرة الصغيرة، التي لا يحفل بها كرام الناس. كلا، ولن يستطيع الإنجليز أن ينكروا أنهم أعانوا هذا الرجل على الوثوب، وأقروه في المنصب، ومكنوا له في الأرض، وأطلقوا ألسنتهم بالثناء عليه ثلاثة أعوام وبعض العام؛ حتى إذا استيأسوا منه، واستيقنوا أنه قد أعطاهم كل ما يستطيع، وأنه لن يعطيهم كل ما كانوا يريدون؛ تخلوا عنه، وتبرءوا منه، وتركوه لعبة للأقدار.

كلا، ولن يستطيع الأجانب أن ينكروا أنهم آثروا هذا الرجل بالحب والعطف، واختصوه بالنصر والتأييد، وأنكروا في سبيل ذلك ما لم يكن ينبغي للمتحضرين أن ينكروا، وأقروا في سبيل ذلك ما لم يكن ينبغي للمثقفين أن يقروا، حتى إذا امتلأت الأيدي، واكتظت الخزائن، وتحققت الآمال، وقُضِيَت الحاجات، وعصفت الأقدار بالطاغية؛ فروا منه كما يفر السليم ممن مسَّه الوباء، فأخرجوه من شركاتهم إخراجًا، وأعرضوا عنه بوجوههم إعراضًا، ونالوه بالنقد واللوم بعد أن كانوا لا يذكرونه إلا بالحمد والثناء.

لن يستطيع صدقي باشا، ولن يستطيع الإنجليز، ولن يستطيع الأجانب أن ينكروا أنهم ائتمروا بمصر، وتعاونوا على أن يظفروا منها بما خُيِّل لهم أن الظفر به قريب، حتى إذا ظهر أن هذا الشعب المصري البائس قوي على بؤسه، عزيز رغم ما أريد به من الذل، صبور رغم ما سلِّط عليه من الظلم؛ تحوَّلوا ملائكة أبرارًا، ورحماء أخيارًا، وأخذوا ينكرون الظلم والجور، ويذكرون العدل والإنصاف. ألم يَأْنِ للنائم أن يستيقظ، وللغافل أن ينتبه، وللجاهل أن يتعلم؟ ألم يأن للشك أن يرتفع، واللبس أن يزول، وللحق أن يستبين؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.