احذر المتحدث السريع؛ مَنْ يتمتع بالفصاحة — مثل مندوب المبيعات الودود والسياسيِّ المداهن — ويستعرض أمامك «الحقائق» بوتيرة أسرع من قدرتك على ملاحقته.

ما تأثير سرعة الحديث علينا؟ هل يزداد اقتناعنا نتيجة ما يُبدِيه المتحدثون من ثقةٍ وإلمامٍ بالموضوع؟ أم هل يقِلُّ اقتناعنا مع اندفاع المعلومات بوتيرة أسرع من قدرتنا على استيعابها؟

تعزيز القدرة على الإقناع

عندما بدأ علماء النفس دراسة تأثير معدَّل سرعة الحديث على الإقناع، كانوا يظنون أن الجواب واضح. عام ١٩٧٦ حاول نورمان ميلر وزملاؤه من الباحثين إقناعَ المشاركين في دراسة أجرَوْها بأن الكافيين مضرٌّ بصحتهم (ميلر وآخرون، ١٩٧٦). أشارت النتائج إلى أن نسبة الإقناع زادت عندما نُقلت الرسالة بمعدل ١٩٥ كلمة في الدقيقة مقارنة بمعدل ١٠٢ كلمة في الدقيقة.

عند التحدث بمعدل ١٩٥ كلمة في الدقيقة — تقريبًا أسرع معدل يتحدث به الأفراد في المحادثات العادية — اكتسبت الرسالة مزيدًا من المصداقية لدى المستمعين؛ ومن ثَمَّ بدت أكثر إقناعًا. بدا التحدُّث بسرعة علامة على الثقة، والذكاء، والموضوعية، فضلًا عن زيادة المعرفة. على الجانب الآخر ارتبط التحدث بمعدل نحو ١٠٠ كلمة في الدقيقة — المعدل الأدنى عادةً في المحادثات العادية — بكل الصفات النقيضة.

دفعت تلك النتائج — بجانب دراستين أُخريين — بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن التحدُّث سريعًا قد يكون «وصفة سحرية» للإقناع. ربما ينبغي لنا مراعاة الحذر ممَّن يتحدثون سريعًا؛ فمن يدري ما قد يدفعوننا للموافقة عليه.

تأثير عكسي

لكن مع حلول ثمانينيات القرن العشرين، بدأ باحثون آخرون يتساءلون عن مدى صحة تلك النتائج، وأشاروا إلى دراسات تقول: إنه رغم أن سرعة الحديث على ما يبدو تعزِّز درجة المصداقية، فإنها لم تعزِّز درجة الإقناع في جميع الحالات. بل إن تأثير سرعة الحديث قد لا يكون إيجابيًّا على الإطلاق. على سبيل المثال: عندما يتحدث الأشخاص بسرعة، قد يصبح من الصعب متابعة ما يقول؛ ومن ثَمَّ لا تجد الرسالة المقنعة فرصة للتأثير في المستمع.

ومع حلول تسعينيات القرن العشرين، ظهرت علاقة غير ظاهرة بين سرعة الحديث والإقناع. على سبيل المثال: حاول الباحثان ستيفن سميث وديفيد شافر إقناع مجموعة من الطلاب بأن السن القانونية لشرب الكحوليات ينبغي أن تظل ٢١ عامًا (سميث وشافر، ١٩٩١)، بينما حاولوا إقناع مجموعة أخرى بأن السن القانونية لا ينبغي أن تكون ٢١ عامًا (أُجريت هذه الدراسة بعد وقت قصير من رفع السن القانونية لشرب الكحوليات في الولايات المتحدة الأمريكية إلى ٢١ عامًا).

استخدمت في هذه الدراسة معدلات تحدث سريعة وبطيئة ومتوسطة، وظهر هذه المرة تطور هام. فعندما كانت الرسالة الموجهة مضادة لتوجهات المشاركين (وستندهش عندما تعرف أن طلبة الجامعة لا تروق لهم فكرة أنهم لا يستطيعون بموجب القانون احتساء المشروبات الكحولية في الحانات)، كانت سرعة الحديث أكثر إقناعًا من التحدُّث بوتيرة متوسطة، بينما كان التحدث بوتيرة بطيئة أقل إقناعًا.

عندما كانت الرسالة مؤيِّدة لتوجهاتهم، لوحظ عكس هذا التأثير تمامًا. فعند التحدُّث مع من يؤيدون الرسالة، كان المعدل البطيء هو الأكثر إقناعًا.

السؤال إذن: لماذا ينعكس التأثير عندما يكون الجمهور معاديًا للرسالة؟ إليك ما يبدو أنه يحدث: فعندما يبدأ الجمهور في سماع رسالة لا تروق له — ممنوع تناول الجعة على سبيل المثال — بوتيرة بطيئة، يكون أمامه الوقت للتفكير في حجج مضادة؛ ومن ثَمَّ تقل درجة الإقناع. أما إذا زادت سرعة الحديث، فسيقل الوقت المتاح للتفكير في الحجج المضادة ومن ثَمَّ تزيد درجة الإقناع.

تنقلب الآية عندما تكون الرسالة موضع قبول لدى الجمهور (على سبيل المثال: يمكنك تناوُل ما تشاء من الجعة). عند توصيل الرسالة أسرع من اللازم، لا يكون هناك وقت كافٍ لتقييمها ومنحها مزيدًا من التأييد. لكن عند توصيلها ببطء، يكون هناك متَّسع من الوقت لتقييم الحجج، وتأييديها، بل وزيادة الاقتناع بضرورة السماح لك باحتساء المشروبات الكحولية في الحانات.

احذر فصيح اللسان

يبدو إذن أن لدينا بالفعل سببًا يجعلنا نخشى من يتحدثون بوتيرة سريعة إذا كانوا ينقُلون رسالة لا نميل للاتفاق معها، ويبدو كذلك أن سرعة الحديث تشتِّت الانتباه؛ مما قد يجعل من الصعب إدراك مآخذ الحجة المقدمة. بالمثل، عند مواجهة جمهور يتوق للموافقة على ما يقال، سيكون من الأفضل للمتحدث إبطاء سرعة الحديث وإعطاء الجمهور وقتًا كي يزدادوا اقتناعًا بما يقول.

يفترض كل ما سبق أن الجمهور مهتمٌّ بالموضوع من الأساس. فإذا كان الموضوع لا يهمهم، فمن المرجح أن يحكموا عليه معتمدين إلى حدٍّ كبير على المظاهر الخارجية فحسب، مثل معدَّل سرعة الحديث؛ لذا نؤكد مرة أخرى أنه عند التحدُّث إلى جمهور غير مبالٍ بالموضوع، يكون المتحدث السريع هو الأكثر إقناعًا على الأرجح.

Are Fast Talkers More Persuasive by Jeremy Dean. Psyblog. November 24, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.