نقلت صحفُ القاهرة عن صحيفةٍ بيروتية أن باحثًا سمَّته باسمه قد عثر على وثيقة تاريخية ثبت لديه أنها مكتوبة بخط النبيِّ ﷺ، وتعجل المتعجلون فاستخلصوا من هذا الخبر الذي لا سند له من الواقع ولا من التاريخ أنه — صلوات الله عليه — ليس بالأمي الذي يجهل القراءة والكتابة كما جاء في القرآن الكريم.

ونكاد نجزم باستحالة وجود هذه الوثيقة بالصِّفةِ التي وصفها بها الباحثُ الذي ذكرته الصُّحفُ، إنْ صحَّ ما نسبته إليه.

فإنما تثبت كتابة النبيِّ — عليه الصلاة والسلام — لتلك الوثيقة بإحدى طريقتين؛ إحداهما: أن يكون لدينا كتاب مخطوط كَتَبَهُ — عليه الصلاة والسلام — وثبتت كتابته له فنثبت نسبة الوثيقة التي اكتُشِفَتْ أخيرًا بالمقابلة بين الخطين.

وظاهر من اللحظة الأولى أن إثبات ذلك مستحيل؛ لأن الخط الذي تحصل المعارضة عليه ليس له وجود، وليس هناك كتاب منسوب إليه — صلوات الله عليه — ثابت النسبة إليه أو غير ثابت ولو مع الخلاف.

والطريقة الأخرى لإثبات الوثيقة المزعومة: أن يشهد الشهود العدول برؤيتهم النبي — عليه الصلاة والسلام — وهو يكتبها بيده الشريفة، وذلك أيضًا مستحيل؛ لأن المجهولين من أُولئك الشهود المفروضين لا سبيل إلى الثقة بهم وتوكيد روايتهم على حال من الأحوال، فإن كان أُولئك الشهود معلومين لنا فكل مَنْ يَعلم الخبر اليقين عنهم يقررون أنه — صلوات الله عليه — لم يكتب قط كلامًا بيده، وأنه كان يُملي الوحي والرسائل على كتَّابه المعروفين.

إلا أن المسألة هنا مسألة تحقيق كَلمة الأميين التي وردت في القرآن الكريم؛ لأنها كلمة من كلمات الكتاب يُفرض علينا فهمها على صِحتها، ولأنها من الجهة الأخرى قد تفتح الأبواب لكثير من الشبهات وكثير من اللغط الباطل الذي يحسن بنا أن نغلق الأبواب عليه.

فالكلمة بصيغة الجمع قد وردتْ في السور المَدَنِيَّةِ خِطابًا لأهلِ الكتاب أو رَدًّا عليهم، ومعظمهم من اليهود مُنكري الدعوة المحمدية من سكان المدينة التي تنزلت فيها تلك الآيات.

والمهم في تفسير معنى الكلمة أن نرجع إلى معناها عند أهل الكتاب، ولا سيما اليهود.

فالمُحَقَّقُ الذي لا شك فيه أن أهلَ الكتاب من اليهود والمسيحيين أجمعين كانوا إلى ما بعد ظهور الدعوة الإسلامية يقسمون العالم إلى قسمين: بنى إسرائيل، والأمم التي ليست منهم. ويزعم اليهود — خاصة — أن بني إسرائيل وحدهم هم أهل النبوة والرسالة الذين اختصهم الله دون سواهم من العالمين بالكتب المنزلة والأنبياء المرسلين، وأنَّ مَنْ عَدَاهم مِن الأمم لا نبوة فيهم ولا كتاب لهم وليسوا من الموعودين بالهداية والرضوان!

وفي كتب العهدين القديم والجديد عشرات من المواضيع وردت فيها كلمة «الأُمَمِيِّين» بهذا المعنى، وفيها كذلك عبارات شتى تذكر «الأمميين» في مقابلة اليهود عند التحدث عن الأفراد من الرجال والنساء.

ومن أمثلة ذلك ما ورد بالإصحاح السابع من إنجيل مرقس، وفيه:

إن امرأة كان بابنتها روح نجس سمعت به فأتت وخرت عند قدميه، وكانت المرأة أُممية وفي جنسها فينيقية سورية.

وجاء في الإصحاح الثاني من رسالة بولس إلى أهل غلاطية:

لكن لما رأيت أنهم لا يسلكون باستقامة حسب حق الإنجيل قلت لبطرس أمام الجميع: إن كنت وأنت يهودي تعيش أمميًّا لا يهوديًّا، فلماذا تُلزِم الأمم أن يتهودوا؟! نحن بالطبيعة يهود ولسنا من الأمم خطاة.

فلا خلاف في أن كلمة الأمميين عند أهل الكتاب كانت تعني غير اليهود في صفة الفرد أو الجماعة، ولا خلاف في أن النسبة إلى الأمم بالعربية تلحق بالاسم المفرد لا بالجمع، وِفاقًا لقاعدة النسبة في اللغة العربية، فيُقال: «الأُمِّيُّون» بحسب هذه القاعدة ولا يُقال: الأمميون.

ومن كلام اليهود الذي لزمتهم فيه حُجَّة القرآن الكريم قولهم إنهم ليس عليهم في الأميين سبيل.

وذلك حيث جاء في سورة آل عمران: () (آل عمران: ٧٥).

وأصل ذلك أن اليهود يُفرِّقون في المعاملة بالقروض والأمانات وفوائد الربا بين بني إسرائيل وغير بني إسرائيل.

ومن ذاك ما جاء بالإصحاح الثالث والعشرين في سِفر التثنية:

لا تقرض أخاك بربا: ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء ما مما يُقرَض بالربا، للأجنبي تُقرِض بربا ولكن لأخيك لا تُقرِض بربا …

فليست التفرقة في المعاملة بين أناس يعرفون القراءة والكتابة وبين أناس يجهلونها؛ لأن اليهود — ولا سيما الفقراء المنهي عن سوء معاملتهم — يجهلون القراءة والكتابة ولا يعرفهما من اليهود عامة غير الكهان والمتعلمين من أصحاب الأموال.

ولكن التفرقة في المعاملة هي بين بني إسرائيل وسائر الأمم الأجانب عنهم، أو بين اليهود والأمميين.

ذلك معنى واضح لا لبس فيه، فلا موضع للشك على الإطلاق في معنى الأميين عند أَهل الكتاب، وعليهم يردُّ القرآنُ الكريم ويأخذهم بما يقولونه لا بما يقوله الآخرون … فما يعنونه هم هو موضع الردِّ والحجاج، وهو الذي تواتر في كتبهم كما تواتر على ألسنتهم، وهذا هو ما يعنونه بغير خلاف.

وعلى سبيل الاستعارة والتغليب تَرِدُ كَلمةُ «الأُمِّي» بمعنى: مَن يجهل الكتاب أولًا ومَن يجهل الكتابة تبعًا لذلك.

فإنما كانت المقابلة أصلًا بين اليهود والأمميين على إطلاقهم، فلما صارت المقابلة إلى أهل الكتاب وغير أهل الكتاب سَرَت الاستعارة بين مَن يقرءون الكتاب وغير القارئين.

ويجب أن نتريَّث طويلًا عند قوله تعالى: () (البقرة: ٧٨).

فاليهودية قد دخل فيها أُناسٌ من الأمم غير بني إسرائيل، فهم بطبيعة الحال لا يقرءون العبرية ولا الآرامية، ولا يزيد علمهم بصلوات الكتاب على التأمين عند انتهاء الكاهن إليه «آمين آمين».

أما التعليلات الكثيرة التي وردت في الأقوال الشائعة عن أصل كلمة «الأُمِّي» فمصدرها الجهل بما في كتب اليهود وما في عباداتهم من الشعائر والصلوات.

فقد قِيلَ إن «الأُمِّي» منسوبة إلى أم القرى؛ لأن النبي — عليه الصلاة والسلام — وُلِدَ فيها.

وهو قولٌ يرادف القول ﺑ «النبي المكي» في صِفته — عليه الصلاة والسلام — وليس لهذا التخصيص بمدينة واحدة من مرجح بالقرينة ولا بالفهم الصراح، فضلًا عن إطلاق صفة الأميين على ألوف لم يُولَدوا بمكة.

وقيل إن «الأُمِّي» منسوب إلى الأم؛ لأنه يبقى كما ولدته أمه بغير تعليم … ولم يرد قط هذا الوصف بهذا المعنى في كلام عربي قبل البعثة المحمدية، وإنما يفرق الناس هذه التفرقة بين من بقي جاهلًا ومن تعلم بعد مولده؛ إذ وُجِد الكثيرون من المتعلمين والكثيرون من غير المتعلمين، وذلك ما لم يحدث في الجاهلية.

وقيل إنه من الأمة من قولهم: فلان لا أُمَّة له — أي لا ديانة له — واستشهد معجم لين الإنجليزي الكبير بكلام شاعر لم يذكر اسمه يقول:

وهل يستوي ذو أمة وكفور؟!

وهو قول يجعل اليهود منكرين للدين عندهم معترفين به عند غيرهم، ولا يستقيم في الذهن على هذا الاعتبار.

وأغرب ما يُقال أن يُنسَب الأمي إلى الأمة أو إلى السواد الجاهل الذي لم يتعلم … وقد جاء في لسان العرب: إن الأمي هو العيي الجلف الجافي القليل الكلام؛ قال:

ولا أعود بعدها كريَّا

أمارس الكهلة والصبيَّا

والعزب المنفه الأميَّا

ثم علَّله بمثل ما تقدَّم إذ قال: «قيل له أمي لأنه على ما ولدته أمه عليه من قِلة الكلام وعجمة اللسان.»

ومَعاذ الله أن يكون هذا هو الأصل في وصف يُطلَق على أفصح العرب أجمعين! فليس أصح في تفسير الكلمة من أنها وردت على الاستعارة والتغليب للمقابلة بين أهل الكتاب وغير أهل الكتاب.

وينبغي أن يتأنى المتعجلون فلا ينكروا أن أهل الكتاب كانوا يسمون العرب وغيرهم من الأجانب عنهم بالأميين، فإن ثبوت هذه الحقيقة أمر وراء كل خِلاف، ومن الوزر أن يحمل الجاهل جهله على شيء يَرِد في القرآن الكريم.

فاليهود إذا قالوا كلمة «الأميين» فإنما يعنون بها غير بني إسرائيل، ما في ذلك جدال ولا محال.

ولا يمنع ذلك أن تُطلَق كلمة «الأمي» على مَن يجهل القراءة والكتابة؛ حيث تُستعار للمقابلة بين قُرَّاءِ الكتاب وغير قُرَّائِهِ، وبخاصة حين نبحث عن مرجعٍ للمعنى فلا يستقيم لنا في نسبتها إلى الأم أو إلى السواد أو إلى أم القرى.

ولنقل عن يقين إن كلمة الأمي أُطلقتْ على مَن يجهل القراءة والكتابة، ولكن لا نخطئ فنجعل ذلك موقوفًا على إنكار كلمة الأميين كما وردت في الأقوالٍ لا عداد لها قبل مولد النبي عليه الصلاة والسلام.

إن القرآن الكريم لا يترك دعوى اليهود الكبرى بغير تفنيد لها وتوكيد ببطلانها. ودعواهم الكبرى هي أنهم مختصون بالنبوة دون سائر الأمم، فأين هو جواب هذه الدعوى في كتاب الإسلام، إن لم يكن جوابها في تلك الآيات؟!

وعلينا أن نفهم أن النبيَّ العربيَّ والنبيَّ الأُمِّيَّ بمعنى واحد، وأنه — عليه الصلاة والسلام — لم يكن يتلو كتابًا قبل الكتاب المنزَّل عليه ولا كان يخطه بيمينه: () (العنكبوت: ٤٨).

صدق الله العظيم … وصدق سبحانه إذ قال: () (الكهف: ٢٧).

فليتدبر هذا الأمر بالتلاوة مَن يَتَوَهَّم أنَّ التلاوةَ تنقض معنى «الأُمِّيَّةِ» على وجهٍ مِن الوجوهِ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.