أغلب العظماء يحققون رسالاتهم خلال تجارب حلوة ومرة: انتصارات وهزائم، أرباح وخسائر، مسرات وأحزان، تلك مقادير تصاحب كل تغيير هام في الحياة، إلا عظماء الفن، فهم يصنعون السعادة ويهبونها بدون قيد أو شرط، يكرسون حياتهم لإسعاد البشر، من يقبل جميعهم فهنيئًا له، ومن لا يقبله فله كل الحرية في الإعراض عنه إلى حين، أو إلى الأبد. هم أصحاب السعادة في هذه الدنيا حقًّا وصدقًا، من يرحل منهم في شبابه يخلف حسرة الحزن، ومن يرحل في شيخوخته يخلف حسرة العشرة الجميلة، والذكريات العذبة. ولهم صداقة عامة تغلب أي علاقة شخصية، فهم في أعماق الشعور، أيًّا كان حظ الإنسان من الارتباط الشخصي بهم في ساعة لا تنسى من الزمن.

وأنا في المرحلة الابتدائية وأول عهدي بالثانوية تهادَى إلى سمعى في الطريق صوت جديد يردد أغنية مليحة من أسطوانة تدور في مسكن أو مكان، فجذبتني بشدة، وسألت عن صاحبها. وهكذا بدأ تاريخي الاستماعي لمحمد عبد الوهاب، وزكاه لَدَيَّ ما قيل عنه من أنه تلميذ سيد درويش وخليفته، ثم تابعت إنتاجه وشهدت الكثير من حفلاته، ومضت ألحانه تتراكم في وجداني، ناقشة تاريخًا متجددًا من حياة مصر العامة والخاصة، مرددة أفراحها وأحزانها مترجمة جميع ما يخفق به قلب الشارع والبيت والحقل، الواقع والحلم، النساء والرجال، الشيوخ والشبان، مذيبةً ذلك كله في ألحان عذبة تعاون في تقديمها الإبداع والخبرة، والعلم والذكاء، والقدرة الفائقة على التنسيق، فكان المؤلف والسينارست والمخرج؛ ليقدم في النهاية ذلك البوفيه المفتوح على الشرق والغرب، الممثل خير تمثيل لموقف مصر من الحضارتين، ومن الأصالة والمعاصرة ومن الخلق والاقتباس المشروع. وجرت مجموعة ألحانه كالأجندة للحياة الخاصة والعامة يندلع اللحن فيجر وراءه ذكرى وطنية أو سياسية أو اقتصادية أو عاطفة شخصية استنقذتها الألحان من العدم، وخلَّدتها أجمل تخليد في أعذب الأشكال المحفوفة بالأنغام والطرب يرسلها أجمل الأصوات وألصقها بالقلوب.

أيها العزيز الراحل، لقد أخذ الموت منك ما يستطيع أن يأخذ، ولكنه ترك لنا ما يعجز عن أخذه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.