أذاع صاحب العزة الدكتور طه حسين بك أمس حديثًا عن أسبوع البر قال فيه:

ليست الديمقراطية نظامًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا فحسب، ولكنَّها خُلُقٌ قبل هذا كله.

وإذا كانت الديمقراطية تعتمد على المساواة، وعلى الإخاء، وعلى الحرية، فمعنى هذا أنَّ الخصال الثلاث يجب أن تكون جزءًا مكونًا لأخلاق النَّاس، بحيث تكون المساواة شيئًا قد استقر في أخلاق النَّاس، وامتزج بشعورهم، فأحسَّ كلُّ واحد منهم بأن لا فرق بينه وبين غيره، لا في الحقوق، ولا في الواجبات، ولا فيما يجب أن يكون عليه من المُعاملات مهما تختلف.

والعدل كذلك ليس شيئًا يُقِرُّهُ القانون، أو يفرضه الدستور، أو تقتضيه الحياة الاجتماعية، وإنَّما هو خلق قبل هذا كله؛ فإذا كان العدل من الأشياء التي تزدان بها الحياة المُتحضرة، حياة الأمم الراقية، فيجب أن تزدان به نفوس أبناء هذه الأمم قبل أن تزدان به الحياة العامة، ويجب أن يكون العدل شُعورًا متغلغلًا في نفوس النَّاس مُستقرًّا في قُلوبهم، مُسيطرًا على ما بينهم من العلاقات.

وإذن فالبر الذي تُدْعَوْنَ إليه هذا الأسبوع لا ينبغي أن يُفهم على أنَّه تَطَوُّلٌ من الأغنياء والقادرين على الفقراء والبائسين، ولا ينبغي أن يُفهم على أنَّه شيء ينبغي أن تزدان به الحياة، حياة الأمة الراقية المتحضرة، فيُقال: إنَّ هذه الأمة تمتاز من بين الأمم بأنَّ أغنياءها يجودون على فقرائها، وأنَّ أقوياءها يرحمون ضعفاءها، وإنَّما ينبغي أن يكون البر خُلقًا من أخلاق المصريين.

لقد دُعيتم إلى البر أثناء هذا الأسبوع، أنتم تُدعون إلى البر منذ عرفت الإنسانية الدعوة إلى الخير، ويُستدعى النَّاس إلى البر دائمًا ما دامت هناك أخلاق، وما دامت هناك ديانات، وما دامت هناك نظم تحمل النَّاس على السمو إلى المُثل العليا.

ولكنَّ المهم هو أنْ يُفهم معنى هذا البر الذي يُدعى النَّاس إليه، وبمقدار ما يكون فهم هذا البر صحيحًا تكون الدعوة مُنتجة.

أما أنا — سيداتي، سادتي — فما فهمت البر قط، ولن أفهمه إلا على أنَّه حُسن الصلة والمودة بين النَّاس، وأنَّه الحق الذي ينبغي أن يكون مسيطرًا على علاقات النَّاس فيما بينهم.

وليس هناك فضل لأحد على أحد، وإنَّما النَّاس جميعًا قد خُلقوا من ذكر وأنثى كما يقول القرآن الكريم، ولا فضل لأحدهم على آخر إلا بالتقوى كما يقول الله، وكما يقول الحديث الشريف.

فالنَّاس سواء؛ لأنَّهم خُلقوا كذلك، وحقوقهم في الحياة واحدة.

فهذا البر الذي تُدْعَوْنَ إليه في حقيقة الأمر، إنَّما هو هذا الخُلق الكريم الذي يُمكِّنكم من أن يلقى بعضكم بعضًا، وقلوبكم صَحْوٌ كلها، ونفوسكم طُهْرٌ كلها.

ويُخَيَّل إليَّ — إذا كانت الديمقراطية كما قلت — أنَّ أول ما يجب على الحكومات الرشيدة، وعلى أولي الأمر الذين يصلحون بين النَّاس، ويُؤْثِرونهم بالمودة والبر، يُخيَّل إليَّ أنَّ أول ما يجب على أولي الأمر أن يكونوا أساتذة، ومربين للشعوب، يبثون فيهم هذا الخُلق الكريم، خُلق البر، يبثونه بالدعوة أولًا، ويبثونه بالسيرة ثانيًا، ويبثونه بهذه التجارب المتصلة المستمرة التي تتكرر بين حين وحين؛ ليصلحوا ما اعْوَجَّ من أخلاق الناس، وليُقَوِّمُوا ما اعوجَّ من سيرتهم وأخلاقهم، وليُعوِّدُوهم شيئًا فشيئًا على أن يُحبُّوا هذا الشعور، شعور التضامن، والإخاء بين الناس، حتى إذا مُكِّنوا من الفوز بما يدعون إليه، وأُتيح لهم أن يعمموا هذا الخُلق، وأن يُحببوه إلى الشعب، استطاعوا أن يُشَرِّعُوا له من القوانين ما ينظم هذا التضامن تنظيمًا دقيقًا يكفل ألَّا يتعرضَ للخطر، وألَّا تُفْسِدَهُ هذه الظروف الطارئة.

وعلى هذا النحو وحده فهمت أسبوع البر، هذا الذي دعاكم إليه حضرة صاحب الرفعة مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء، وهذا الذي تدعو إليه كل يوم صاحبة العصمة السيدة الجليلة حرم الرئيس، وهذا الذي يدعوكم إليه في كل لحظة، ويجعل نفسه قدوة في الدعاء إليه حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول حفظه الله.

وقال: إنَّه ليس من مقومات الحياة الصحيحة المتحضرة أن يكون بيننا قوم ينعمون بالحياة على حساب قوم يشقون بها، وإنَّما يجب أن يكون المصريون شركاء فيما أتاح الله لهم من نعيم، وفيما فرضه عليهم من آلام.

وطالب الدكتور طه حسين بك بأن يَنْزِلَ الأغنياء القادرون عن كثير من هذا الفضل الذي يملكونه، ولا يحسنون التصرف فيه، للتخفيف عن الذين لا يجدون ما يعالجون به أمراضهم وعللهم، وعن الذين لا يجدون ما يستعينون به على احتمال الحياة وآلامها وشقائها.

وقال: ويُخيَّل إليَّ أنَّه في هذا الأسبوع الذي دُعيتهم في أثنائه إلى البر تجربة ستُبيِّن إلى أي مدى سيجيب المصريون هذه الدعوة الخيرية، وإلى أي مدى انتفعوا بهذه الدروس القيمة التي يلقيها حضرة صاحب الجلالة الملك، وحضرة صاحب الرفعة رئيس الوزراء، وهؤلاء السيدات الكرام اللاتي يطفن علينا طالبات منَّا أن يبر المصري بالمصري.

فإذا نجحت هذه التجربة، فأرجو أن تتكرر، وأن تتكرر، وأن يكثر تَكرارها، حتَّى يصبح البر خُلقًا من أخلاقنا، وعندئذٍ تنهض الحكومة المصرية، ولها من جلالة الملك حافز إلى الخير … تنهض بأول واجب عليها، وهو أن تجعل البر أصلًا من أصول الحياة المصرية، وأن تشرع له من النظم والقوانين ما يعصمه من كل خطر، وما يعصم المصريين من أن يحتاج بعضهم إلى أن يسأل بعضهم صدقة أو إحسانًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.