في صحراء موهافي غربيَّ الولايات المتحدة، تملأ حيوانات الجيروذ الصحراوية اللافتة للنظر بطونَها بسمٍّ قاتلٍ؛ إذ يتغذَّى هذا الحيوان القارض على شجيرة الكريوزوت، وهي شجيرة واطئة يكسو أوراقها الراتينج السام. والراتينج هو مزيج من مئات المواد الكيميائية، وأهمها حمض نور ديهيدرو جواياريتك الذي يدمِّر كبد وكلى فئران المختبر. لكن، لا يبدو أن الجيروذ يبالي بذلك؛ فهو يبتلع الراتينج يوميًّا بكميات من شأنها أن تقتل فأرًا عاديًّا.

الجَيروذ الصحراوي جالسًا أمام شجيرة كريوزوت.
الجَيروذ الصحراوي جالسًا أمام شجيرة كريوزوت.

عندما علم كيفن كول بأمر الجيروذ، تساءل عما إذا كانت هناك بكتيريا معيَّنة في أحشائه ربما تساعده على تحمُّل نظامه الغذائي الذي يقتل ما عداه. فعلى أي حال، تُعَدُّ البكتيريا كائنات كيميائية حيوية موهوبة تستطيع إزالة سُمِّيَّة كلِّ شيءٍ بدايةً من النفط الخام وحتى اليورانيوم. وبما أن كل الثدييات لديها تريليونات الميكروبات في أحشائها، فمن المعقول تمامًا أن تساعد بعضٌ من هذه الميكروبات الحيواناتِ آكلة النبات على إبطال مفعول السموم التي تبتلعها. كانت الفكرة منطقية، ولم يكن كيفن بحاجة إلا إلى اختبارها.

وقد قدَّمَتْ له الطبيعةُ يَدَ العون. فقَبْل قرابة ١٧ ألف سنة، أتاحت الأحوال المناخية المتغيرة لشجيرة الكريوزوت أن تنتقل شمالًا من المكسيك وتوسِّع نطاق وجودها إلى جنوبي الولايات المتحدة. وحين وصلت هذه الشجيرة إلى صحراء موهافي، أطبق عليها فكَّا الجيروذ الصحراوي، الذي بدأ في اتخاذها طعامًا له. لكن الشجيرة لم تنجح أبدًا في الوصول إلى صحراء الحوض العظيم الشمالية؛ ومن ثمَّ لم تعرفها قوارض الجيروذ التي تعيش هناك أبدًا مِنْ قَبْل.

أثبت كول أن جيروذ صحراء موهافي المحنَّك لديه ميكروبات مختلفة في أحشائه عن تلك الموجودة في أحشاء جيروذ صحراء الحوض العظيم الغرير. وهذه المجتمعات البكتيرية تستجيب كذلك بطريقة مختلفة لتدفُّق سموم الكريوزوت؛ فالمجتمعات البكتيرية الغرة تنكمش أمام هذه السموم، فيما تصبح نظيرتها المحنكة أكثر تنوعًا ووفرة، كما تفعِّل جينات تساعدها في إبطال مفعول سموم الراتينج.

وللتأكد من أن هذه الميكروبات مهمة، قتلها كول باستخدام المضادات الحيوية في أحشاء الجيروذ. وبعد ذلك، ظلَّتِ القوارض قادرة على تناول طعام المختبر العادي، لكنها حين أُطعمت الكريوزوت لم تستطع تحمُّل الراتينج وفقدَتْ كثيرًا من وزنها. وخلال أسبوعين، فقدَتْ كلُّ قوارض الجيروذ ١٠ بالمائة من وزنها وأُخِرجَت من التجربة. فحين قتل كول الميكروبات الموجودة في أحشاء الجيروذ الخبيرة، فإنها لم تستطع حتى أن تتعامل مع الكميات الضئيلة من الكريوزوت التي تستطيع أقاربها من القوارض الغرة التعامل معها. وكتب كول: «لقد قضى ذلك بالكامل على ١٧ ألف سنة من الخبرة البيئية والتطورية بمركبات الكريوزوت.»

على النقيض، نجح كول في تحويل قوارض الجيروذ الغريرة إلى آكلات كريوزوت من خلال إدخال الميكروبات الموجودة في أحشاء أقاربها من الجيروذ الأكثر خبرةً إلى أحشائها. وقد فَعَلَ ذلك من خلال طحن فضلات أفراد الجيروذ الخبيرة وإطعامها لقوارض الجيروذ الغريرة، محاكيًا بذلك ما تفعله القوارض في البرية في الظروف الطبيعية.

استعمرت الميكروبات المنقولة أحشاء مضيفاتها الجديدة بنجاح، ونقلت إليها قدراتها على إزالة السُّمِّية. وسرعان ما أخبرنا كول بأن سموم الكريوزوت تكدِّر لون بول الجيروذ وتجعله أغمق، لكن هذه القوارض المستقبلة كانت تدمِّر كمية كافية من السموم، حتى إنه خلال ثلاثة أيام من نقل الميكروبات إليها صار لون بولها عاديًّا. وبالتأكيد، اكتسبت هذه القوارض مزيدًا من الوزن وعاشت لفترات أطول من الجرذان الغريرة الأخرى.

ومِثْل كثيرٍ من الأبحاث الأخرى التي أُجريت على ميكروبات الأحشاء، تأتي هذه التجارب بأدلة جديدة على أفكار قديمة. فمنذ أربعين عامًا، افترض عالِما البيئة دبليو جيه فريلاند ودانيال جانسن أن الثدييات آكلةَ النبات ربما تعتمد على الميكروبات التي تعيش بداخلها لإبطال مفعول السموم من غذائها. وخلال العقود التي تلَتْ ذلك، وجد باحثون آخرون أمثلةً تدعم فكرة فريلاند وجانسن.

على سبيل المثال، تستطيع الرنة أكل نوع من الأشنات يُسمَّى «طحلب الرنة»، الذي يحتوي على سمٍّ قويٍّ يُسمَّى حمض اليوزنيك. يبتلع الغزال كمية كبيرة من حمض اليوزنيك، لكن لا يوجد له أي أثر في فضلاته تقريبًا، لا بد إذن أن هناك شيئًا يُبطل مفعوله. ورغم أن ميكروبات الأحشاء هي المرشح البارز لهذه المهمة، فإنه ما من أحد يعرف إذا كانت هي المسئولة.

ثمة أدلة أفضل على أن البكتيريا تساعد الحيوانات المجترَّة في أمريكا الوسطى وجنوب أمريكا على إزالة سُمِّية الميموسين، وهو مركَّب تنتجه شجرة محلية تُعرَف بشجرة لوسينا. ويُطلَق على الميكروب المسئول عن فعل ذلك اسم سينرجيستس جونزي تيمنًا بالعالم الأسترالي ريموند جونز الذي عمل على التعرف عليها ودراستها دون كلل. وبفضل جهوده، يستطيع المزارعون الآن شراء إس (اختصارًا لسينرجيستس) جونزي لإطعامها لماشيتهم؛ مما يتيح لها الاستمتاع بالحصول على الطعام من شجرة لوسينا سهلة الزراعة.

استطاعت هذه المواشي — تمامًا مثل قوارض الجيروذ التي نُقلت إليها الميكروبات — تناوُل نوع جديد من الطعام على الفور. فلو كان هذا التغير يرجع إلى طفرات في الجينوم الخاص بالحيوانات، لتطلَّب ذلك حدوث تطور عبر أجيال كثيرة. لكن بالاعتماد على ميكروبات تتمتع بالفعل بالقدرة المناسبة، استطاعت الحيوانات توسيع نطاق الأطعمة التي تتناولها بسرعة بالغة.

هل من المحتمل أن هذا الأمر يحدث في البرية طوال الوقت؟ ليس هذا سوى تخمين، ولكن تخيَّلْ جيروذ ينتقل إلى منطقة جديدة مليئة بنباتات غير مألوفة؛ فيتناول مقدارًا قليلًا من النبات، ويتلقى ميكروبات تعيش على سطح النبات، التي ربما تكون قد تطورت بالفعل للتعامل مع أي وسائل دفاعية كيميائية بداخل النبات. ثم يجد الجيروذ أجزاءً من فضلات على الأرض فيتناولها، وهكذا ربما تنتقل إليه ميكروبات أحشاء من حيوانات محلية تكون قد تكيَّفَتْ بالفعل على التعامل مع النباتات المحلية.

Desert Rat Relies on Microbes to Detoxify its Deadly Meals by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. July 21, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.