كان العرب يقولون في أمثالهم: «إن النعامة ذهبت تطلب قرنين فجاءت بلا أذنين.»

يضربون هذا مثلًا لمن ذهب يطلب خيرًا فلم يظفر به، وإنما عاد وقد لقي كثيرًا مما لا يحب. ولو قد عاش العرب القدماء الذين كانوا يضربون هذا المثل للخيبة المطبقة، لما تحدثوا عن هذه الرحلة الطويلة الشاقة التي احتمل أثقالها رئيس الوزارة الفرنسية الجنرال ديجول، إلا بحديثهم ذاك عن النعامة التي ذهبت تطلب قرنين فعادت بلا أذنين.

فقد قطع الجنرال دي جول ألوفًا كثيرة من الأميال مطوفًا في الأقطار التي لا تزال فرنسا تسيطر عليها في أفريقيا، بل تجاوز أفريقيا إلى المحيط الهندي، فزار مدغشقر وخطب فيها، كما خطب في أرجاء المستعمرات الفرنسية الأفريقية، داعيًا لمذهبه الجديد الذي أقام عليه دستور الجمهورية الخامسة، والذي يريد أن يخلط أهل المستعمرات بالفرنسيين، فيعطيهم ما للفرنسيين من الحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية أيضًا، ويشركهم في إقرار الدستور وفي ممارسة ما ينشأ عنه بعد إقراره من الحقوق السياسة.

وكان الجنرال دي جول يقدر أولًا أنه سيفتح هذه المستعمرات فتحًا جديدًا، ويملك قلوب أهل المستعمرات، ويخلب عقولهم؛ ذلك أنه مؤمن بنفسه أشد الإيمان، ومطمئن إلى أن الناس يؤمنون به ويُكْبِرونه كما يؤمن هو بنفسه ويُكْبِرها.

لم يعرفه القدماء

وكان يُقدِّر ثانيًا أنه سيُرضي أهل المستعمرات عن فرنسا، ويكسبهم لها في غير جهد ولا عناء، ويريح فرنسا من الثورات التي يمكن أن تشبَّ فيها كما شبَّت في الجزائر، وكما شبت في المغرب الأقصى وفي تونس، وكما شبت من قبل ذلك في الهند الصينية. وكان يقدر آخر الأمر أنه حين يعرض الدستور على أهل المستعمرات سيقرونه، وسيظفر هو بإجماع فرنسا ومستعمراتها على تأييده والاستجابة له في غير تردد، وذلك شيء لم يظفر به زعيم فرنسي قبله.

كان يقدِّر كل هذا، ويثق بأنه سيعود إلى باريس بعد رحلته تلك، وقد ملأ يديه من المستعمرات وأهلها ومن الجزائر وأهلها أيضًا.

فإعطاء الحقوق السياسية والاجتماعية كلها لأهل المستعمرات، والتسوية بينهم وبين الفرنسيين فيها، شيءٌ عظيم الخطر جدًّا في رأي الجنرال دي جول، وكرم لم يعرفه القدماء ولا المحدَثون.

نسوا شيئًا!

ولكن الجنرال دي جول والذين زينوا له هذه الرحلة، لم يكونوا ينسون إلا شيئًا واحدًا: وهو أن أهل المستعمرات قد استيقظوا بعد نوم وتنبهوا بعد غفلة، وسمعوا عن شيء يُسمى الاستقلال، تجاهد في سبيله أمم كثيرة، وتحتمل في سبيله ألوانًا لا تحصى من البأس والبطش، وتظفر به آخر الأمر فتنعم بحياة راضية كريمة.

وما هي إلا أن درسوا هذا الشيء الذي يُسمى الاستقلال، ثم أحبوه، ثم كلفوا به، ثم جعلوه غاية لحياتهم، وأزمعوا ألا يُريحوا ولا يستريحوا حتى يظفروا بهذا الاستقلال، وحتى يحيوا حياة البلاد التي برئت من الاستعمار ونعمت بالكرامة والعزة، وأصبحت نِدًّا للذين كانوا يسيطرون عليها ويتحكمون في أمرها كله. وأهل المستعمرات قد علموا ما كان من أمر الهند الصينية، وما كان من أمر المغرب الأقصى وتونس، وما يجري في الجزائر الآن من الخطوب والأهوال.

وكثير من شبابهم ذهبوا إلى فرنسا وتعلموا في مدارسها وجامعاتها، وعرفوا حقائق الحياة التي تحياها. وكثير منهم كذلك ذهبوا إلى مصر، ودرسوا فيها، وعرفوا حياة أهلها. ثم عاد أولئك وهؤلاء إلى بلادهم يتساءلون ويثيرون تساؤلهم نفسه في قلوب مواطنيهم: ما بال الناس يعيشون من حولنا أحرارًا ونعيش نحن عبيدًا؟! وما بال الناس من حولنا يحكمون أنفسهم بأنفسهم ولأنفسهم، وما بالنا نحن يحكمنا الأجنبي ويحكمنا لمصلحته هو لا لمصلحتنا نحن؛ يسوقنا إلى الحرب حين يحارب، ويسخِّرنا للعمل في أرضنا واستخراج ثمراتها، ثم يستأثر هو بهذه الثمرات كلها ويتركنا نعيش عيشة البؤس والشقاء والحرمان؟!

وما هي إلا أن استقر في نفوس هؤلاء الناس إيمانهم بحقهم في الحرية، وفي أن تُردَّ إليهم أمورهم، يُصرِّفونها كما يشاءون.

ونسي الجنرال دي جول والذين زينوا له تلك الرحلة كلها هذه الحقائق، وأقبل الجنرال راضيًا موفورًا، ولكنه لم يزر مستعمرة إلا خرج منها ساخطًا محزونًا؛ ذلك أن الذين سعى إليهم بالحقوق السياسية والاجتماعية الفرنسية قد أفهموه في وضوح، بالرفق حينًا وبالعنف حينًا آخر، أنهم لا يريدون هذه الحقوق، ولا يطمحون إليها، ولا يعنيهم أن يشاركوا الفرنسيين أو لا يشاركوهم فيها، وإنما الذي يعنيهم شيء آخر مخالفٌ أشد المخالفة لما تريده فرنسا ولما يحمله إليهم رئيس وزرائها؛ فهم لا يريدون أن يكونوا فرنسيين، كما أنهم لا يريدون أن يخضعوا للفرنسيين؛ وإنما يريدون قبل كل شيء أن يكونوا أحرارًا مستقلين، ولهم أن يفكروا بعد ذلك في أن يحالفوا فرنسا أو لا يحالفوها.

وبلغ الأمر ببعض الذين زارهم الجنرال، وحمل إليهم هديته أن واجهوه بالبغض الصريح وأسمعوه دعاءهم بسقوطه، وبأن يعود الفرنسيون إلى بلادهم.

هدية للجنرال!

وكان الجنرال قد قرر أن يختم رحلته بزيارة الجزائر، وأن يحمل إلى الجزائريين هديته الخطيرة التي رفض أهل المستعمرات الأخرى قبولها، ولكن الجزائريين مهدوا لزيارة الجنرال وعرض هديته عليهم، تمهيدًا أقل ما يوصف به أنه قاطع حاسم في إقناع الفرنسيين جميعًا بأنهم لا يريدون زيارة الجنرال ولا يقبلون هديته.

مهدوا لها هذا التمهيد حين حملوا الحرب إلى فرنسا نفسها، إلى العاصمة الفرنسية والأقاليم الفرنسية في الشمال والجنوب، وقد اتخذوا مستودعات الزيت غرضًا لحربهم، فجعلوا يحرقون وينسفون ويُهدون الموت إلى رجال الأمن ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وأزمعوا ألا يؤذوا المدنيين ولا يعرضوا لهم بسوء في أنفسهم؛ حتى رُوِّعَ الفرنسيون في وطنهم، وفرضت الحكومة على الصحف ألَّا تنشر حقائق هذه الحرب حتى لا يزداد الفرنسيون روعًا إلى روع، وإذا نحن نقرأ أنباء هذه الحرب في الصحف الفرنسية، فإذا هي تهون من شأنها، وتخفي حقائقها. فإذا قرأنا أنباء هذه الحرب في الصحف الأجنبية، رأيناها أخطر مما يصورها الفرنسيون.

رجل شجاع!

وواضح أن الجنرال دي جول كان يتلقى أنباء هذه الحرب أثناء رحلته، فتضيف إلى نفسه حزنًا إلى حزن وسخطًا إلى سخط، وهو بعد ذلك رجل شجاع لا يعترف بالهزيمة. وكلنا يذكر أنه لم يعترف بالهزيمة الفرنسية في الحرب العالمية الأخيرة، وهو قد ذهب إلى الجزائر على رغم الجزائريين، وما له لا يفعل وفي الجزائر نصف مليون من الجند، وهم قادرون على أن يجنِّبوا رئيس الوزراء أن يرى أو يسمع شيئًا يكرهه.

لعب في لعب!

وسيعود الجنرال دي جول إلى فرنسا، وسيُظهر الرضى ويكظم الغيظ ويتعزى عما لقي في أفريقيا بما سيلقى في فرنسا، فهو سيطوف في أرجاء وطنه ويزور عشرين مدينة ويُلقي عشرين خطبة داعيًا لدستوره الجديد، وسيعرض دستوره هذا على أهل المستعمرات، واثقًا بأنها ستجيب بقبول الدستور، لا لأن أهل المستعمرات سيقبلونه، بل لأنهم سيرفضونه، ولكن الحكام والجنود الفرنسيين في هذه المستعمرات سيقبلون الدستور نيابة عن أهلها، وسيزعمون لفرنسا ولرئيس وزرائها أن أهل المستعمرات قد أجمعوا على قبول الدستور، وإن كان الفرنسيون ورئيس حكومتهم يعلمون حق العلم أن الأمر كله لعب في لعب، وسيجري على المستعمرات مثل ما جرى على غيرها من البلاد التي استقلت والبلاد التي تجاهد في سبيل الاستقلال.

المصير معروف!

ما دام تزوير الأصوات على الناس ميسَّرًا للحكام والجنود، فكل شيء ممكن، إلا أن تزعم فرنسا أنها تملك قلوب الناس في مستعمراتها حقًّا. فهي تملك أجسامهم إلى حين، أما قلوبهم فيملكها شيء آخر غير فرنسا يُسمى الاستقلال. ومهما يكن من شيء، فإن زيارة الجنرال دي جول قد أظهرت له أولًا، وللعالم ثانيًا، أن فرنسا قد فقدت مستعمراتها وأصبحت لا تسيطر عليها إلا بالبأس والبطش والعدوان، ومصير هذه السيطرة معروف، وهو الثورات وما يتبعها من خطوب وأهوال، ثم من انتصار الحق على الباطل والمظلومين على الظالمين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.