يظهر أن الشعب المصري مقبل على حياة راضية، سيأخذها الرغد من جميع أقطارها، وسيملؤها الخير والبر والمعروف حتى لا تبقى من ذلك زيادة لمستزيد كما يقال، وستصبح مصر جنة الله في أرضه كما أنها كنانة الله في أرضه، وستنظر الشعوب الشرقية كلها إلى مصر نظرة فيها كثير من الغبطة، وفي بعضها شيء من الحسد؛ لأن مصر ستعيش عيشة ناعمة لا يعرف أهلها فيها جوعًا ولا بؤسًا ولا مرضًا ولا احتياجًا لشيء من الأشياء. وما ينبغي أن يظن القارئ أني أعبث أو أقصد إلى الدعابة، أو أريد إلى السخرية، فما ينبغي أن تتخذ حياة الشعوب وآمالها وحاجاتها موضوعًا للعبث أو الدعابة أو السخرية، وإنما يجب أن تكون موضوعًا للجد كل الجد، والعناية كل العناية.

وأنا أعتقد أن المصريين سيستقبلون حياة راضية ناعمة يأخذها الرغد من جميع أقطارها؛ حتى لا يجد أحد منهم حاجة إلى الشكوى في السر ولا في الجهر. وتعليل ذلك يسير؛ فقد أعلن وزير الخارجية البريطانية — منذ استطاع أن يتكلم بعد أن تولت الحكم وزارة العمال — أنه حريصٌ كل الحرص على أن يُعنى عناية خاصة برفع مستوى المعيشة في الشرق الأدنى، وبإصلاح الاقتصاد في هذا الشرق حتى يستطيع الناس أن يأمنوا آفات البؤس والمرض والجوع.

ثم أعلن وزير الخارجية البريطانية مرة أخرى أن بريطانيا العظمى لا تريد سيطرة على مصر، وإنما تريد أن تنشئ معها شركة قوامها المساواة بين الند والند، وغايتها إصلاح الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة، وتأمين الناس من آفات المرض والجهل والفقر.

وكان المصريون في أيام النقراشي باشا يسمعون هذا الكلام فيضيقون به أشد الضيق، ويرون أنه محاولة سخيفة للتدخل في شئونهم، وكانوا يرون أن من الحق عليهم لأنفسهم أن يصلحوا أمورهم بأيديهم، وأن يؤمِّنوا أنفسهم من آفات البؤس وغوائل الشقاء. وكانوا يفضلون البؤس الذي يأتيهم من فساد النظم الاجتماعية في ظل الاستقلال، على السعادة التي تأتيهم من صلاح النظم الاجتماعية في ظل هذه الشركة التي تتوق إليها نفس وزير الخارجية البريطانية. كما أنهم يفضلون الظلم الذي يأتيهم من فساد النظم السياسية في ظل الاستقلال، على العدل الذي يأتيهم من صلاح هذه النظم السياسية في ظل هذه الشركة التي يريد المستر بيفن أن ينشئها، وإن أقامها على أساس من المساواة بين الند والند.

وكانوا يرون أن إصلاح الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة، وتحقيق العدل الاجتماعي، كل هذه أشياء لازمة ما في ذلك من شك، ولكنها يجب أن تأتي من أعماق الشعب المصري، وتُفرض على الحكومات المصرية بإرادة الشعب. ولا ينبغي أن تأتي من وراء البحار، وتُفرض على الحكومات المصرية من طريق الشركة بيننا وبين الإنجليز.

وكانوا يرون أن حلفاءنا الإنجليز قد يحبوننا أشد الحب، ويكلفون بنا أشد الكلف، ويعطفون علينا أحسن العطف، ولكن هذا كله لم يبلغ بهم في يوم من الأيام أن يحاولوا إصلاح الاقتصاد، وتحقيق العدل الاجتماعي، وتوفير الرخاء، بحيث يرتفع مستوى المعيشة، وبحيث نأمن غائلة الفقر والمرض والجهل. فعنايتهم بهذه الأشياء في هذه الأيام لا يمكن أن تكون خالصة لوجه الله، وإنما يمكن أن تكون خالصة لوجه الإمبراطورية البريطانية! وكانوا من أجل ذلك يزهدون في هذا العدل الذي يأتيهم من لندرة، ويتوقون إلى عدل آخر يأتيهم من أعماق مصر، وتنبت أشجاره على ضفاف النيل لتؤتي ثمرها في وقت قريب أو بعيد.

وكان النقراشي باشا نفسه وحكومته — فيما أظن — لا يحفلان بهذه الدعوة إلى العدل التي تأتي من وراء البحار، ولا بهذا الطموح إلى الإصلاح الذي يدعو إليه المستر بيفن، وإنما يفكران في الاستئثار بالأمر من جهة، وفي الانقياد المتباطئ إلى ما يريد الشعب من المطالبة بالاستقلال من جهة أخرى.

ثم تبيَّن في بعض الأوقات — ومنذ الصيف الماضي بنوع خاص — أن حلفاءنا البريطانيين يفكرون تفكيرًا متصلًا في إقامة العدل الاجتماعي في مصر، وفي التقرُّب من الشعب على حساب هذا، ويتحدثون حديثًا متصلًا بأن الأمور في مصر قد بلغت من الفساد حدًّا لا يطاق، وبأن الأغنياء من المصريين يستأثرون بكل شيء على حين لا تملك الكثرة من المصريين شيئًا، وبأن تحقيق العدل الاجتماعي أعظم خطرًا من تحقيق الاستقلال السياسي، وبأن المصريين الذين يطالبون بالجلاء ووحدة وادي النيل يجب عليهم قبل ذلك أن يعصموا الشعب من الفقر والمرض والجهل.

وقد نقلت هذه الأحاديث من بريطانيا العظمى إلى مصر في أواخر الصيف وأوائل الخريف، فلم يحفل بها المصريون ولم يقف عندها النقراشي باشا وحكومته، ثم تتابعت الحوادث وتوالت الخطوب واستقالت وزارة النقراشي باشا، ووثب إلى الحكم رئيس وزرائنا القائم صدقي باشا. وذكاء صدقي باشا معروف لا ينكره المصريون ولا الإنجليز، ولباقة صدقي باشا واضحة لا يشك فيها مصري ولا أجنبي، وقدرة صدقي باشا على انتهاز الفرص أشهر وأظهر من أن تحتاج إلى بيان.

ومن أجل هذا كله امتلأ الجو في مصر وفي بريطانيا العظمى، بأن ساعة العدل الاجتماعي قد أصبحت أقرب من لمح البصر، وبأن حكومتنا الجديدة قد جرَّدت بيدها القوية سيفًا مصلتًا ستطيح به رءوس الفقر والمرض والجهل، وبأن المصريين سيصبحون بمأمن من كل هذه الآفات. لن تدخر حكومته في سبيل ذلك جهدًا إلا بذلته. وهي من أجل ذلك ستعقد قرضًا قوامه خمسون مليونًا من الجنيهات، وستُجرِّد حملة هائلة تطرد بها هذه الآفات من مصر طردًا نهائيًّا عنيفًا؛ فلن توجد مدينة في مصر إلا وفيها مراكز مختلفة لمقاومة الفقر والمرض والجهل، ولن يوجد فرد من الأفراد المصريين إلا وهو مؤمَّن من الفقر والمرض والجهل.

ثم لم تكتفِ حكومتنا القائمة بإذاعة هذه الأنباء في مصر وحدها، ولكنها أخذت تُذيعها في الخارج، وأخذت تذيعها في بريطانيا العظمى بنوع خاص، تريد من ذلك شيئين طبيعيين؛ أحدهما: إحياء الأمل في نفوس المصريين، والآخر إقرار الاطمئنان في نفوس الإنجليز.

فيجب أن يأمل المصريون وأن ينتظروا حياة رغدًا خيرًا من حياتهم هذه البائسة، ويجب أن يلوح لهم صدقي باشا بهذه الآمال لينصرفوا إليها، ويطمعوا فيها، ويشغلوا بها عمالًا ينبغي أن يعنيهم من أمور السياسة والحكم، ومن أمور المفاوضات والاستقلال أيضًا.

ويجب من جهة أخرى أن يرتاح المستر بيفن والزعماء الاشتراكيون في بريطانيا العظمى إلى أن الحكومة القائمة في مصر — الحكومة التي ستفاوضهم في الجلاء ووحدة وادي النيل — لا تريد الاستئثار ولا الامتياز، وإنما هي حكومة مؤثرة عطوف ترحم الشعب، وترفق به، وتريد أن تبذل جهودًا هائلة لتُقرِّبه من العدل، وتعطيه حقَّه من الإنصاف.

وكذلك تستقيم الأمور لصدقي باشا، يطمع الشعب في العدل فيشغل به عن السياسة، وتثق بريطانيا العظمى برغبة الحكومة المصرية في العدل، فتطمئن إليها، وتقبل على مفاوضتها غير مُتكرِّهة ولا مُتحرجة.

فأي ذكاء أبرع من هذا الذكاء؟ وأي فطنة أنفذ من هذه الفطنة؟ ولكن الشعب المصري ينظر فلا يرى عدلًا اجتماعيًّا، ولا سعيًا إلى تحقيق هذا العدل الاجتماعي. ما زال الجائعون يشكون ألم الجوع، وما زال المرضى يشكون ألم المرض، وما زال الجاهلون ينعمون بلذة الجهل. لم تتخذ الحكومة إلى الآن خطوة قصيرة أو طويلة في سبيل الإصلاح، بل لم تمهد لاتخاذ خطوة طويلة أو قصيرة، وإنما نشرت الدعوة وأسرفت في نشرها. ولعلها لا تتجاوز نشر الدعوة، بل لعلها أن تكون قد أخذت تتسلك طرقًا مضادة لتحقيق العدل الاجتماعي، وإنقاذ الشعب من آفات البؤس والشقاء.

فعنايتها بالأغنياء — إلى الآن — أظهر من عنايتها بالفقراء، واهتمامها بالمنتجين أكثر من اهتمامها بالمستهلكين، وإشفاقها على البورصة أشد من إشفاقها على العمال والفلاحين، ولكن المهم هو أن تقول الحكومة لا أن تعمل. وما دامت هناك أبواق تملأ الجو ضجيجًا وعجيجًا، وما دامت هناك صحف تكتب المقالات الطوال والقصار، وما دامت هناك شركات برقية تذيع في الخارج ألوان الإعلان وفنون الدعوة، وما دام هناك رسل يتحدثون في الخارج بما تحب الحكومة أن يتحدثوا به، ما دام هذا كله قائمًا؛ فما من شك في أن صدقي باشا — الذكي اللبق الذي يحسن انتهاز الفرصة — قد أدى واجبه على أحسن الوجوه، فواجب صدقي باشا هو أن يشغل الشعب بالآمال والأماني، وهو أن يُخيِّل إلى الإنجليز أنه صاحب مذهب في الإصلاح، وخطط في تحقيق العدل الاجتماعي.

كل هذا حسن، ولكن أحسن منه وأجدى أن يثوب صدقي باشا إلى نفسه، وأن يعلم أن نفس الشعب قد تغيَّرت، وأن الذين كانوا يُخدعون بالأماني والآمال في وزارته الأولى قد أصبحوا لا يقنعون إلا بالحقائق والأعمال في وزارته الثانية، وأن نفس الشعب إذا تغيرت وجب أن تتغير معها سياسة الحكومة؛ فلينظر صدقي باشا إلى أن في مصر شعبًا جائعًا بائسًا جاهلًا مريضًا، وإلى أن هذا الشعب لا يكفيه أن يوعد بالسعادة والشبع والعلم، وإنما هو في حاجة إلى أن يمسَّ هذا بيده، وإلى أن يظفر معه بحقِّه واقعًا ملموسًا، لا أملًا بعيدًا، ولا خيالًا يضطرب في السماء.

وصدقي باشا أذكى من أن يحاول خداع البريطانيين عن نفسه وعن حكومته؛ فالبريطانيون يعرفون كل شيء، ويرون كل شيء، وهم بعد هذا كله لا يعنيهم أن يتحقق في مصر، وإنما يعنيهم أن يتخذوا العدل الاجتماعي وسيلة للتدخل في شئون مصر، والتلكؤ في النزول لها عن حقها الطبيعي في الاستقلال.

ليس يكفي أن يكون رئيس وزرائنا ذكيًّا لبقًا منتهزًا للفرص، وإنما يجب مع ذلك أن يكون مخلصًا في حبِّه للعدل، مخلصًا في حرصه على تحقيق هذا العدل، مخلصًا في شعوره بآلام الشعب ورغبته في إزالة هذه الآلام، مخلصًا في اعترافه بحق الشعب في أن يستمتع بعدل اجتماعي صحيح غير مزيف ولا قائم على الخداع.

فإن استطاع صدقي باشا أن يُغيِّر طبيعته، وأن ينقلب من رأسمالي إلى محبٍّ للعدل، مؤثر للحق، منصف للشعب؛ فليفعل، وإلا فليرح نفسه من الوعود التي لا تغني، والآمال التي لا تجدي، والكلام الذي لا يفيد، وليصارح الشعب في وزارته الثانية — كما صارحه في وزارته الأولى — بأنه قد جاء ليحكم سواء رضي الشعب أو لم يرض.

ونؤكد لصدقي باشا أن هذه الصراحة أجدى عليه وأنفع له من كل هذا التكلف الذي يحمله ويُحمِّل أنصاره عناءً ثقيلًا.

يجب أن يذكر صدقي باشا أن الناس يعلمون حق العلم أن بعض الملائكة قد استحالوا إلى شياطين، ولكنهم لم يعلموا قط أن بعض الشياطين قد استحالوا إلى ملائكة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.