تحدَّث إليَّ الصديق الفاضل محرر «صوت الشرق» عن عودة «توماس مان» إلى أوروبا وتعويله على الهجرة من أمريكا وعلاقة ذلك بروايته الأخيرة التي تُرجمت إلى الإنجليزية بعنوان «الآثم المقدس» The holy sinner ومدارها على أسطورة من أساطير القرون الوسطى: خلاصتها أن رجلًا من سلالة الآثمين ترقَّى بتوبته وندمه إلى عرش البابوية، وكانت أمه وعمته وزوجته امرأة واحدة.

وقد كنت هممت بالكتابة عن توماس مان وقصته، وعن آثار القرون الوسطى في أدب هذا الكاتب الذي يعيش بخياله في تلك القرون، ثم قرأت خلاصة قصته لزميلنا العلامة الدكتور طه حسين، فوجدت في تلخيصه مجالًا للكتابة في هذا الموضوع؛ لأن الدكتور يقول وهو يختتم ذلك التلخيص:

وقد لاحظ القارئ في هذه الخلاصة الموجزة أن الكاتب لم يبتكر قصته كما قدَّمتُ، وإنما اشتقَّها من أحاديث القرون الوسطى ومن قصة أوديبوس ملكًا؛ فالخطيئة التي ولدته وولدت له ابنتيه هي خطيئة أوديبوس ملكًا، والعاقبة التي انتهى إليها هي نفس العاقبة التي انتهى إليها أوديبوس في القصة التي صوَّر فيها سوفوكل براءة هذا الملك الذي كان ابن الخطأ والخطيئة، وهي قصة أوديبوس في كولونا. فقد انتهى أوديبوس إلى أن رضيت عنه الآلهة وجعلته شيخًا مباركًا يُستَجَاب دعاؤه وتلمُّ البركة بالأرض التي يدفن فيها.

والظاهر أن هذا الخاطر قد سبق إلى اعتقاد الدكتور لامتلاء نفسه بروائع الأدب اليوناني القديم أو روائع سوفوكل منه على الخصوص، فاعتقد أن توماس مان نظر في قصة «الآثم المقدس» إلى الشاعر اليوناني الخالد، واقتبس من مأساة أوديب طرفًا من موضوعه، وليس هذا الظن في الواقع إلا ثمرة من ثمرات الإعجاب بالمأساة اليونانية؛ لأن توماس مان أقل كتَّاب العصر تأثُّرًا بأدب اليونان، وأكثرهم وأشدهم تأثرًا بالأساطير التي تخلَّفت عن القرون الوسطى.

***

ومصدر هذه القصة التي لم يزد عليها توماس مان شيئًا من عنده أو من المراجع اليونانية إنما هو منظومة الشاعر الألماني هارتمان فون أوي Hartman Von Aue الذي عاش في القرن الثاني عشر (١١٦٥–١٢١٠)، وشغل نفسه بهذه الأساطير، وأراد أن يبيِّن بها سعة الغفران الإلهي لقبول التوبة من الخاطئين.

ولا عجب في اختيار توماس مان لهذه الأسطورة؛ لأن موضوع الخطيئة والموت والسحر والمطاردة الإلهية والتوبة هو الشغل الشاغل لذهنه وخياله، وهو محور رواياته جميعًا؛ ما كان منها عصريًّا في وقائعه وما كان منها متعقبًا لأساطير القرون الوسطى كالدكتور «فاوست»، أو القصص السابقة للميلاد كقصة يوسف الصديق وما حدث فيها من جريمة إخوته أو جريمة زوج العزيز، ثم ما كان بعد ذلك كله من التوبة والسماح.

ويوشك أن يكون تصوير توماس مان لحياته وتصرفات الزمن معه أنه طريد الحياة أو طريد الآلهة؛ لأنه نشأ في بيت من بيوت التجارة المشهورة، وكانت أرباح بيته تكفيه وتُدِرُّ عليه أرزاقًا وافرة لولا بلاء الفن والأدب، وهما في رأيه مستنفدان لقوة السعي وقوة الحركة، فمن ابتُلِيَ بمحنة الفن والأدب فلا نصيب له من دنيا العمل والكفاح، وكأنما هي اللعنة القديمة لا لعنة «برومثيوس» الذي اجترأ على اقتباس النار الإلهية وتعليم البشر كيف يوقدونها ويسخرونها، فلاحقته لعنة الآلهة بالنفي والعذاب.

وكأنما أرادت المقادير أن تداعب الرجل في هذه العقيدة فجعلته هو وأخاه أديبين، ورزقته ولدًا وبنتًا كلاهما أديب … وهما ابنه كلوس وبنته إريكا Erika وقد اشتهرا كما اشتهر أبوهما قبل أن يُتِمَّا الخامسة والعشرين.

وقد ذاعت شهرة «توماس مان» بروايته الكبيرة الأولى «بدينبروك» التي تعتَبر ترجمة فنية للمؤلف وأسرته، وكانت هذه الرواية من الكتب التي أحرقها هتلر لمؤلفين ينتمون إلى السلالة اليهودية أو إلى أنصار الجمهورية الألمانية الأولى، وأحسب هذه المصادرة من أسباب شهرة الرواية ومن أسباب ترشيحه لجائزة نوبل بعد ذلك بفترة قصيرة؛ لأن لجنة نوبل جعلت ديدنها تشجيع كل أديب يتحدَّى النازية أو الشيوعية، وأخلصت في ديدنها هذا لرسالتها أو لأمانتها؛ لأنها تخصِّص جوائزها لخدمة السلام ومحبة الإنسانية، وترى أن الحكومة المطلقة حرب على السلم وشريعة المحبة، ومن أجل هذا حرَّم هتلر على الأدباء الألمان أن يرشحوا أنفسهم لجوائزها أو يقبلوها.

***

أقول إن المصادرة كانت من أسباب شهرة الرواية، ومن أسباب الترشيح لجائزة نوبل؛ لأنني في الحق لا أستسيغ أسلوب المؤلف كثيرًا ولا أخاله جديرًا بالسمعة الفياضة التي استطارت له في عالم الأدب الحديث؛ فهو متوسِّط في أدبه وفي قريحته، لم يرتفع قط إلى القمة بقصصه ولا ببحوثه النقدية ولا بأعماله السياسية، ومن رواياته ما يُمل القارئَ إملالًا شديدًا، ولا سيما الروايات الكبرى، وأذكر أنني كنت أجرُّ خطواتي جرًّا وأنا أقرأ له رواية «بدينبروك» ورواية «الجبل السحري»، ولم أقرأ له شيئًا يساغ ويعوِّض القارئ بعض العِوَض عن صبره وعنايته غير حكاياته القصار جيتي وابسن وتولستوي وهيني وويتمان؛ فهي نمط من نقد «الشخصيات» ينمُّ على فطنة نفسية ثم يقف عند هذه الدلالة؛ إذ كان قسطاسه في النقد أن الفوارق الفنية لا تعنيه كثيرًا ولا قليلًا إلى جانب الطبيعة الشخصية، وسيان بعد تمثيل هذه الطبيعة الشخصية أن يكون الأديب شاعرًا أو حكيمًا وناظمًا غزلًا في باكورة الشباب، أو باحثًا متفلسفًا بعد السبعين والثمانين.

ولقد أفادت الرجل عداوتُه للنازيين وعداوة النازيين له من عهد الجمهورية الأولى، ولم تزل تنفعه إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية التي تجرَّد فيها للحملة على دولتي المحور بالمقالات في الصحف والأحاديث في الإذاعة والمحاضرات في المجتمعات، وانتقل إلى الولايات المتحدة قبيل الحرب، ثم بقي فيها إلى ما بعد انتهائها، ولم تكن له حظوة أدبية على ما يظهر بين الأمريكيين، ولكنه كوفئ بلقب الدكتوراه الفخرية من جامعة أكسفورد قبل ثلاث سنوات، وظل يتردَّد زمنًا في البقاء بالولايات المتحدة قبل تأليفه الرواية الأخيرة، ثم عقد النية على الهجرة منها منذ شهور.

وعلى اتساع الدعاية التي أحيط بها عند وصوله إلى الولايات المتحدة وبعد وصوله إليها، لم يُقبِل القراء الأمريكيون على أدب توماس مان؛ لأنهم أخذوا ما يوافقهم من سياسته وأعرضوا عن أسلوبه، وهم على حق في إعراضهم عنه ولو من الوجهة الاقتصادية إذا صحَّ هذا التعبير؛ إذ كان أسلوبه مما يكلف القارئ تعب الساعات لمتعة اللحظات المعدودات، ثم هو بعد ذلك لا يأتي بثمرة خاصة أو مقصورة عليه؛ فإن ثمراته مما يستفاد هنا وهناك بأقل من ذلك العناء.

***

تقلَّبَت آراء توماس مان كما تقلبت مواطنه بين ألمانيا وسويسرا وبوهيمية وفرنسا والولايات المتحدة، فكان من آرائه في أوائل حياته الأدبية أن الاشتغال بالسياسة أمر لا يجمل بالأديب، وكان ينشر مذكراته بعنوان «تأملات رجل ليس من أهل السياسة»، ثم اشتغل بالسياسة ودخل في زمرة الأدباء المجنَّدين لخدمة عُصبة الأمم، ثم جهر أخيرًا بوجوب العمل السياسي أو التفكير السياسي، على كل كاتب وكل شاعر وكل فنان وكل فيلسوف، وبدا له أن مصيبة الألمان العظمى هي عزل السياسة والفلسفة، فانقادت الأمة بمعزل عن المفكرين لعصبة من الجهلاء.

ثم ثاب إلى عزاء يواسي به عقله وقلبه في محنة الفن والأدب، فلما سئل عما يعتقده من شئون الدين قال إن كلمة الديانة اللاتينية تفيد معنى الانتباه والمبالاة، وإن الفن إذن هو عقيدة الروح التي تنجو بها من الكسل والملل وقلة الاكتراث وضعف التعويل على آمال الحياة؛ فإن الفنان مطالَبٌ بالانتباه الدائم والملاحظة المتجددة، فإن لم ينتبه ولم يشغل قريحته بملاحظة كل شيء فما هو بفنَّان.

وفحوى هذا أنه قد صار إلى اعتقاد في الأدب والفن يناقض اعتقاده فيهما، متشائمًا متبرمًا حين توهَّم أن الأديب طريد الحياة، وأن إخفاق بيته التجاري إنما هو ضريبة الفن على أهل العمل والكفاح، فما يعتقده اليوم هو أن «الفن» أمل المستقبل الوحيد أمام الإنسان الحائر في هذا الزمان، وأن العقيدة الفنية الملهمة هي القوة الوحيدة التي تعترف بشطري الإنسان ولا تفصل بينهما فصل المناقضة والملاحاة، وقد خُلِق الإنسان وله شطر في الطبيعة وشطر في عالم الروح والمثل الأعلى، فإذا قنع بشطر الطبيعة وحده فهو حيوان، وإذا قنع بشطر الروح وحده طردته الحياة، وإنما قوام الشطرين أن يجتمعا ولا ينقطع أحدهما عن صاحبه، وخير الوسائل لتقويم هذا القوام وإسباغ الجمال عليه هو الفن الجميل.

واليوم يعود الرجل وهو في السابعة والسبعين إلى أوروبا ويعول على هجرة الولايات المتحدة بعد أن تردد زمنًا بين هذين الشطرين من الكرة الأرضية، وها هو ذا يحاط في هجرته بدعاية كالدعاية التي أُحِيطَ بها في رحلته، فقيل في ذلك كلام كثير عن حرية الرأي وحرية الفن وما شابه هذه التعلَّات، ولكن الحقيقة كما يدل عليها تاريخه كله هي أن طبيعة الرجل مسلطة عليه من داخل طويته قبل كل سلطان يُملي عليه مشيئته من عالم الخارج؛ فهو ممتلئ الطوية بشعور المطاردة، دائم الرغبة في النقلة من مكان إلى مكان ومن حال إلى حال، وشعوره هذا هو الذي علَّقه بكل موضوع فيه لعنةٌ طاردةٌ وفريسة مطرودة، أو فيه خطيئة وتوبة، ومَطَافٌ واستقرار.

وخير ما في هذا الشعور أنه يحبب إليه السماحة والغفران، وأنه يوحي إليه أن عفو الله أوسع من أن يَضِيق بذنب أو جريرة، وعن هذا الشعور يعبِّر حين يذكر من مناقب «البابا» المزعوم بطل الرواية الأخيرة أنه كان يُعِدُ المذنبين بالغفران حتى المسلمين … وهم في تلك القرون أعدى أعداء الله في عرف الصليبيين.

قال: «لقد بلغت الثورة أشدَّها حول قضية المسلمين الذي صبئوا عن دينهم، وأقبل كل منهم في أرض كنعان بزوجاته الأربع وبنيه إلى ينبوع العمادة … أيمكن باسم الله أن يصبح هؤلاء وأبناؤهم مسيحيين مقبولين؟ إن هذه القضية أقلقت منام البابا كما قال حاجبه عدة ليالٍ، ولكنه عاد ففكر في إبراهيم وغيره من الآباء الذين عاشوا تحت عين يهوا عيشة لا فرق بينها وبين عيشة الترك المسلمين، فهبَّ من فراشه وأملى الجواب على كاتبه وقال إن الإنجيل — ولا نقول شيئًا عن كتب العهد القديم — لم يصرح بكلمة واحدة تمنع تعدد الزوجات …»

وسماحة الغفران أيضًا هي التي ختم بها قصة يوسف الصديق؛ فجعل الصديق يبكي ويحزن لأن إخوته طلبوا منه المغفرة باسم أبيهم؛ إذ كيف يخطر لهم أنه معاقبهم بذنوبهم حتى يذكروا له اسم أبيهم ليطمعوا في غفرانه؟

ثم كان الختام الذي ينبغي أن يتوقَّف عنده كل قارئ مصري، حيث يقول صاحبنا في الأسطر الأخيرة من رواية يوسف: «والآن! هلموا بنا إلى الأرض الطريفة المضحكة: أرض النيل!»

غفر الله له؛ فإن غفرانه تعالى ليسع الآثمين المقدسين وغير المقدسين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.