يقال إن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه بعد أن حُجِبَتْ عنَّا أعوامًا طوالًا. ويقال كذلك إن البرلمان قد شكر لرئيس الوزراء بيانه الرائع البارع الذي ردَّ إلينا فيه الحرية باسمة الثغر وضَّاءة الجبين. ويقال بعد هذا وذاك إن الصحف نفسها قد رضيت عن هذا البيان الذي أطلق به رئيس الوزراء حريتنا بعد أن ظلت في غيابات السجن ما يكاد يبلغ ستة أعوام.

يقال هذا ويقال أكثر من هذا. فهل يأذن لي رئيس الوزراء في ألا أصدق أن الحرية قد رُدَّت إلينا سمحة مشرقة الوجه، وفي أن أرجو من الشعب ألا يصدق أن الحرية قد رُدَّت إليه باسمة الثغر وضَّاحة الجبين. وإنما هذه الحرية التي أرسلها رئيس الوزراء حين شاء ليستردها متى شاء تذكرنا بصاحبة بشار تلك التي يقول فيها قوله المعروف:

صدت بخد وجلت عن خدِّ

ثم انثنت كالنفس المرتدِّ

فنحن أحرار ما أراد لنا رئيس الوزراء أن نكون أحرارًا، ونحن مقيَّدون متى أراد رئيس الوزراء أن يُلْقِي في أعناقنا وفي أيدينا وأرجلنا ما يحب أن يلقي من القيود والجوامع والأغلال.

وتفسير ذلك يسير جدًّا؛ فرئيس الوزراء لم يعلن إلينا إلَّا أنه قرر مع زملائه أن يردوا إلينا الحرية في حدود معينة وشروط مبينة؛ فإن خالفنا عن هذه الحدود وتجاوزنا عن هذه الشروط؛ فمن حق رئيس الوزراء وزملائه أن يستردوا المنحة ويرجعوا في الهبة، ويردونا كما كنا قاصرين لا نملك من أمر قلوبنا وعقولنا وألسنتنا وأقلامنا شيئًا.

ولقد ذكرت حين قرأت بيان رئيس الوزراء — وما قيل حوله من الكلام، وما كتب حوله من الفصول — كلامًا آخر كُتِب وأُذيع ونطق به الممثِّلون في باريس قبل الثورة الفرنسية بستِّ سنين؛ أي منذ أكثر من قرن ونصف قرن حول حرية الرأي. وفي هذا الكلام أن نظامًا للحرية قد أقيم في مدريد يبيح للناس أن يقولوا ما يشاءون وأن يكتبوا ما يشاءون بشرط ألا يعرضوا للسلطان، ولا للدين ولا للسياسة ولا للأخلاق، ولا لأصحاب المناصب، ولا للهيئات التي يثق بها الناس، ولا للأوبرا، ولا للتمثيل بوجه عام، ولا للأشخاص الذين ينهضون ببعض الأمر، فإذا تركوا هذه الأشياء كلها فمن حقهم أن يكتبوا أحرارًا كلَّ شيء على أن يخضع ما يكتبون لمراجعة رقيبين أو ثلاثة من الرقباء.

كذلك قال الكاتب الفرنسي سنة ١٧٨٤. ونستطيع نحن أن نقول شيئًا يشبه ذلك سنة ١٩٤٥. ولست أرى بين الكاتب الفرنسي وبيننا فرقًا عظيمًا، فكل هذه الموضوعات التي أشار إليها الكاتب الفرنسي يمكن تأويلها نحوًا من التأويل، وتمكينها نحوًا من التمكين من أن تتصل بالأمور العسكرية أو بالتموين أو بالأمن، أو بما شئت من هذه الأشياء المقدسة التي لا يصح أن تُمَسَّ من قريب أو من بعيد إلَّا بإذن الحاكم العسكري العام وأعوانه من الرقباء.

وكل ما في الأمر أن هؤلاء الرقباء لا يستقرون في دور الصحف، وإنما يستقرون حيث يريد لهم الحاكم العسكري أن يستقروا، ولا يراقبون المقال قبل أن ينشر ليمنعوا نشره، وليريحوا الكاتب والناشر من احتمال التبعات، وإنما يراقبونه بعد أن يذاع؛ ليأخذوا الكاتب والناشر والصحيفة بهذه التبعات. وبهذه التبعات كما يفهمونها هم لا كما يصورها القانون العام، ولا كما تصورها النيابة، ولا كما يقدِّرها القضاء. ونحن بعد ذلك ومع ذلك أحرار نكتب ما نشاء، وبهذه الحرية التي أهداها إلينا رئيس الوزراء فرح الشيوخ وفرح النواب، وصفق الصحفيون، وابتهج الشعب فيما يقال. فليأذن لي رئيس الوزراء في ألا أفرح وألا أصفق ولا أبتهج؛ لأنه لم يهد إلينا شيئًا، ولم يطلق لنا حرية، وإنما نظر إلينا نظرة إن رضي بها غيري فلست أرضاها؛ لأني لا أحب أن تنظر الحكومة إلى الشعب نظرتها إلى الطفل الذي يُخدع بالأوهام، ويُعلَّل بالأماني والآمال.

إنما يرد إلينا رئيس الوزراء حريتنا كاملة، وينظر إلينا رئيس الوزراء نظرة الثقة والاحترام، نظرة الرجل الرشيد إلى الرجال الراشدين يوم يُلْغِي هذه القيود التي تقيد الحرية إلغاءً صحيحًا، بحيث لا يستطيع أن يرجع فيه إلَّا إن أجاز له البرلمان أن يرجع فيه. فإمَّا أن يتفضَّل على الشعب بهذا الفضل الشاحب، فيقول له إني قد أجزت لك الحرية وقتًا ما؛ لأرى أَتُحْسِن الانتفاع بها والاستمتاع بفوائدها أم تسيء ذلك، وأنا الحكم في إحسانك حين تحسن وفي إساءتك حين تسيء؛ فإن رضيت عنك متعتك بهذه الحرية وإن سخطت عليك حرمتك هذه الحرية.

أقول: أمَّا أن يتفضَّل رئيس الوزراء على الشعب بهذا الفضل الشاحب، فشيءٌ لا يلائم كرامة الشعب من جهة، ولا يلائم موقف الحكومة الديمقراطية من الشعب الديمقراطي من جهة أخرى. فالديمقراطية لا تنظر إلى الحكومة على أنها وصية رشيدة على شعب قاصر، تستطيع أن تمنحه وأن تمنعه، وأن تعطيه وأن تحرمه متى شاءت لا متى شاء، وإنما تنظر إليها على أنها خادم للشعب، تأتي من الأمر ما يريد وتدع من الأمر ما لا يريد، ولسان الشعب الذي يستطيع أن يأمر الحكومة بأن تفعل وينهاها عن أن تفعل هو البرلمان.

فهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه رئيس الوزراء؟ وهل هذا الوضع الذي انتهى إليه البرلمان؟! كلا، وإنما أطلق رئيس الوزراء الحرية بيده اليسرى وأمسكها بيده اليمنى، وصفَّقَ البرلمان ورضيت الصحافة وانتهى الأمر، وما ينبغي أن ينتهي!

إن مثل هذه الحرية التي يطلقها رئيس الوزراء بيد ويمسكها بيد أخرى مثل الظبية الشرود التي تحبُّ الحياة السمحة في الفضاء الرحب، قد أخذها الصائد فشدَّها إلى وتد في فناء داره، فلما طال عليها العناء وألحت في الشكوى، وظهر عليها الضعف والهزال والشحوب رقَّ لها الصائد، ولكنه حرص عليها، فلم يرسلها حرة تهيم في الفضاء الرحب كما تريد، وإنما مدَّ لها الحبل وأرخاه، فجعلت تذهب وتجيء تظن أنها حرة. ولكن الصائد ينظر إليها ضاحكًا؛ لأنه يعلم أنها لن تستطيع أن تمضي إلى غير مدى، وإنما هي مضطرة إلى أن تقف حين ينتهي الحبل إلى غايته، وهو قادر على أن يجذب الحبل إليه متى شاء ليردها إلى مكانها من الوتد فلا تستطيع أن تذهب ولا أن تجيء.

هذا هو المثل الدقيق للحرية التي أطلقها رئيس الوزراء يوم الاثنين الماضي، وأنا أعلم حقَّ العلم أن الشعوب المتحضِّرة لا تستطيع أن تهيم في أجواء الحرية المطلقة كما تهيم الظباء الوحشية في الفضاء الرحب، وإنما الشعوب مضطرة إلى حدود لا ينبغي أن تعدوها، وآماد لا ينبغي أن تتجاوزها. ولكن هذه الحدود والآماد لا تقام في مكتب الحاكم العسكري، ولا في مكاتب الرقباء، وإنما تقام في مكتب النائب العام وفي دور القضاء.

وهل يريد رئيس الوزراء مثلًا آخر لرقبائه، هؤلاء الذين أطلقهم بالأحكام العرفية، فانبثوا في دور الصحف وسيطروا على الطبع والنشر، ثم جذبهم إليه رئيس الوزراء يوم الاثنين الماضي فاستقروا في مكاتبهم لينطلقوا منها إن أرادهم رئيس الوزراء على الانطلاق. فهم أشبه شيء بهذه الدمى التي يخوِّف بها الأطفال مرة ويلهون بها مرة أخرى، والتي يرجع أمرها إلى خيط قد أمسكهم ممسك من وراء الستار، فهو يبسطه حينًا فتصول الدمى وتجول، ويقبضه حينًا آخر فتسكن الدمى وتستقر. وهو يبسط الخيط متى شاء ويقبضه متى أحبَّ، ليس لأحد أن يسأله لماذا يبسط ولماذا يقبض، وإنما الأمر موكول إلى إرادته وإلى رضاه.

أفيظن رئيس الوزراء أن هذا اللون من السياسة هو الذي يلائم شعبًا كريمًا يريد أن يحيا حياة كريمة في ظل دستور حر كريم؟! وفيم هذا كله؟! ولحماية من يصنع هذا كله؟! ولحماية ماذا يصنع هذا كله؟! أمَّا الشئون العسكرية فأمرها مفروغ منه، ونحن متفقون على أن الغلو في حمايتها احتياط لا بدَّ منه. وأمَّا ما عدا هذه الشئون من أمور الحياة المصرية وضروراتها، فما الذي يمنع الحكومة من أن تتقدم في شأنها للبرلمان بما تشاء من القوانين ليقرها على وجه الاستعجال كما يقولون، والبرلمان في هذا العام هادئ مطمئن قليل العمل قليل الاجتماع. فلو قدمت إليه القوانين لما تردد في أن يجتمع ولما تردد في أن يعمل.

وإذن فلحماية مَنْ تبقى الأحكام العرفية؟ ولحماية ماذا تبقى الأحكام العرفية؟ أخشى أن يلقى في رُوع الناس أن الأحكام العرفية إنما تبقى لحماية لون من الحكم لا يستطيع أن يعيش إلَّا إذا حمته هذه الأحكام.

ولست أشك في أن رئيس الوزراء ينكر هذا كلَّ الإنكار. وأنا أيضًا أريد أن أنكره كلَّ الإنكار. وأنا من أجل هذا أطلب إلى رئيس الوزراء أن يُلْغِيَ هذه القيود إلغاءً صحيحًا، يجعل إعادتها كلها أو بعضها موقوفًا على رضا البرلمان. فإن لم يفعل رئيس الوزراء — وما أرى أنه سيفعل — فإني أطلب إلى البرلمان أن يخطو هذه الخطوة، وأن يشرع القانون أو يتخذ الإجراء الذي يراه ليجعل إلغاء هذه القيود جدًّا لا فكاهة، وحقيقةً لا وهمًا، وليكفل الحريات ويرد أمرها لا إلى مجلس الوزراء ولا إلى الحاكم الفعلي العسكري.

فإن لم يفعل البرلمان وإن لم تفعل الحكومة، فمن حقِّنا أن نعتقد أن الحرية وما يتصل بها في مصر ليست إلَّا كلامًا من الكلام ومزاحًا من المزاح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.