وليس عليه بأس من التعليق، فهو يحبه ويكلف به ويفنى فيه، وهو معذور في حب التعليق؛ فقد عجز الرجل عن الحياة السياسية عجزًا مطلقًا، وكره الرجل الموت السياسي كرهًا مطبقًا؛ فهو معذور تمسك بأوهى الأسباب، وتعلق بأضعف الأهداب، واضطرب ما استطاع الاضطراب بين الموت والحياة.

عرف منذ أصابه المرض في أول هذا العام أنه أضعف من أن يحتمل أعباء الحكم، وأعجز من أن يُصرِّف أمور السلطان، وأشفق كل الإشفاق من اعتزال الحكم، فرضي أن يكون معلقًا بين الولاية والاعتزال، له من رياسة الوزارة عنوانها وجاهها ومنافعها، وليس له من عملها وقوتها وسلطانها شيء؛ لأنه لم يكن يقدر على شيء.

علق نفسه بين الولاية والعزل ثمانية أشهر، ثم عاد من أوروبا وقد ضاق بما يدبر له من كيد، وما يحيط به من مكر، واسترد من صحته حظًّا فخيل إليه أنه يستطيع أن يعمل، وأنه يستطيع أن يفرض نفسه على الحكم فرضًا، كما فعل من قبل، فأراد أن يخلي الطريق، ويمحو العقبات؛ فأنذر بالاستقالة، ثم ألح في الإنذار، فلم يحفل بنذيره أحد، ولم يلتفت إلى إلحاحه أحد، ودخل الملعب فلم ينظر إليه أحد، ولا فكر فيه أحد، ونظر فإذا الأمر قد خرج من يده إلى غير رجعة، وإذا هو مضطر إلى أن يختار بين اثنتين: فإما التعليق، وإما الاستقالة، فآثر التعليق؛ لأنه سبيلٌ وسطٌ بين الحياة والموت، وظل معلقًا أيامًا بين الولاية والاعتزال، الحبل يضطرب به بين اليمين والشمال، حتى إذا كان اليوم الموعود، انقطع الحبل وسقط المعلق، فإذا هو معتزل، وإذا الأمد بينه وبين الحكم بعيد.

ثم هم أن يكون بعد سقوطه رئيسًا للحزب، كما كان قبل سقوطه، فتكلم كلام الرؤساء، وعمل عمل الرؤساء، فأمر ونهى، ولكنه لم يلبث أن تبين أن الأمر في رياسة الحزب كالأمر في رياسة الوزارة، لا بد فيه من إحدى اثنتين: إما التعليق، وإما الاعتزال، فآثر التعليق؛ لأنه سبيل وسط بين الحياة والموت، وظل الحبل يضطرب به يمينًا وشمالًا، تدفعه يد وتتلقاه يد أخرى؛ يعتبر رئيس الوزراء مستقيلًا من حزب الشعب، فيعلن إليه رئيس الوزراء أنه نائب حزب الشعب، يأمر عضوين أن لا يشتركا في الوزارة، فإذا هما يشتركان في الوزارة، يطردهما من الحظيرة فيعودان إلى الحظيرة، ولا يرضيان بهذه العودة حتى يرتاح لها، ويطلب إلى أنصاره وأعوانه أن يرتاحوا كما ارتاح، والحبل مضطرب به ذات اليمين وذات الشمال، تدفعه يد وتتلقاه أخرى، والشعبيون ينظرون إلى هذا الترجح في الهواء بين الأرض والسماء، فيضحك أكثرهم، ويرثي أقلهم، ويشتد اضطراب الحبل حتى ينبت، وإذا المعلق قد هوى، وإذا هو يسعى إلى نائبه يبلغه استقالته من رياسة الحزب، كما استقال من رياسة الوزراء.

ويخيل إلى الناس أن الأمر قد انتهى، وأن الستار قد أسدل على آخر فصول المأساة، وأن الرجل قد أصبح حديثًا لا أكثر ولا أقل، ولكن الشعبيين — فيما يظهر — قساة القلوب، يحبون التعليق، ويعجبهم اضطراب الحبال في الهواء وترجحها بين الأرض والسماء، وما لهم يحرمون أنفسهم هذا المنظر العجيب، رجل كان يأمر وينهى، وكان يعد ويوعد، وكان ينظر فيملأ بعض القلوب رغبة، ويملأ بعض القلوب رهبة، ويبتسم فيسحر نفوسًا، ويعبس فيذيب نفوسًا أخرى، وقد تولى عنه السلطان كله، وأدبر عنه الحول كله، وأصبح معلقًا في حبل رقيق يضحك منه الذين كانوا يخافونه، والذين كانوا يرجونه، يدفعه أولئك فيتلقاه هؤلاء.

أي منظر أجمل؟ وأي مشهد أروع؟ فكيف ينصرف الشعبيون عن هذا المنظر؟ وكيف يزهد الشعبيون في هذا المشهد؟ لقد انقطع الحبل فيجب أن يوصل، لقد سقط المعلق، فيجب أن يعلق من جديد، لقد استقال الرجل من رياسة الحزب، فيجب أن لا يقال من رياسة الحزب. إنه لم يُكفِّر بَعدُ عمَّا قدَّم كما ينبغي، وإنه لم يدفع بعدُ ثمن ما أخذ كما ينبغي، فيجب أن يظل رئيسًا للحزب يطمع فيه أولئك، ويتجنى عليه هؤلاء، ويقضي في أمور الحزب على غير ما يحب، ثم يقال له: ارتح، فيرتاح، ويدعو أصحابه إلى الارتياح.

وكذلك مضت الظروف في سخريتها واستهزائها، فمثلت في حزب الشعب تلك الكوميديا، قوم يريدون أن يقبلوا الاستقالة، وقوم يأبون، وأولئك وهؤلاء يخطبون، وأولئك وهؤلاء يغضبون، وأولئك وهؤلاء يعدو بعضهم على بعض، ويسرع بعضهم إلى بعض، وإذا وزير يدعو الشرطة، وإذا آخر يستنجد بالعرب، وإذا بريق الخناجر، ولمعان السيوف، وارتفاع الصياح، وقعقعة السلاح، وإذا قلوب تخفق، ونفوس تتفرق، والأيام تنظر إلى أولئك وهؤلاء ساخرة من أولئك وهؤلاء، هازئة بأولئك وهؤلاء، تضحك لأنهم يتخذون الهزل لونًا من ألوان الجد، تضحك لأنهم يحلمون ويظنون أنهم أيقاظ، تضحك لأنهم يلعبون ويحسبون أنهم يعملون في السياسة، حتى إذا استقر المضطربون، وهدأ المغضبون، وسكنت القلوب في الصدور، وعادت العقول إلى الرءوس نظر القوم فإذا الحبل المقطوع قد وصل، وإذا الرجل الصريع قد أعيد تعليقه في الهواء، وإذا هم يتفاوضون إلى كم يبقى هذا التعليق، أيبقى يومًا؟ أيبقى أيامًا؟ فيقول بعضهم: ليبقَ شهرين، ثم يفوضون رئيس الوزراء في أن يقطع الحبل متى شاء؛ لأنه سيسعى إلى الرجل المعلق، ليطلب إليه العدول عن الاستقالة، والله يعلم كيف يطلب إليه هذا العدول؛ أيطلبه إليه جادًّا أم مازحًا؟ أيطلبه إليه مغريًا به أم صارفًا عنه؟

ثم تصل الأنباء إلى الصريع؛ لأنه سيعود إلى مكانه في الهواء، فتملؤه هذه الأنباء سرورًا وبشرًا وهو معذور، فالتعليق خير من السقوط؛ لأنه سبيل وسط بين الحياة التي هو عاجز عنها، والموت الذي هو مضطر إليه.

وأظرف من هذا كله وأطرف أن أنصار الوزارة محزونون لأنهم فشلوا، وهم يتساءلون عن مصدر هذا الفشل، وهم يتساءلون عن دواء هذا الفشل، وهم لا يجدون جوابًا على ما يُلقي بعضُهم على بعض من سؤال، أفيسمحون لنا بأن نبين لهم لِمَ فشلوا؟ فإن ذلك يسير؛ فلو أن رئيس الوزراء احتفظ لنفسه بوزارة الداخلية لما أدركه هذا الفشل، ولكنه آثر الخارجية لأنها وزارة ظرف وراحة، وترك الداخلية لوزير يقول إنه مستقل لا ينتمي إلى الأحزاب.

أفيسمح لنا الوزاريون أن ندلهم على دواء لهذا الفشل؟ إنه يسير، أيسر مما يظنون؛ تعديل للوزارة يجري به القلم دقيقة أو دقيقتين، ويضع رئيس الوزراء في وزارة الداخلية، سواء أترك الخارجية أم احتفظ بها، ويومئذ يرى الوزاريون أن الحبل الذي علق به الرئيس المستقيل أوهى من خيوط العنكبوت.

وأظرف من هذا وأطرف أن أنصار الرئيس المستقيل يحسبون أنهم انتصروا، وأن أنصار الوزارة يحسبون أنهم انهزموا. أولئك وهؤلاء يختصمون في الأندية والقهوات، ويتضاربون بالكراسي والقوارير، وأظرف من هذا كله وأطرف أن بين الكُتاب السياسيين من ينظرون إلى هذا كله نظرة الجد، ويتساءلون: إلام ينتهي هذا كله؟ فيقول قائلهم: إما أن تستقيل الوزارة، وإما أن يحل مجلس النواب، تستقيل الوزارة … ويكون صدقي باشا مصدر استقالتها! … العفو، ومتى جاز مثل هذا الكلام في قضية العقل؟!

ومن يكون صدقي باشا حتى تستقيل الوزارة من أجله؟ ومن يكون أصحاب صدقي باشا حتى يقضوا في بقاء الوزارات؟ يحل مجلس النواب إشفاقًا من صدقي باشا وأصحابه، العفو! ومن يكون صدقي باشا وأصحابه حتى يشفق منهم رئيس الوزراء؟ إن صدقي باشا وأصحابه قومٌ لا يستطيعون أن يدفعوا ذبابًا وإن اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب، فكيف يستطيعون أن يخيفوا الوزارة أو يقلقوا رئيس الوزراء؟

كلا، ستستقيل الوزارة، ولكن لا خوفًا من صدقي باشا وأصحابه، وسيحل مجلس النواب، ولكن لا إشفاقًا من صدقي باشا وأصحابه؛ بل لأن شعبًا كاملًا يكره أن تجري الأمور على هذا النحو الذي تجري عليه؛ لأن شعبًا كاملًا قد شهد المأساة أكثر من ثلاثة أعوام، وشهد الكوميديا نحو شهرين، وزهد في التمثيل، وهو يريد أن تُدبَّر أموره وتُرعى منافعه على وجهٍ أقرب إلى الجد، وأدنى إلى الحق، وأدعى إلى الرضى، وإذا كان بين المصريين قوم لم يشبعوا بعدُ من التمثيل، ولم يضيقوا بعد بهذه الحبال المُعلَّقة التي تضطرب في الهواء بين الأرض والسماء، فقد آن لهم أن يعلموا أن كثرة الضحك تميت القلوب، وأن الإسراف في كل شيء يصرف النفوس عنه، ويزهدها فيه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.