لا أكره لشيخ الأزهر أن يلعب، ولا أكره للحكومة أن تلعب معه؛ فإن في لعب الشيوخ عبرة لغير الشيوخ، وفي لعب الحكومة قوة للمعارضة، ولكن لكل شيء ذوقًا يصلحه ويُقوِّمه، وذوق اللعب أن يكون فيما يجوز اللعب به والتحكم فيه. وما عرفنا منذ كان هذا العصر الحديث أن العلم يصلح موضوعًا للعب إلا عند المُجَّان وأصحاب الفكاهة والدعابة.

وأنا أريد أن أكبر شيخ الأزهر عن أن يكون ماجنًا أو صاحب فكاهة ودعابة؛ لأن منصبه وزيه يأبيان عليه هذا كله؛ ولأن صلاته وصيامه يأمرانه بغير هذا كله. والذي أعلمه أن في حياتنا المصرية الخاصة والعامة متسعًا لنشاط الشيخ والحكومة إن كانت عندهما بقية من نشاط. في مصر آثام تقترف، وسيئات تجترح، وأمور يُعصى الله عز وجل فيها، وهي أكبر عند الله وأحق أن تقاوم وأن يبذل الشيخ في مقاومتها جهده وطاقته وسلطانه من نقد أبي حنيفة بالحق أو الباطل، ومن نيل أبي حنيفة بالمعروف أو بالمنكر من القول.

وهذه الآثام والسيئات تقترف جهرًا، وتجترح علنًا، ويراها الشيخ إذا غدا إلى الأزهر، ويراها الشيخ إذا راح إلى داره. ويسكت عنها الشيخ في غدوه ورواحه، غافرًا لها، أو غافلًا عنها، أو عاجزًا عن إزالتها، حتى إذا نشر كتاب في العلم بريء لا إثم فيه ولا معصية، وإنما فيه نقد لأبي حنيفة قد يكون صوابًا، وقد يكون خطأ، قام الشيخ وقعد، وبرق الشيخ ورعد، وآمنت له الحكومة فأمدته بالحول، وأعانته بالجند، وصادرت له هذا الكتاب.

ومع ذلك، فلم يزعم أبو حنيفة — رحمه الله — لنفسه براءة من العيب، أو علوًّا على النقد، وإنما كان يرى نفسه كما كان يراه الناس في عصره، وكما نراه نحن الآن، سواء رضي الشيخ أم غضب، وسواء طابت نفس الحكومة أم ثار ثائرها، رجلًا من المسلمين يجتهد في الفقه وفي الكلام، فيجوز عليه ما يجوز على كل مجتهد من إدراك الصواب والتورط في الخطأ. فأين وجد شيخ الأزهر أن كتابًا ينقد أبا حنيفة خليق أن يصادر؟ أين الآية القرآنية أو الحديث النبوي أو الأثر الصحيح من آثار السلف الصالح والقياس المستقيم على أصول الفقه في أي مذهب من مذاهب المسلمين؟

أين شيء من هذا يبيح للشيخ وللحكومة معه أن يصادرا كتابًا من كتب العلم نال فيه صاحبه أبا حنيفة بالنقد المسرف أو بالنقد الصحيح؟ لن يستطيع الشيخ ولن تستطيع الحكومة أن يستندا في هذا العدوان على العلم إلى آية من كتاب الله، أو حديث من سنة رسول الله، أو قول من أقوال المسلمين الصالحين، وهما كذلك لا يستطيعان أن يستندا إلى قانون؛ فقد ظهر مما نشرته السياسة صباح اليوم أن ليس في القانون حتى قانون المطبوعات الجديد ما يبيح مصادرة الكتب العلمية على هذا النحو. وإذا لم يستطع الشيخ والحكومة أن يستندا في هذا العدوان إلى أصل من أصول الدين، أو مادة من مواد القانون، فهما إنما يستندان إلى الهوى، ويعتزان بالقوة، ويلعبان بأكرم شيء على الناس: بالعلم الذي يجب أن يكون فوق لعب اللاعبين، وفوق لهو اللاهين، وفوق سلطان الحكام والمتسلطين.

نعم، هما يلعبان، وهما يلعبان بالعلم، ويلعبان بأقدس شيء عرفه الإنسان: بحرية العقل في أن يفكر وينتج، وحرية الناس في أن ينشروا ويقرءوا، ويقال لنا بعد ذلك: إن الحريات مكفولة على اختلافها، وإن النظام القائم قد آمننا على النفوس والأموال، وعلى حقوق الإنسان كلها! من ذا الذي يستطيع أن يزعم هذا وكلمة من شيخ الأزهر، ونحن نعلم من شيخ الأزهر، تكفي لتصادر الحكومة كتاب الخطيب البغدادي، فتعتدي على حرية الخطيب نفسه، وهي مقدسة قد ضمن لها الزمانُ الحرمةَ والخلود، وتعتدي على حرية الناشرين وأموالهم وجهودهم، وهي مقدسة قد ضمنها الدستور، وتعتدي على حق القراء في الشرق والغرب، وهي مقدسة قد ضمنتها أوليات العدل الطبيعي؟

لقد أصم رئيس الوزراء آذاننا باستقرار النظام، وهو قد استقر وإن كان شيء أساسي ينقصه؛ وهو إقامته على العدل، وتنفيذه بالحق، وحمايته من أن يكون وسيلة إلى إرضاء الشهوات. إن لهذا النظام الذي يصم آذاننا رئيس الوزراء بإعلان استقراره عدوًّا هو أشد عليه من المعارضين مهما تكن قوتهم، ومهما تكن مكانتهم في الشعب. وهذا العدو هو طريقة الحكومة في تنفيذ هذا النظام وفرضه على الناس، الحكومة لا تؤمن بالنظام الجديد، ولا تحبه، ولا تحرص على أن يستقر، ولو قد آمنت به وأحبته لنفذته على الناس جميعًا بالعدل، ولكرهت لنفسها أن تتخذه سبيلًا إلى البطش.

كلا، إن الحكومة لا تؤمن بهذا النظام، وإنما تتخذه وسيلة إلى الحكم، وسبيلًا إلى التسلط. وما دامت تفهم النظام على هذا النحو فسيتعبها إقرار النظام، وسيخرجها من خطأ إلى خطأ، وسيضطرها إلى شطط بعد شطط، وما كان للشعب أن يؤمن للنظام أو يطمئن إليه والحكومة التي وضعته نفسها لا تؤمن بهذا النظام ولا تطمئن إليه.

ماذا؟ نحن إذن لعبة في يد الشيخ الظواهري وفي يد وزير الداخلية، يستطيعان أن يتصرفا في عقولنا وميولنا وحقوقنا كما يشاءان هما لا كما نشاء نحن! ماذا؟ كتاب أذيع فنحن نقرؤه وننتظر بقيته أشد ما نكون شوقًا إليها، وأعظم ما نكون حرصًا عليها، ثم يأتي وزير الداخلية صدقي باشا بأمر شيخ الأزهر الشيخ الظواهري فينتزع منا هذا الكتاب انتزاعًا، ويحول بيننا وبين بقيته كما تنتزع اللقمة من يد الجائع، وكما ينتزع القدح من فم الظمآن. وكل ذلك بغير حق وبغير اعتماد على دين أو قانون، ثم نزعم بعد ذلك أننا أحرار، وأن الديمقراطية تظلنا بلوائها المنشور.

كلا، كلا! لسنا أحرارًا، ولو كنا أحرارًا لما عبث بنا صدقي باشا والشيخ الظواهري. كلا، كلا! لا يظلنا لواء الديمقراطية، وإنما يظلنا لواء لا أدري كيف أسميه، ولكني أعلم أنه لا يجوز أن يرفع في هذا القرن العشرين على بلد قد ذاق الحضارة، واستظل بها عشرات القرون. كلا، لسنا أحرارًا! ولو كنا أحرارًا لأقيل شيخ الأزهر؛ لأنه عبث بحرية العلم، ولأنه اتخذ الدين وسيلة إلى الظلم، ودين الله أكرم على الله وعلى المسلم من أن يتخذ وسيلة إلى إهدار الحقوق.

ولو كنا أحرارًا لما استمتع رئيس الوزراء برحلته الصيفية وحرية العقل يُعتدَى عليها أشنع اعتداء. لسنا أحرارًا وما أرى إلا أننا قد اقترفنا ذنبًا قبيحًا، فعوقبنا عليه بهذه المحنة التي تجعل حياتنا العقلية لعبة في يد رجلين اثنين: شيخ الأزهر ووزير الداخلية، ولكني أجهد نفسي وأكلفها ألوان المشقة أبحث عن هذا السلطان الغريب الذي أتيح لشيخ الأزهر؛ فجعل له الكلمة العليا على العلم والعلماء، وعلى الإسلام والمسلمين. لا باباوية في الإسلام، ومن زعم أن للإسلام بابا فقد تجاوز حدود هذا الدين واعتدى عليه.

وإذن فمن أين لشيخ الأزهر سلطانه على الدين والمسلمين؟ وأين القانون المدني الذي يخوله هذا السلطان؟ ومن أين لشيخ الأزهر سلطانه على العلم والعلماء؟ وأين القانون المدني الذي يخوله هذا السلطان؟ نعلم أن هناك قانونًا يخول الشيخ وهيئة كبار العلماء شيئًا من السلطان على الأزهريين، ونعلم أن الأحرار من المصريين لن يرضوا حتى يغير هذا القانون، ولكن من زعم لشيخ الأزهر أن الخطيب البغدادي من علماء الأزهر؟ إن الرجل لم يصل قط إلى مصر.

ومن زعم لشيخ الأزهر أن سلطانه يتجاوز الأحياء إلى الأموات؟ وما بال شيخ الأزهر لا يكتفي بتحريم هذا الكتاب على الأزهريين الذين يخضعون لسلطانه قليلًا أو كثيرًا؟ من الذي أباح لشيخ الأزهر أن يعتديَ عليك وعليَّ فيحول بيننا وبين كتاب من حقنا أن نقرأه، ونحن لا نُقدِّر الشيخ ولا نؤمن له ولا نرى له علينا سلطانًا ما؟

الذي أباح للشيخ هذا العدوان أستطيع أن أدلك عليه، بل أنت تعرفه حق المعرفة؛ هو هذه المحالفة الممقوتة بين جماعة من رجال الدين يلتمسون المنفعة العاجلة، وجماعة من رجال السياسة يلتمسون الحكم والسلطان. أولئك يُسخِّرون دين الله لرجال السياسة، وهؤلاء يسخرون حقوق الشعب وسلطانه لرجال الدين، وكذلك تقوم هذه المحالفة على ما لا يُرضي الله ولا يُرضي الناس.

لقد سألت الشيخ أمس عن كتب تنشرها الحكومة بأموال الدولة، ما باله لا يأمر بمصادرتها وإن فيها لشرًّا مما في كتاب البغدادي، وإن قانون المطبوعات الجديد ليبيح له أن يطلب مصادرتها وللحكومة أن تصادرها. إن في كتاب الأغاني الذي يطبع في مطبعة الحكومة للمرة الثانية لشعرًا ونثرًا وأخبارًا وآثارًا أقل ما توصف به أنها تثير شهوات الشبان، وتغويهم بالفسق والفجور. وهذا بعينه هو الذي يبيح القانون للشيخ أن يطلب مصادرته، وللحكومة أن تصادره؛ فليظهر لنا الشيخ شجاعته وغيرته على الدين والأخلاق وآداب الشباب، وأنا أزعم أنه لن يفعل؛ لأنه أضيق باعًا من أن يفعل.

وأخرى نسأل عنها الشيخ ونتمنى عليه أن يكون صريحًا إن أجاب، وشجاعًا إن اعتزم العمل: ليس في القرآن ولا في الحديث ما يحرم على الناس نقد أبي حنيفة، ولكن في القرآن والحديث نصوصًا صريحة لا تقبل شكًّا ولا تحتمل تأويلًا، وهي تحرم على الناس الربا، ويقال: إن البرلمان المصري — والشيخ عضو فيه — أقر قانونين نفذ أحدهما منذ عام، وسينفذ الآخر بعد أيام، وكلاهما يجعل الربا قاعدة من قواعد التعامل في بنك التسليف الزراعي وفي بنك التسليف العقاري.

فماذا صنع الشيخ لمقاومة هذين القانونين. أتراه عارض، أتراه أنكر؟ أتراه حمل غيره من الأعضاء على المعارضة والإنكار؟ أتراه استقال من البرلمان؟ لا! لم يعارض ولم ينكر ولم يدعُ إلى معارضة ولا إنكار، ولم يستقل، بل لم يأمر حتى بمصادرة هذين القانونين اللذين يبيحان الربا. لماذا؟ لأن الدولة من وراء هذين القانونين تحميهما. أما كتاب البغدادي فليس له من يحميه إلا الله، ولكن كفى بالله وليًّا، وكفى بالله نصيرًا.

وأخرى أسأل عنها الشيخ وأحب أن يكون صريحًا إن أجاب، شجاعًا إن عمل: أين تودع أموال الأزهر الشريف التي يقبض منها الشيخ الجليل مرتبه كل شهر؟ أفي بيت الشيخ؟ أم في رواق من أروقة الأزهر؟ أم هي تدور مع أموال البنك الأهلي وتغل على الأزهر الشريف قليلًا أو كثيرًا من الإيراد؟

وأموال وزارة الأوقاف — والشيخ عضو في مجلس الأوقاف الأعلى — أين هي؟ أخصبة هي أم جدبة؟ أعقيمة هي أم منتجة؟ أليس الشيخ يوافقني على أن مثل هذه الأشياء أحق بنشاطه في خدمة الدين؟ أليس الشيخ يوافقني على أن نهي الدولة والأفراد والأزهر والأوقاف عن الربا آثر عند الله عز وجل وأحب إليه من مصادرة كتاب البغدادي لأن فيه نقدًا لأبي حنيفة؟ أليس الشيخ يوافقني على أنه يلعب حين ينصرف عن البغاء والربا، وعن التبشير وتعطيل الحدود، إلى مصادرة كتاب الخطيب البغدادي؟

ليلعب الشيخ ولتلعب معه الحكومة، ولتؤت هذه المحالفة بين جماعة من رجال الدين وجماعة من رجال السياسة ثمارها المفسدة للحرية، المهدرة لكرامة العقل، ولكني أرجو أن لا تلعب مصر، وأن لا تسمح بإفساد الحرية وإهدار كرامة العقل. نعم، ليلعب الشيخ وتلعب معه الحكومة، ولكني أنصح لهما أن يلعبا بغير العلم، وأن يعبثا بغير كرامة العقل، فإن الذين يلعبون بالعلم والعقل لا يجنون من هذا اللعب خيرًا. نعم، ليلعب الشيخ ولتلعب معه الحكومة، ولكني مطمئن إلى أن العلماء في الشرق والغرب سينكرون هذا اللعب، ويحتجون على براءته من الذوق.

ليلعب الشيخ، ولتلعب معه الحكومة، ولكي واثق كل الثقة بأن صاحب الجلالة المصرية، والأمين على الكرامة المصرية، وجار العلم والعلماء في مصر لن يسمح بأن يستمر هذا اللعب السخيف طويلًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.