يجب أن يكون أصدقاؤنا الإنجليز راضين عنا كل الرضى؛ فقد سلكنا في جماعة الأمم المتحدة مسلكًا من شأنه أن يملأ قلوبهم رضى ونفوسَهم غِبطةً وحبورًا. سلكنا مسلك الأطفال المؤدَّبين المهذَّبين الذين أحسنت أمهاتهم تربيتهم وتأديبهم، فهم لا يخالفون عن التقاليد في المحافل والمجتمعات، وهم لا يرفعون أصواتهم بكلمة نابية أو غير نابية، وهم لا يقولون إلَّا ما يُراد لهم أن يقولوا، وهم يؤثِرُون الصمت على أي كلام. فإذا اضْطُرُّوا إلى القول قالوا، ولكن في لهجة هادئة معتدلة وصوت مُتَّئِدٍ رزين. ثم هُم لا يطلبون شيئًا فضلًا عن أن يُلِحُّوا في طلب شيء، فليس من حسن الأدب ولا من كمال التربية أن يطلب الأطفال إلى أسرهم شيئًا أمام الأضياف، فضلا عن أن يطلبوا شيئًا إلى الأضياف أنفسهم. وإنما الأدب كل الأدب والتربية كل التربية أن ينتظر الأطفال هادئين وادعين، مُطرِقين إلى الأرض مبتسمين لمن حولهم، لا يقولون شيئًا ولا يطلبون شيئًا حتى يوجَّه إليهم الكلام، فيكون الجواب في أدب واستحياء، وحتى تقدم إليهم الطرفة فيكون القبول في كثير من التردُّد والتمنُّع مهما يكُن في دخيلة القلب والضمير.

كذلك كانت سيرتنا في جماعة الأمم المتحدة. فلولا أن الأدب نفسه كان يقتضينا الكلام لما تكلمنا، ولكن مندوبي الأمم كلها تكلموا، فيجب أن نقول شيئًا وأن نُسمع صوتنا حتى لا يُظَنَّ بنا الخَرس أو العمى. وجماعة الأمم المتحدة قد أهدت إلينا فضلًا وصنعت لنا معروفًا، وأخذت بيدنا حتى أجلستنا في مجلس الأمن، فمن أيسر الأدب ومن الرعاية لأصول التربية الصالحة أن نشكر لها هذا الفضل، وأن نعترف لها بهذا الجميل. فقد تكلمنا إذن كما تكلَّم الناس ليقال إننا تكلمنا، وقد تكلمنا إذن لنشكر الفضل فيقال إننا مؤدبون مهذبون، وقد تكلمنا بعد هذا وذاك لنسمع صوت أنفسنا، ولنعرف أننا ما زلنا قادرين على الكلام، ولنطمئن إلى أن ممثلينا في الخارج يستطيعون أن يرفعوا صوت مصر عاليًا بين أصوات الأمم، ورأسها شامخًا بين رءوس الشعوب. ولولا أن في أصدقائنا الإنجليز حزمًا صارمًا وعزمًا جازمًا واقتصادًا في القول وبُخلًا بالثناء؛ لأهدَوْا إلينا كثيرًا من هذه الألفاظ الحُلوة التي تدل على الرضى وتُصَوِّر حُسن التقدير. ولكن أصدقاءنا الإنجليز يُؤثِرُون التجهُّم والعبوس على الإشراق والابتسام، وهم يخشَوْن إن ابتسموا لنا وأظهروا رضاهم عن سيرتنا في جامعة الأمم المتحدة أن نطمع فيهم ونجترئ عليهم.

والإنجليز ماهرون في التربية بارعون في البيداجوجيا، أمهر من وزارة المعارف المصرية، وأبرع من مشيري وزير المعارف المصرية. وهم من أجل ذلك لا يُحِبون أن يبتسموا لنا حتى حين نستحق الابتسام، ولا أن يُظهروا الرضى عَنَّا حتى حين نستأهل الرضى. ولو أن لنا حلفاء غير الإنجليز وسلكنا معهم هذا المسلك الوديع الظريف لما بخَلوا علينا بالابتسام، ولا ضنوا علينا بالثناء، ولا تردَّدوا في أن يُقدِّموا إلينا ألوانًا من الحلوى والفاكهة؛ تقديرًا لهذا المسلك المؤدب المهذب الظريف.

والأشياء تُعرف بأضدادها، فانظر إلى إيران لم يكَد ممثلها يتكلم حتى أثارها حربًا شعواءَ على روسيا، فشغل بنفسه وبوطنه جماعة الأمم المتحدة، وشغل بنفسه وبوطنه أنباء البرق والراديو وكُتَّاب الصحف والمجلات. وانظر إلى ممثِّلي سوريا ولبنان، لقد أنذروا بأنهم سيقولون شيئًا فجعل الناس ينتظرون ليسمعوا ما سيقولون، ثم تكلَّموا فقالوا ما أرادوا أن يقولوا، واستمَعَ لهم ممثلو الدول في كثير من العناية وفي كثير من الاهتمام، وشغلت بهم أنباء البرق والراديو، واحتفل بهم كُتَّاب الصحف والمجلات. ضايقوا فرنسا وبريطانيا من غير شَكٍّ كما ضايق ممثلو إيران الدولة الروسية الكبرى. أمَّا نحن فقد كُنَّا على حظٍّ عظيمٍ من الأدب الكريم، وعلى نصيب موفور من التربية العالية الممتازة. فلم نقُل شيئًا، ولم نضايق أحدًا، ولم نشغل بأنفسنا برقًا ولا بريدًا ولا صحفًا ولا مجلاتٍ، وإنما اختلسنا حديثنا اختلاسًا، ومررنا به على الجماعة مرَّ النسيم الهادئ البليل في الوقت القائظ المُحرِق للأجسام المرهق للنفوس.

ومن الحق أن نشكر لوزير خارجيتنا أنه مثَّلنا فأحسن تمثيلنا، وأظهر لجماعة الأمم المتحدة أن مصر مؤدبة مهذبة ورقيقة رشيقة، لا تحب أن تزعج أحدًا، وإنما تُؤثِرُ دائمًا أن تكون خفيفة الظل حُلوة الرُّوح، حتى حين تُلِمُّ بها المُلِمَّات وتثقل عليها الخطوب. من الحق علينا أن نشكر لوزير خارجيتنا حُسن تمثيله لنا وصدق تعبيره عَنَّا، ودِقَّةَ تصويره لأخلاقنا وآدابنا وسيرتنا الراقية ونفوسنا الراضية.

ولكن وزير خارجيتنا لا ينبغي أن يستأثر وحده بهذا الشكر، فله فيه شركاء ليسوا أقلَّ منه فضلًا ولا أيسر منه استحقاقًا للثناء. فوزير الخارجية لا يتكلَّم عن نفسه، وإنما يقول ما يطلب إليه أن يقول؛ فهو لسان الحكومة، وهو مرآة لمجلس الوزراء. فإذا كان قد أحسن تمثيلنا وأجاد التعبير عن أخلاقنا وآدابنا وعن نفوسنا الراضية وقلوبنا المطمئنَّة؛ فالفضل في ذلك ليس له وحده، وإنما هو لرئيس وزرائنا أولًا ولمجلس وزرائنا ثانيًا ولوزير خارجيتنا آخر الأمر.

ولو أن رئيس وزرائنا أراد وأراد معه زملاؤه الوزراء؛ لكُنَّا أطول لسانًا من إيران، ولكُنَّا أشد إقلاقًا من سوريا ولبنان. ولكننا قومٌ مؤدَّبون مهذبون، يُقضى في أمرنا ونحن غائبون فلا ننكر، ويُقضى في أمرنا ونحن شاهدون فلا نحتج. يمنعنا الأدب من الإنكار، وتمنعنا التربية من الاحتجاج، ونحن بناة الحضارة وشادة الأهرام، ومعلمو الإنسانية، قد حلبنا الدهر أشطره، وبلونا حلوه ومره، وجربناه فأَحْسَنَّا تجربته. عنَّا صدرت الحكمة قبل أن تعرفها الهند، وقبل أن تعرفها اليونان، وقبل أن يعرفها العالم الحديث. ونحن من أجل هذا نُؤثِرُ الصمت لأنه من ذهب، ونترك لغيرنا الكلام لأنه من فِضَّةٍ، والحكماء يؤثرون الذهب على الفضة، ويفضلون الصمت على الكلام.

ونحن نعلم حق العلم أن احتجاج إيران لن يُجلِيَ روسيا عن أذربيجان، وأن احتجاج سوريا ولبنان لن يجلي البريطانيين والفرنسيين عن أرض سوريا ولبنان. وإذن فلِم ننكر ونحن نعلم أن الإنكار لن يُغني شيئًا، ولِم نحتج ونحن نعلم أن الاحتجاج لم يرد مكروهًا. إنما يتكلم ويحتج ويُنكر من لا حظَّ له من حكمة، ولا نصيبَ له من تجربة. فأمَّا نحن الذين علَّموا الناس الحكمة، وبيَّنوا لهم كيف ينتفعون بالتجربة، فما ينبغي أن نتكلم إلَّا حين نستيقن بأن الكلام سينفع أو يفيد.

أرأيت إلى أن وزير خارجيتنا لم يُمَثِّلْ آدابنا وأخلاقنا فحسب، وإنما مثَّل حكمتنا وفطنتنا وحُسن فَهمِنَا للأمور، وحسن تدبيرنا للظروف، وحُسن حكمنا على الأشياء والأحياء. ومن الحق أن الشعب المصري ساخط محزون، كان يَوَدُّ لو سلك وزير خارجيتنا مسلك إخواننا السوريين واللبنانيين والإيرانيين. ولكن الشعب المِصري ليس مُطَّلِعًا على حقائِقِ الأمور كما يَطَّلِعُ عليها الوزراء، ولا مقدِّرًا لدقائقها كما يُقَدِّرُهَا الوزراء، وفي الشعب اندفاع يَحْسُنُ أن يُضبط، وتطرُّف يحسن أن يُرد إلى الاعتدال. وحسب الشعب أن يعلم أن العناية الإلهية قد جعلت مصيره ومستقبله أمانة بين يدي رئيس الوزراء، ورئيس الوزراء خيرُ من يحمل الأمانة، وهو أقدر على حَملها من السماوات والأرض والجبال. فما ينبغي للشعب إلَّا أن يطمئن وينام ما دام رئيس الوزراء وزملاؤه حاملين للأمانة ناهضين بأعبائها.

ومن الحق أن بعض حكمائنا وعقلائنا وأصحاب الرأي فينا وأساتذتنا المُحَنَّكِين كانوا يَوَدُّون لو سلك وزير خارجيتنا في لندرة مسلك غيره من وزراء الشرق الأدنى والأوسط.

فصدقي باشا مثلًا ليس راضيًا ولا مطمئنًّا، ولكن صدقي باشا رجل عسير ليس إلى إرضائه من سبيل، فلندعه يسخط اليوم فسيرضى غدًا، وهو بعد كل شيء ليس مبعوث العناية الإلهية في هذه الأيام. فليس له إلَّا أن يطمئن وينام كما يطمئن الشعب وينام.

ومن الحق أن من وزرائنا من يملِك القلق عليه أمره، ويفسد عليه حياته، ويخرجه عن التضامن الوزاري، ويضطره إلى التشهير والتشنيع. ولكن هذا كله لا ينبغي أن يُخِيفَنَا، ولا أن يقلقنا. فهذا الوزير المُشفِق القلِق لم يندفع إلى إشفاقه وقلقه إلَّا لأن الأمر ليس إليه هو، ولو قد كان هو في لندرة لتكلَّم كما تكلم وزير الخارجية، ولكان خفيف الظل حُلو الرُّوح عند أصدقائنا الإنجليز. فقد يظهر أن وزراءنا لا يحبون أن يظهروا للإنجليز من أنفسهم ولا من وطنهم إلَّا خفة الظل وحلاوة الرُّوح، فأمَّا شدة الوطأة وغلظة الحديث ومرارة اللسان وعظم السطوة وحِدَّة البأس، فكل هذه خِصال يُؤثِرُون بها مواطنيهم من المصريين. ولهم في هذا كله الحق كل الحق، فهم مُضطَرُّون أن يلينوا مع الإنجليز لأن الإنجليز لا يؤخَذُون إلَّا باللين، وهم مُضطَرُّون إلى أن يخشنوا على المصريين لأن المصريين لا يُؤخَذُون إلَّا بالخشونة والعنف. وهم حين يتصلون بالإنجليز أصحاب سياسة، والسياسة لباقة ورشاقة ولِين، وهم حين يتصلون بالمصريين أصحاب تربية وتعليم، ولا تكون التربية إلَّا بالحزم، ولا يكون التعليم إلَّا بالعزم، فأي غرابة في أن يكون وزراؤنا أسودًا علينا وظباءً حِسانًا مع حلفائنا وأصدقائنا الإنجليز؟

أمَّا بعدُ، فقد آنَ لهذا الشعب المصري أن يعرف نفسه ويقدِّر حياته حقَّ قدرها، ويملأ قلبه ثقة بأنه قد خُلِق ليحكم على غير ما يريد، ويُدبر أمره على غير ما يُحب، ويخضع لوزراء تُلقي عليهم العناية الإلهية أعباء الحكم فينهضون بها، لا يُسألون عنها إلَّا أمام ضمائرهم وأمام العناية الإلهية التي اختارتهم. وضمائرهم راضية مطمئنَّة، وآية ذلك أنهم لا يغيِّرون من سيرتهم شيئًا. والعناية الإلهية التي اختارتهم راضية عنهم، وآية ذلك أنها لم تزلهم عن مناصب الحكم. ونحن المصريين قد أنشأنا الحضارة ونشرنا الحكمة في العالم، فلا ينبغي أن نخرج عن هذه الحكمة التي تعلِّمنا أن نسمع ونطيع مهما تكُن الظروف ومهما تكن المُلِمَّات.

لقد أفلح من طار بجناح أو استسلم فأراح، ونحن المصريين لا نُحْسِنُ أن نطير لأننا لسنا أُولِي أجنحة، أو لأن أجنحتنا لم ينبت فيها الريش بعدُ!

فلنصبر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.