نعم لا بد من تهنئةٍ، بل من تهنئاتٍ كثيرة يساق بعضها إلى الأمة، ويساق بعضها إلى الحكومة، وتتصل بأشياء كثيرة لا ينبغي أن تمر دون أن تُهنَّأ عليها الأمة، ودون أن تُهنَّأ عليها الحكومة، ولست أدري لماذا لا أحس حاجة إلى الاستعجال في تهنئة الأمة، وإنما أنا حريص أشد الحرص على أن أقدم للحكومة قبل الأمة أصدق التهنئة وأخلصها؛ لما وُفِّقت إليه أمس من البراعة في فن التمثيل المضحك، والتفوق في فن التسلية وتجلية الهموم.

ومع ذلك، فليس من أعضاء الوزارة من درس في معهد التمثيل، الذي ألغاه وزير التقاليد، أو غيره من معاهد التمثيل في أوروبا! ولسنا نعلم أن أحدًا منهم تخرج على زعيم من زعماء الفن المضحك المُلهي في مسرح من مسارح القاهرة، أو ملعب من ملاعب لندرة وباريس، ولكن الناس جميعًا يذهبون إلى الملاعب ودور السينما، ويشهدون فنون البارعين من اللاعبين الذين يسحرون العقول بمهارتهم، ويستهوون الألباب بلباقتهم، وقدرتهم العجيبة على الفر والكر، وعلى الظهور والاستخفاء، وعلى الخطف والاختلاس؛ فليس غريبًا أن يبرع منهم ذوو الكفاية والذكاء في تقليد اللاعبين ومحاكاتهم، وقدرتهم على الإتيان بالأعاجيب.

ومن ذا الذي ينكر أن لسادتنا اليوم حظوظًا موفورة من الكفاية والذكاء، ومن ذا الذي ينكر أنهم قادرون على أن يستفيدوا بفضل ذكائهم وكفايتهم من اختلافهم على الملاعب ودور السينما، فيبرعوا في فن التسلية وتجلية الهموم. ومصر في حاجة إلى حكومة من غير شك، ولكن الشعوب تحتاج أيضًا إلى المُسلِّين والمضحكين.

ولم تحتج مصر في يوم من الأيام إلى مَن يُضحكها ويسليها كما احتاجت اليوم، وقد أحاطت بها الخطوب من كل مكان، وأخذت عليها الأحزان والآلام كل سبيل، ومصر ممتازة من البلاد دائمًا، وأهلها ممتازون من الناس دائمًا، فكما أن بلدًا من البلاد لا يستطيع أن يفاخر مصر بالأهرام وأبي الهول؛ فليس في الأرض شعب من الشعوب يستطيع أن يفاخر الشعب المصري بأن له وزارة كوزارتنا تسوءُه وتسره معًا، وتغضبه وترضيه معًا، تُنزِل بساحته الهموم والأحزان حتى إذا غمرته من ذلك بما يُطيق وما لا يطيق؛ رفعت له الستار عن مهزلة بديعة كلها دعابة وفكاهة، ولباقة وظرف، وأي شعب من الشعوب يستطيع أن يقول كما يقول الشعب المصري اليوم بحق: إن لي حكومة تجمع بين السياسة والإدارة والتمثيل، فتتقن السياسة والإدارة والتمثيل، ولا تأخذ على هذا كله إلا أجرًا واحدًا؟!

والمصريون معروفون بالذكاء دائمًا، ولكن حظهم من الاختراع في هذه الأيام قد ضعف بعض الشيء، وكانوا يحسون شيئًا من الألم لتفوق الأوروبيين والأمريكيين عليهم في الابتكار؛ فقد أذن الله لهم أن يرفعوا رءوسهم بعد أن وُفِّقت وزارتهم إلى ما لم يُوفَّق إليه موسوليني ولا هتلر، فجعلت التمثيل المضحك أصلًا من أصول الحكم، وجعلت الدعابة فصلًا من فصول السياسة، فكيف لا تُهنَّأ الحكومة المصرية على هذا الفوز العظيم؟ بل كيف لا تُقدَّم لها التهنئة بهذا الفوز قبل أن تُقدَّم التهنئة إلى الأمة بأي لون من ألوان الانتصار؟

أما أنا فلن أُقصِّر في النهوض بهذا الواجب، ولن أدع للوزارة القائمة سبيلًا إلى لومي، وللعتب عليَّ بأني لم أعرف لها حقها، ولم أُقدِّر لها ما تأتيه من جلائل الأعمال، ولن أتردد في إعلان ما يملأ نفسي من إكبار الحكومة، والإعجاب ببراعتها فيما وُفِّقت إليه أمس من البراعة في خطف الزعماء. لغيري من الكُتاب والسياسيين والذين يعارضون الحكومة، فيحزنون لكل شيء، ويأسون لكل شيء، ويسخطون على كل شيء، أن يلوموا الحكومة ويؤنبوها على ما اقترفت أمس من اعتداءٍ على الدستور الذي وضعته، وجناية على القانون الذي تحوطه، وخروج على النظام الذي تحميه. أما أنا فلا أستطيع أن أحزن لما يسر، وأغضب لما يرضي، وألوم على ما يستحق التهنئة والثناء!

أنا أريد أن ألقى سياستنا المصرية ضاحكًا دائمًا؛ لأن سياستنا المصرية أصبحت مضحكة، ومضحكة فحسب منذ حين. وقد فهمت الآن ما لم أكن أفهمه من قبلُ السببَ الحقيقي الذي دعا إلى ترقيع الوزارة منذ أيام؛ فقد كانت الوزارة قاتمة اللون حزينة فيما تقول، حزينة فيما تفعل، باعثة للحزن في نفوس الأفراد والجماعات، ولا سيما منذ مرض رئيس الوزراء، فظهر أن طول الحزن يفل العزائم، ويبعث شيئًا من الفتور في الهمم، وظهر أن لا بد من أن يضاف إلى الوزارة واحد أو غير واحد من الذين يحسنون فن التسلية والتسرية عن النفوس.

وقد اختار رئيس الوزراء فوفق في الاختيار، وأؤكد له أني شديد الإعجاب بوزير داخليتنا الجديد. قل ما شئت، واغضب ما استطعت أن تغضب، واحتد ما وسعتك الحدة؛ فلن تستطيع أن تزيل عن شفتي ابتسامة الإعجاب بصاحب السعادة القيسي باشا، ولن تستطيع أن تمنعني من أن أقول للذين اختاروه: إنهم قد وُفِّقوا أحسنَ التوفيق.

هذا رئيس الوفد وصاحبه يركبان القطار ومن ورائه مدينة مائجة بالناس قد أصمت آذان الإدارة بالهتاف لهما وبالتصفيق، وبإعلان السخط على الماضي القريب، والأمل في المستقبل القريب، وأمامهما مدن وقرى تموج بالناس وهم يهتفون ويصفقون، وهم يسخطون على اليوم، ويبتهجون للغد، وهم ينكرون قومًا ويعرفون آخرين، وهم يدعون لقوم وينعون على قوم آخرين، ورئيس الوفد وصاحبه يودعان هذه الأمواج الهاتفة المصفقة، والساخطة الراضية، وقد امتلأت قلوبهما أملًا وثقة ورضى وهما يتهيَّأن لاستقبال أمواج — كتلك الأمواج التي ودَّعاها — فيها أمل ورجاء، وفيها رضى وابتهاج، وفيها إنكار لقوم ومعرفة لقوم آخرين، وفيها دعاء لقوم ونعي على قوم آخرين.

والقطار يسير والناس يرافقونه بأجسامهم ما وسعتهم القوة على العدْو، فإذا أعجزهم العدْو أرسلوا قلوبهم وآمالهم تحف القطار من جانبيه، وإذا القطار يقف في الطريق، وإذا العربة التي تقلهما تُفصل ثم تُوصل، وإذا قطار آخر يستأنف السير، بل ينهب الأرض نهبًا، وإذا رئيس الوفد وصاحبه قد خُطفا. نعم خطفا، خُطفا من الشعب الذي خُدع وغُرِّر به، وخُطفا من أنفسهما فلم يُنَبَّها ولم يُنْذَرا، ومتى نُبِّه المخطوف إلى أنه سيُخطَف؟ أو متى نُبِّه المسروق إلى أنه سيُسرق؟ ومتى نُبِّه الناس إلى أن كيدًا قد دُبِّر لهم بليلٍ!

وكان هذا الكيد قد دُبِّر بليل، ولم يُدبَّر حيث تُدبَّر أعمال الحكومة، لا في رياسة مجلس الوزراء، ولا في وزارة الداخلية، ولا في ديوان من دواوين الحكومة، ولا في مكان من الأماكن التي يلتقي فيها الوزراء، ولا في وضح النهار وبأعين الناس كما تفعل الحكومات الساذجة العبيطة — إن صح هذا التعبير — وإنما دبر في ظلمة الليل بعيدًا عن القاهرة في ظل الأهرام وفي هليوبوليس بعد ذلك، ويقال إن تدبيره لم يكن سهلًا ولا ميسورًا، وإن مدبريه قد أرقوا له ليلهم كله أو أكثره.

وأكبر الظن أنهم لم يحسوا طول الليل؛ لأنهم كانوا عن النوم في شغل، وأكبر الظن أن غير واحد منهم قد تمثل في نفسه قول بشار:

لم يَطلْ ليلي ولكنْ لم أنَمْ

ونفَى عني الكرَى طَيفٌ ألَمْ

وكان هذا الطيف طيفين: رئيس الوفد، وطيف صاحبه الأستاذ مكرم. وكان هذان الطيفان لا يحبان الإلمام، وإنما يحبان اللزوم المُلحَّ والزيارة الطويلة، فارتسما أمام الوزراء في الصباح والمساء، وفي كل لحظة تمر، وفي كل مكان يستقرون فيه، فلم ينفيا عنهم الكرى وحده؛ بل نفيا عنهم الراحة والهدوء، وزهداهما في الطعام والشراب.

فلما أُحكِم الكيدُ أُخِذ في تنفيذه، فسافر من سافر، وأقام من أقام، ونامت أعمال الدولة صباح أمس، وغدَا وزراء الدولة على زميلهم وزير الداخلية، فأقاموا عنده يرقبون ويتحسسون الأخبار، حتى إذا انتهى إليهم النبأ أن قد نفذ الكيدُ، وخُدع الشعب، وسُرق الرئيس وصاحبه؛ انطلقت أنفاس حارة كانت تكوي القلوب، وتلهب الصدور.

هنالك انحلت عقدة الألسنة، وهنالك نشطت العقول للتفكير، وهنالك فكر الوزراء وقدروا وأعدوا تفسيرًا للقصة التمثيلية المضحكة؛ فكتبوا بلاغهم الرسمي البديع. وتريدني بعد ذلك على أن أغضب! وتريدني بعد ذلك أن ألوم الوزراء! صدقني ليس في الأمر ما يدعو إلى اللوم، ولم تريد أن تغضب وقد عجزت الحكومة ذات الحول والطول، وذات الشرطة والجيش، والمعتزة بتأييد الحياد النزيه عن أن تواجه رئيس الوفد وتطلب إليه أن يقطع رحلته؟ وعجزت الحكومة ذات الحول والطول، وذات الشرطة والجيش، والمعتزة بالحياد النزيه عن أن تأخذ الرئيس وصاحبه عنوة من الأمة التي كانت تحيط بهما، وتلتف حولهما! وعجزت الحكومة التي أقرت النظام، وملكت قياد الشعب، وملأت قلوب الناس حبًّا لها، وإعجابًا بها، واستعدادًا لفدائها بالأنفس والأموال عن أن تدع الرئيس وصاحبه ينتقلان من مدينة إلى مدينة لزيارة هؤلاء الأفراد القليلين الخاملين الذين ما زالوا يحبون الوفد؛ يؤمنون له بشيء يسير — يسير جدًّا — من السلطان على القلوب.

أي شيء يغضبك في هذا؟ أكنت تريد نصرًا فوق هذا النصر؟ أكنت تريد فوزًا فوق هذا الفوز؟ أليس يرضيك أن تضطر الحكومة كلها — بحولها وطولها وبأسها وقوتها — إلى أن تخطف من الشعب زعماء الشعب؟ أليس يرضيك أن تعترف الحكومة كلها — بحولها وطولها وجيشها وشرطتها وسلطانها على النفوس والقلوب — أمام مصر وأمام إنجلترا وأمام العالم كله، بأنها مضطرة إلى إحدى اثنتين لترد رئيس الوفد وصاحبه إلى القاهرة؟ فإما الحيلة والكيد وما بعدهما من الخطف والاختلاس، وإما الكر والفر وما بعدهما مما لا أحب أن أذكره.

ستقول: لو قد تركت الحكومة رئيس الوفد وصاحبه يُتِّمان رحلتهما لما كان شرٌّ، ولما تعرض النظام لخطرٍ ولا بأسٍ، ولكن هذا كلام تفهمه أنت وأفهمه أنا؛ لأننا نعرف مصر ونفهمها، فأما الذين يرهبون الخيال، ويخافون من الظلال، فلا يفهمون الأمر كما نفهمه، ولا يلقون الأمر كما تلقاه وألقاه، وإنما يحمون أنفسهم بالعنف الذي ليس فوقه عنف، أو الكيد الذي ليس دونه كيد.

صدقني ليس في الأمر ما يدعو إلى الغضب، وإنما الأمر يدعو إلى تهنئة الحكومة ببراعتها في التمثيل المضحك، وتهنئة الأمة بفوزها الذي لا حد له، والذي ستظهر آثاره في وقت قريب، أقرب مما يظن الممثلون!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.